موجة احتجاجات وإضرابات تضغط على اقتصادات أوروبا.. الأجور والسكن والتقشف في صدارة المطالب


الجريدة العقارية الاحد 01 نوفمبر 2026 | 05:00 مساءً
محمد عاطف

تواجه اقتصادات أوروبية عدة موجة متزامنة من الإضرابات والاحتجاجات، مدفوعة بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، إلى جانب الخلافات بشأن الأجور وخطط خفض الإنفاق الحكومي.

وتبرز ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال وألبانيا ضمن الدول التي شهدت تحركات عمالية وشعبية خلال الفترة الأخيرة، في وقت تواجه فيه الحكومات والشركات تحديات تتعلق بتباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الإنتاج وضغوط المالية العامة.

ورغم اختلاف دوافع الاحتجاجات من دولة إلى أخرى، فإن تزامنها يعكس اتساع الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، ويثير تساؤلات بشأن تأثيرها المحتمل على الإنتاج والاستثمار وثقة المستهلكين والأسواق المالية.

ألمانيا.. إضرابات عمالية تهدد بتعطيل الإنتاج

بدأ نحو 300 عامل في وحدة «راسلشتاين» التابعة لمجموعة «تيسينكروب» الألمانية إضراباً تحذيرياً عند منتصف ليل الأحد الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، بمشاركة عمال من شركات مجاورة، في أول تحرك ضمن موجة إضرابات تعتزم نقابة «آي جي ميتال» توسيعها خلال الأيام المقبلة.

ويأتي التصعيد في إطار مفاوضات تشمل نحو 3.7 مليون عامل بقطاع الصناعات المعدنية والهندسية، تطالب النقابة بزيادة أجورهم بنسبة 5% لمدة اتفاق تبلغ 12 شهراً.

في المقابل، تواجه الشركات، خصوصاً المرتبطة بصناعة السيارات، ضغوطاً على الإنتاج والربحية والاستثمارات، وسط تباطؤ الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل.

ورفضت النقابة عرض أصحاب العمل، الذي يتضمن دفعة استثنائية تعادل 1% من إجمالي الأجر السنوي خلال صيف 2027، تعقبها زيادة بنسبة 1.3% اعتباراً من يوليو/تموز 2028، معتبرة أن العرض لا يوفر تحسناً كافياً في القوة الشرائية للعاملين.

وقال يورغ كوهلينغر، المسؤول الإقليمي في النقابة، إن الإضراب الأول يمثل بداية مرحلة أوسع من التحركات التحذيرية، في إشارة إلى استعداد العمال لتوسيع الضغط على الشركات.

وبحسب بيان النقابة، من المقرر أن تشمل التحركات ولايات هيسن وراينلاند-بفالتس وسارلاند وتورينغن، ما يرفع احتمالات توقف الإنتاج مؤقتاً في منشآت صناعية أخرى إذا استمرت المفاوضات دون اتفاق.

مأزق الصناعة الألمانية.. زيادة الأجور أم حماية الوظائف؟

تأتي المفاوضات في توقيت تواجه فيه الصناعة الألمانية ضغوطاً هيكلية، تشمل ارتفاع تكاليف الطاقة والمنافسة العالمية والتحول المكلف نحو السيارات الكهربائية والتقنيات الجديدة.

ويرى العمال أن زيادة الأجور ضرورية لتعويض تراجع القدرة الشرائية ودعم الاستهلاك المحلي، بينما تحذر الشركات من أن ارتفاع تكاليف العمالة في ظل ضعف الطلب وتراجع هوامش الربح قد يحد من قدرتها على الاستثمار، أو يدفعها إلى إعادة هيكلة أنشطتها وتقليص الوظائف.

وتبرز هنا معادلة اقتصادية معقدة؛ فضعف نمو الأجور الحقيقية يضغط على إنفاق الأسر، في حين أن ارتفاع الأجور بوتيرة تتجاوز نمو الإنتاجية لفترة طويلة قد يزيد تكاليف الإنتاج ويضعف تنافسية الصادرات.

ولا يعني شمول المفاوضات نحو 3.7 مليون عامل دخولهم جميعاً في الإضراب، إذ اقتصرت التحركات الأولى على توقفات محدودة، لكن اتساع قاعدة التفاوض يمنح النزاع أهمية اقتصادية تتجاوز المنشآت المشاركة مباشرة.

فرنسا.. الاحتجاجات تتحول إلى خسائر اقتصادية

في فرنسا، امتدت تداعيات الاحتجاجات إلى قطاعات التجزئة والسياحة والخدمات، بعد أسابيع من المظاهرات التي بدأت بمطالب مرتبطة بتحسين أوضاع التعليم، ثم اتسعت لتشمل غلاء المعيشة وتراجع جودة الخدمات العامة.

وتعرض نحو 2400 متجر لأضرار خلال الاحتجاجات، فيما تجاوزت الخسائر المباشرة المقدرة مليار يورو، وسط مخاوف من اقتراب إجمالي الأضرار والمبيعات المفقودة من ملياري دولار، وفقاً لوكالة «رويترز».

وتكتسب هذه الخسائر أهمية إضافية مع اقتراب موسم التسوق في نهاية العام، إذ يمثل شهرا نوفمبر وديسمبر نحو 40% من المبيعات السنوية لقطاع التجزئة الفرنسي، بحسب تقديرات نقلتها الوكالة.

وفي 31 أكتوبر/تشرين الأول، شارك نحو 320 ألف شخص في مظاهرات جديدة، وفق التقديرات الحكومية التي أوردتها وكالة «أسوشيتد برس»، مقارنة بنحو 550 ألفاً في احتجاجات 17 أكتوبر، ما يشير إلى استمرار التعبئة رغم تراجع أعداد المشاركين.

وتواجه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون معادلة صعبة بين زيادة الإنفاق الاجتماعي لاحتواء الغضب الشعبي، وضبط أوضاع المالية العامة، في ظل مخاطر تفاقم التوترات الاجتماعية إذا استمرت السياسات التقشفية.

كما قد تؤدي اضطرابات السياحة والتجارة إلى إضعاف النشاط الاقتصادي، فيما يزيد عدم اليقين السياسي حساسية المستثمرين تجاه السندات الحكومية الفرنسية.

إيطاليا وبلجيكا.. الأجور والتقشف يشعلان الاحتجاجات

في إيطاليا، اتسعت التحركات الاجتماعية عقب تنظيم مظاهرات واسعة في 30 أكتوبر/تشرين الأول، بعد إضراب عام في القطاع العام دعت إليه نقابة «USB».

وشارك في التحركات عمال وطلاب ومزارعون وسائقو سيارات أجرة ونشطاء في مجال الإسكان، مطالبين بمعالجة انخفاض الأجور وارتفاع أسعار الوقود والسكن وتكاليف المعيشة.

وبحسب صحيفة «لوموند»، قدّر المنظمون عدد المشاركين في التحركات على مستوى البلاد بنحو 1.5 مليون شخص، وهو تقدير نقابي لم يخضع لتأكيد مستقل.

وتضع هذه الاحتجاجات حكومة جورجيا ميلوني أمام تحدي احتواء المطالب الاجتماعية، دون تحميل الشركات والموازنة العامة أعباء إضافية كبيرة.

أما في بلجيكا، فقد خرج آلاف المتظاهرين في بروكسل يوم 9 أكتوبر/تشرين الأول، احتجاجاً على خطط خفض الإنفاق الحكومي والإجراءات الاجتماعية والاقتصادية التي تتبناها حكومة بارت دي ويفر.

وقدرت الشرطة عدد المشاركين بنحو 30 ألفاً، مقابل 50 ألفاً وفق تقديرات النقابات. وتسبب الإضراب في اضطرابات بقطاع النقل العام وحركة الطيران وبعض المؤسسات التعليمية، بالتزامن مع مواجهات بين مجموعات محدودة من المحتجين والشرطة.

ويعكس الوضع في بلجيكا الخلاف بين متطلبات ضبط العجز المالي والحفاظ على الخدمات العامة والدعم الاجتماعي، وهو ما قد يزيد حدة التوتر كلما اتجهت الحكومة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق.

إسبانيا والبرتغال.. أزمة السكن تضغط على دخول الأسر

تتصدر أزمة الإسكان دوافع الاحتجاجات في إسبانيا والبرتغال، مع استمرار ارتفاع الإيجارات وأسعار العقارات بوتيرة تفوق قدرة قطاعات واسعة من السكان على تحملها، حتى مع زيادة الأجور.

في إسبانيا، أعلنت النقابات الرئيسية تنظيم إضراب عام في 11 نوفمبر/تشرين الثاني، احتجاجاً على ارتفاع تكاليف السكن وتراجع القدرة الشرائية، وذلك قبل الانتخابات العامة المبكرة المقررة في 29 نوفمبر.

وتشير تقديرات بنك إسبانيا، التي نقلتها «رويترز»، إلى وجود عجز سكني يبلغ نحو 750 ألف وحدة، مع توقعات بارتفاعه إلى أكثر من مليون وحدة بحلول 2028.

كما يبلغ متوسط الإيجار الشهري 1176 يورو، بما يعادل نحو 98.7% من متوسط الراتب الشهري للشباب، وفقاً للتقرير نفسه، وهو ما يوضح حجم الضغوط التي تواجه الفئات الأصغر سناً.

وفي البرتغال، خرج عشرات الآلاف للمطالبة بزيادة الأجور والمعاشات وتحسين القدرة على تحمل تكاليف السكن، وسط اعتصامات واحتجاجات في لشبونة وبورتو.

وارتفعت أسعار المساكن في البلاد بنسبة 147% بين عامي 2015 و2025، بينما يبلغ الإيجار المعتاد لشقة من غرفة نوم واحدة في لشبونة نحو 1500 يورو شهرياً، مقارنة بحد أدنى للأجور يبلغ 920 يورو قبل الضرائب، وفقاً لوكالة «أسوشيتد برس».

وتعكس هذه المؤشرات اتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف السكن، ما يزيد الضغوط على الحكومتين للتدخل في أسواق الإيجارات وتوفير وحدات سكنية بأسعار يمكن تحملها.

ألبانيا.. الاحتجاجات تتجاوز المطالب المعيشية

في ألبانيا، اتخذت الاحتجاجات طابعاً سياسياً أكثر وضوحاً، رغم ارتباطها أيضاً بقضايا التعليم وفرص العمل والعدالة الاقتصادية.

وشهدت العاصمة تيرانا خلال أكتوبر/تشرين الأول تحركات طلابية للمطالبة بخفض الرسوم الدراسية وزيادة تمويل التعليم، قبل أن تتسع الاحتجاجات لتشمل انتقادات لحكومة إيدي راما، على خلفية اتهامات بالفساد وتراجع الثقة في المؤسسات.

وخرج آلاف المتظاهرين إلى شوارع العاصمة خلال منتصف أكتوبر، وسط اشتباكات مع الشرطة وأعمال تخريب، فيما دعت مؤسسات أوروبية إلى ضبط النفس واحترام حق التظاهر السلمي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وتضيف هذه التطورات بعداً آخر إلى المشهد الأوروبي، إذ ترتبط الاحتجاجات في الاقتصادات الأقل دخلاً بمخاوف تتعلق بفرص العمل والتعليم وجودة المؤسسات، إلى جانب الضغوط المعيشية.

ثلاثة مسارات لانتقال الاحتجاجات إلى الاقتصاد

رغم عدم وجود دليل على تنسيق تنظيمي بين التحركات في الدول الأوروبية المختلفة، فإن تزامنها يكشف عن ضغوط اقتصادية متشابهة قد تنتقل آثارها إلى الأسواق عبر ثلاثة مسارات رئيسية:

أولاً: تراجع النشاط الاقتصادي. يمكن أن تؤدي الإضرابات إلى تعطيل الإنتاج الصناعي والنقل والخدمات، فيما تضغط الاحتجاجات الممتدة على السياحة والتجزئة وثقة المستهلكين. ويتوقف حجم الخسائر على مدة التحركات واتساع نطاقها ومدى تأثيرها على سلاسل الإمداد.

ثانياً: زيادة الضغوط على المالية العامة. قد تضطر الحكومات إلى تقديم دعم إضافي للأسر وزيادة الإنفاق على الخدمات العامة والإسكان، أو تأجيل خطط خفض الإنفاق. وفي الدول مرتفعة المديونية، قد يؤدي ذلك إلى تعقيد تحقيق المستهدفات المالية وزيادة حساسية المستثمرين تجاه المخاطر السيادية.

ثالثاً: تعقيد معادلة التضخم وأسعار الفائدة. يمكن أن تدعم زيادة الأجور الاستهلاك، لكنها قد ترفع تكاليف الشركات إذا لم تترافق مع تحسن الإنتاجية. وفي المقابل، قد يسهم ضعف الطلب والخسائر الناتجة عن الإضرابات في إبطاء النشاط الاقتصادي، ما يجعل تقييم أثر الاحتجاجات على التضخم والسياسة النقدية أكثر تعقيداً.

ولا تعني هذه الضغوط بالضرورة دخول أوروبا في ركود جديد، لكنها تزيد احتمالات ضعف النمو وتقلص هامش المناورة المتاح أمام الحكومات والشركات.

هل تتسع التداعيات الاقتصادية للاحتجاجات؟

تشكل الإضرابات الألمانية خلال نوفمبر/تشرين الثاني اختباراً لقدرة النقابات والشركات على التوصل إلى تسوية توازن بين تحسين القوة الشرائية وحماية الوظائف والتنافسية الصناعية.

وفي الوقت نفسه، ستكون التحركات المقررة في إسبانيا يوم 11 نوفمبر وإيطاليا يوم 20 نوفمبر، إلى جانب تطورات الاحتجاجات الفرنسية، مؤشرات على قدرة الحكومات الأوروبية على احتواء الغضب الاجتماعي دون تقديم تنازلات مالية واسعة.

ويتمثل السيناريو الأكثر ضغطاً في استمرار الاحتجاجات والإضرابات بالتزامن مع تباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع تكاليف الطاقة، بما يضع الشركات أمام تحديات تتعلق بالأرباح والإنتاج، والحكومات أمام مطالب إنفاق متزايدة، والأسر أمام تراجع قدرتها على تحمل تكاليف المعيشة.

وتكشف هذه التطورات عن معضلة تواجه الاقتصادات الأوروبية: الحاجة إلى تعزيز الإنتاجية والاستثمار لاستعادة التنافسية، بالتزامن مع مطالب اجتماعية بتوزيع أكثر ملاءمة للدخل وتحسين الخدمات.

وبذلك، لم تعد الإضرابات مجرد نزاعات منفصلة بشأن الأجور أو الاحتجاجات على قرارات حكومية، بل أصبحت اختباراً لقدرة أوروبا على تحقيق التوازن بين حماية مستويات معيشة السكان والحفاظ على تنافسية اقتصاداتها واستدامة أوضاعها المالية.