تتباين تحركات أسعار الغاز الطبيعي بين الولايات المتحدة وأوروبا، مع اقتراب موسم الشتاء وزيادة الاهتمام بتأمين احتياجات التدفئة، ففي الوقت الذي تراجعت فيه العقود الأمريكية بأكثر من 5%، واصلت الأسعار الأوروبية صعودها إلى مستويات لم تسجلها منذ أواخر عام 2022، وسط اختلافات في مستويات المخزون وتوقعات الطلب ومخاطر الإمدادات.
ويعكس هذا التباين اختلاف ظروف العرض والطلب بين السوقين، إذ تستفيد الولايات المتحدة من تحسن الإنتاج واعتدال توقعات الطقس، بينما تواجه أوروبا ضغوطاً مرتبطة بانخفاض مستويات تخزين الغاز والمخاوف من تعطل بعض الشحنات، خصوصاً القادمة من الشرق الأوسط.
أسعار الغاز الأمريكية تهبط 5.6% في تعاملات أكتوبر
أنهت العقود الآجلة الأمريكية للغاز الطبيعي تسليم نوفمبر، المتداولة في بورصة نايمكس، تعاملات الجمعة 23 أكتوبر 2026 عند 2.64 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مسجلة انخفاضاً بنحو 5.6%.
وعلى الجانب الأوروبي، ارتفعت العقود الهولندية القياسية للغاز الطبيعي «TTF» تسليم نوفمبر إلى نحو 93.85 يورو لكل ميجاوات/ساعة، بزيادة بلغت 4.23%، وفق بيانات التداول التاريخية لعقود بورصة ICE.
وتوضح هذه التحركات اتساع الفجوة بين السوقين، رغم ارتباطهما بتجارة الغاز الطبيعي المسال، فاختلاف الظروف المحلية ومستويات المخزون وتكاليف تأمين الإمدادات يجعل أسعار الغاز في كل سوق تستجيب بصورة مختلفة للتطورات العالمية.
اعتدال الطقس في أمريكا يقلل الطلب على الغاز
يأتي تراجع الأسعار الأمريكية في ظل توقعات باستمرار درجات الحرارة أعلى من معدلاتها الموسمية في مناطق واسعة من الولايات المتحدة خلال أواخر أكتوبر وبداية نوفمبر، ما يقلل الحاجة إلى استخدام الغاز الطبيعي في التدفئة.
ويؤدي انخفاض الطلب المتوقع إلى تقليص الضغوط على المخزونات، ويمنح السوق مساحة أكبر لتلبية الاستهلاك دون الحاجة إلى سحب كميات كبيرة من الاحتياطيات خلال بداية الموسم البارد.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، ساهم تحسن الإنتاج الأمريكي وتراجع احتياجات التدفئة في زيادة الضغوط البيعية على العقود الآجلة، رغم استمرار نشاط صادرات الغاز الطبيعي المسال.
مخزونات الغاز الأمريكية تدعم استقرار الإمدادات
تستفيد السوق الأمريكية من توافر مخزونات تساعد على تلبية الطلب المحلي، إذ أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ارتفاع المخزون بمقدار 77 مليار قدم مكعبة خلال الأسبوع المنتهي في 16 أكتوبر.
ووصل إجمالي المخزونات إلى 3.644 تريليون قدم مكعبة، متجاوزاً متوسط السنوات الخمس بنحو 35 مليار قدم مكعبة، لكنه ظل أقل من مستواه المسجل قبل عام بنحو 152 مليار قدم مكعبة.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المخزونات الأمريكية توفر دعماً للإمدادات في الوقت الحالي، رغم أن الفارق بينها وبين مستويات العام الماضي يوضح أن وفرة الغاز ليست مطلقة، ومع ذلك فإن اجتماع ارتفاع المخزونات مع اعتدال الطقس يخفف من مخاوف نقص المعروض على المدى القريب.
لماذا ترتفع أسعار الغاز في أوروبا رغم تراجعها بأمريكا؟
تواجه الأسواق الأوروبية ظروفاً مختلفة، مع انخفاض مستويات تخزين الغاز مقارنة بالمعدلات الموسمية المعتادة، إلى جانب تصاعد المخاوف من تعطل إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من الشرق الأوسط.
وتدور مستويات امتلاء المخزونات الأوروبية حول 75%، مقابل مستويات موسمية تقارب 90% في السنوات المعتادة، ما يجعل السوق أكثر حساسية لأي تغيرات في الإمدادات أو ارتفاع مفاجئ في الاستهلاك.
وتزداد أهمية هذه الفجوة مع اقتراب موسم التدفئة، حيث تحتاج الدول الأوروبية إلى تأمين كميات إضافية من الغاز للحفاظ على توازن السوق وتلبية الطلب خلال الأشهر الباردة.
مخاطر الشحنات والمنافسة مع آسيا تضغط على السوق الأوروبية
لا تقتصر أسباب ارتفاع الأسعار الأوروبية على انخفاض المخزونات، بل تمتد إلى المخاوف المرتبطة بانتظام وصول شحنات الغاز الطبيعي المسال، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية التي قد تؤثر على الإنتاج أو حركة النقل البحري.
كما تواجه أوروبا منافسة من الأسواق الآسيوية على الشحنات المتاحة، وهو ما قد يرفع تكلفة تأمين الإمدادات إذا زاد الطلب في المنطقتين بالتزامن.
وتعني هذه الظروف أن أي موجة برد قوية أو اضطراب في الشحنات يمكن أن يؤدي إلى زيادة الضغوط على الأسعار الأوروبية، خصوصاً مع الحاجة إلى تعويض مستويات التخزين الأقل من المعتاد.
هل تستمر الفجوة بين أسعار الغاز الأمريكية والأوروبية؟
يتوقف اتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة على مجموعة من العوامل، أبرزها درجات الحرارة، ومستويات الإنتاج، وحجم السحب من المخزونات، وانتظام صادرات الغاز الطبيعي المسال.
فإذا استمر اعتدال الطقس في الولايات المتحدة وتحسن المعروض، فقد تظل الأسعار الأمريكية تحت ضغط، بينما ستبقى السوق الأوروبية أكثر عرضة للتقلبات ما دامت تواجه تحديات في التخزين وتأمين الشحنات.
أما حدوث موجات برد واسعة أو اضطرابات إضافية في إمدادات الغاز، فقد يغير اتجاه الأسعار في السوقين، وإن كانت درجة التأثر ستختلف بحسب قدرة كل سوق على توفير الإمدادات اللازمة.
وبذلك، لا يعني تراجع الغاز الأمريكي بالضرورة انخفاض الأسعار الأوروبية، حيث تتحرك كل سوق وفق ظروفها الخاصة، رغم الترابط بينهما عبر تجارة الغاز الطبيعي المسال.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض