حذر الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، من أن ما يشهده الاقتصاد العالمي ليس مجرد ظروف مؤقتة، بل هو اختلال هيكلي وعالم صامد لكنه مُجزّأ وهش.
جاء ذلك خلال كلمته في الجلسة الثانية لقمة الصلب العربية الـ19، حيث استعرض التحديات الكبرى التي تواجه الاقتصاد الدولي وتداعياتها المباشرة على قطاع صناعة الصلب في المنطقة العربية، مقدماً حزمة من التوصيات الاستراتيجية للتعامل مع هذه الأزمات.
أولاً: صورة الاقتصاد العالمي.. صامد لكنه هش ومجزّأ
واستهل "غالي" عرضه بالإشارة إلى تقارير صندوق النقد الدولي التي توضح أن الاقتصاد العالمي يبدو ظاهرياً بصمود ونمو متوقع بنحو 3.1% (بعد 3.5%) ليصل إلى 3.5% العام المقبل، إلا أن هذا الصمود يخفي خلفه ضغوطاً تضخمية عالمية تصل إلى 4.7%، مشككاً في افتراضات تراجع التضخم المترتبة على إعادة فتح مضيق هرمز.
وأشار إلى تباطؤ الاقتصاد الصيني (بين 5% و4.5% وصولاً إلى 4%)، وتباطؤ الاقتصاد الأمريكي عند نحو 2.3%، بينما تستحوذ الهند وحدها على نمو قوي بنحو 7%.
وأضاف أن استمرار الضغوط التضخمية قد ينزل بالنمو العالمي بنحو 1.1 نقطة مئوية لاستنزاف الهوامش المالية للدول.
وأوضح أن الانقسام يعود لعاملين رئيسيين؛ الأول هو "ثورة الذكاء الاصطناعي" المتركزة في دول وشركات محدودة باجتذابها نحو 1.1 تريليون دولار، والثاني "تضخم الطاقة" الذي يفتك بالاقتصادات الأضعف.
ونوه إلى أن 31 دولة فقط تمثل 95% من النمو العالمي مقابل 54 دولة في أبريل الماضي، لتكون "دول الأطراف" ومنها منطقتنا العربية وهي الخاسر الأكبر.
ثانياً: أربعة مخاطر كبرى تهدد الاستقرار العالمي
حدد وزير المالية الأسبق أربعة مخاطر رئيسية تواجه الاقتصاد العالمي:
1. فقاعة الذكاء الاصطناعي: خطر انفجارها على غرار أزمة "الدوت كوم" إذا تخلفت توقعات الإنتاجية والعوائد.
2. أزمة الطاقة: استمرار إغلاق مضيق هرمز حتى مارس وبقاء النفط قرب 130 دولاراً للبرميل يخصم 1.1 نقطة أو أكثر من النمو العالمي.
3. المديونية الحكومية: التكلفة الباهظة للاقتراض التي تلتهم الموازنات وتضغط على الإنفاق الاستثماري والبنية التحتية، وبالتالي تراجع الطلب على الحديد والصلب.
4. التجزئة التجارية: تنامي الحروب الجمركية وتشييد سلاسل الإمداد استناداً إلى "الأمن لا الكفاءة".
ثالثاً: جذر الخلل.. النموذج الاقتصادي الصيني
انتقل "غالي" مستنداً إلى خبرته السابقة في رئاسة لجنة صندوق النقد الدولي عام 2008، ليؤكد أن فائض الصين التجاري** هو المصدر الأساسي للخلل الهيكلي؛ فبينما تمثل الصين نحو 16% من الناتج العالمي (مقابل 26% لأمريكا)، فإنها تنتج نحو ثلث السلع المصنعة عالمياً ولا تستهلك محلياً إلا نزراً يسيرًا.
أدوات تنافسية غير عادلة: دعم واسع للإنتاج وتقويم منخفض لليوان بنسبة تتراوح بين 35% و50%.
أرقام قياسية للفائض: بلغ الفائض التجاري الصيني 1.2 تريليون دولار العام الماضي، و938 مليار دولار خلال أول تسعة أشهر من العام الحالي (بزيادة 36%).
معضلة الداخل الصيني: انهار القطاع العقاري مما جعل الأسر تشعر بالفقر وتخفض الاستهلاك، إلى جانب معدلات ادخار مرتفعة (بين 36% و40%)، وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، وبطالة شباب مرتفعة تصل إلى 19%.
التأثير المدمر على الدول النامية: 45% من صادرات الصين تتجه للدول النامية التي تتحمل ثمن هذا الاختلال؛ حيث تعطل الواردات الرخيصة عمليات التصنيع المحلي (كما يحدث في البرازيل وأمريكا اللاتينية)، وتشتعل الحروب التجارية عالمياً (رسوم بـ 50% وحصص وقاية)، محذراً من أن أي تصحيح مفاجئ سيكون كارثياً وقائداً إلى الكساد نظراً لفقدان الحيز المالي للدول.
رابعاً: صناعة الصلب في عالم بسرعتين
فيما يتعلق بقطاع الصلب، يبلغ الإنتاج العالمي نحو 1.7 مليار طن بنمو متوقع 1.6-1.7%، بينما يتراجع الطلب الصيني بنسبة 2% هذا العام و1% العام المقبل. وباعتبار أن الصين تنتج نصف صلب العالم، فإن تراجع طلبها دفعها لتصدير فائضها؛ حيث سجلت الصادرات الصينية 86 مليون طن (يناير–سبتمبر)، و119 مليون طن العام الماضي (ما يعادل إنتاج أوروبا بالكامل).
شبح انقسام السوق: حذر من انقسام السوق إلى منظومتين؛ سوق مفتوحة بأسعار زهيدة (تستهدف منطقتنا)، وسوق مغلقة خلف الحصص والرسوم الجمركية.
آلية تعديل حدودربون الأوروبية (CBAM): تفرض تكلفة إضافية بنحو 15 يورو/طن مع وجود قياس معتمد، ترتفع إلى نحو 100 يورو/طن بدون قياس (مثل الصلب التركي).
خامساً: المنطقة العربية.. بين الصدمة والفرصة
الصدمة: أدى إغلاق مضيق هرمز إلى أضرار بالغة تمثلت في نقص المواد الخام، وتراجع الإنتاج بنحو 20%، وانقلاب نمو الطلب من +18% العام الماضي إلى -11% هذا العام، فضلاً عن تراجع صادرات مصر من الحديد والصلب بنحو الثلثين جراء إجراءات الوقاية والإغلاق الأوروبي وصعوبة التمويل (مثل تأجيل مشروع اختزال مباشر في عُمان).
الفرصة الكبرى: تملك المنطقة ميزة استراتيجية؛ إذ تمثل نحو 30% من إنتاج الحديد المختزل مباشرة (DRI) عالمياً، وتمتلك مقومات الطاقة الشمسية والغاز (فمصر تعتمد بنسبة 60% على الاختزال المباشر، والسعودية تنتج نحو 10 ملايين طن معظمها بالطريقة ذاتها). وتوقع "غالي" أن تنتج هذه المعطيات انتقال الصناعات كثيفة الطاقة إلى المنطقة خلال 10 إلى 15 عاماً لتصبح مركزاً عالمياً للصلب منخفض الكربون.
سادساً: التوصيات الست للعبور بالمرحلة
اختتم الدكتور يوسف بطرس غالي كلمته بطرح 6 توصيات عملية لتعزيز مناعة المنطقة:
1. تأمين سلاسل الإمداد: عبر تنويع المسارات، وبناء مخزون استراتيجي، وتعزيز التعاون اللوجستي.
2. الاستعداد لمتطلبات الكربون: إنشاء جهات تحقق معتمدة، وتسجيل المحتوى الكربوني للمنتجات من الآن.
3. حماية السوق جماعياً: توحيد المواصفات القياسية للواردات والتحرك ككيان عربي واحد.
4.بناء الطلب المحلي: استثمار النمو السكاني والتوسع العمراني في حدود الحيز المالي المتاح.
5.تمويل التوسع على مراحل: البدء بالطاقة المتجددة، ثم القوالب الخضراء (Green Briquettes)، وصولاً إلى تهيئة البنية التحتية لمصانع صلب جديدة.
6. التحدث بصوت واحد: توحيد الخطاب في بروكسل والأمم المتحدة وكافة المحافل الدولية.
واختتم رسالته بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي منقسم ومجزأ، وأن المنطقة العربية تمتلك ميزة نسبية حقيقية تؤهلها لتكون مورداً موثوقاً للصلب الأخضر، شريطة أن تتوقف سياسات العمل الفردي للدول، ويتم القياس بأمانة، وحماية الأسواق والاستثمار معاً بصوت جماعي واحد.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض