بورصة لندن تفقد نحو 900 شركة خلال عقد.. ماذا حدث؟


الجريدة العقارية الاحد 18 أكتوبر 2026 | 09:29 صباحاً
بورصة لندن
بورصة لندن
وكالات

تواجه بورصة لندن تحديات متزايدة في جذب الشركات الجديدة والاحتفاظ بالشركات المدرجة، بعدما تراجع عدد الشركات المسجلة بها من 2429 شركة في عام 2015 إلى 1534 شركة في مايو 2026، بانخفاض قدره 895 شركة، أي ما يقارب 37%. وفي المقابل، تزداد جاذبية الأسواق الأميركية، خصوصًا للشركات العاملة في قطاعات التكنولوجيا والنمو، بفضل السيولة الكبيرة وفرص الحصول على تقييمات مرتفعة.

ولا يقتصر التحدي على تراجع عدد الشركات، بل يمتد إلى ضعف وتيرة الاكتتابات الأولية، إذ وجدت لندن نفسها خلال عام 2025 خلف أسواق أصغر حجمًا، من بينها عُمان والمكسيك، وفقًا لترتيب نقلته بلومبرغ. ومع ذلك، فإن تحسن حصيلة الطروحات في نهاية 2025 وبداية 2026 يطرح تساؤلًا حول ما إذا كانت السوق البريطانية تتجه نحو التعافي، أم أن التراجع الهيكلي لا يزال مستمرًا.

895 شركة أقل في بورصة لندن.. ماذا تكشف الأرقام؟

انخفض عدد الشركات المدرجة في بورصة لندن من 2429 شركة عام 2015 إلى 1534 شركة في مايو 2026، بتراجع بلغ 895 شركة، أو نحو 37%.

ولا يعني ذلك أن جميع الشركات التي اختفت من قوائم البورصة انتقلت إلى أسواق أجنبية؛ إذ يعكس الرقم صافي التغير في عدد الشركات، متضمنًا حالات الشطب والاستحواذ والاندماج، إلى جانب الإدراجات الجديدة خلال الفترة نفسها.

ويشير هذا الاتجاه إلى تحديين متزامنين: خروج شركات من السوق بوتيرة لا تعوضها الإدراجات الجديدة بالقدر الكافي، وتراجع قدرة البورصة على استقطاب شركات جديدة تبحث عن التمويل والتوسع.

ومع انخفاض عدد الشركات المتاحة للتداول، قد تتأثر جاذبية السوق للمستثمرين، خصوصًا في ظل المنافسة مع مراكز مالية عالمية توفر فرصًا أوسع للاستثمار في الشركات سريعة النمو.

لندن في المركز 23 عالميًا خلال 2025

خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، جمعت بورصة لندن نحو 248 مليون دولار من الاكتتابات العامة الأولية، لتحتل المركز الثالث والعشرين عالميًا وفق تصنيف نقلته بلومبرغ، متأخرة عن أسواق من بينها عُمان والمكسيك وسنغافورة.

ومثلت هذه الحصيلة تراجعًا بنحو 69% مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق، وكانت من أضعف النتائج المسجلة للندن خلال أكثر من 35 عامًا وفق البيانات الواردة.

لكن الأداء تحسن خلال الربع الأخير من العام، وهو ما ساعد البورصة على رفع حصيلتها السنوية، رغم استمرار التحديات المرتبطة بعدد الإدراجات الجديدة.

انتعاش الاكتتابات في نهاية 2025

بحسب بيانات شركة EY، سجلت بورصة لندن 23 اكتتابًا أوليًا خلال عام 2025، جمعت من خلالها نحو 2.1 مليار جنيه إسترليني، مقارنة بـ778 مليون جنيه عبر 18 اكتتابًا في عام 2024.

وبذلك ارتفعت حصيلة الأموال المجمعة بنحو 170% على أساس سنوي، رغم أن عدد الطروحات ظل محدودًا مقارنة بالمستويات التاريخية.

وكان الربع الأخير المحرك الأساسي لهذا التحسن، إذ شهد 11 اكتتابًا جمعت نحو 1.9 مليار جنيه إسترليني. ويعني ذلك أن جزءًا كبيرًا من تعافي السوق اعتمد على النشاط القوي خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام.

ورغم أهمية هذه الأرقام، فإن ارتفاع قيمة الأموال المجمعة لا يعني بالضرورة أن بورصة لندن استعادت قدرتها على جذب أعداد كبيرة من الشركات الجديدة، خاصة أن المقارنة جاءت مع عام 2024 الذي سجل حصيلة منخفضة نسبيًا.

النصف الأول من 2026.. الأموال ترتفع وعدد الطروحات يتراجع

استمر التحسن في قيمة الأموال المجمعة خلال النصف الأول من عام 2026، لكن عدد الاكتتابات الجديدة لم يشهد الزيادة نفسها.

ووفق تقرير EY-Parthenon الصادر في يوليو 2026، سجلت بورصة لندن سبعة اكتتابات أولية جمعت 577 مليون جنيه إسترليني، مقابل نحو 183 مليون جنيه خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت 215%.

في المقابل، تراجع عدد الاكتتابات من تسعة إلى سبعة، ما يشير إلى أن نمو الحصيلة جاء نتيجة قيمة الصفقات وليس زيادة عدد الشركات الجديدة.

كما استحوذ الربع الثاني من العام على نحو 564 مليون جنيه من إجمالي الأموال المجمعة خلال النصف الأول، عبر خمسة اكتتابات، وهو ما يوضح مدى اعتماد النتائج على عدد محدود من الصفقات.

الربع الثالث يعيد التساؤلات.. اكتتاب واحد فقط

كشفت أحدث البيانات الصادرة في 15 أكتوبر 2026 عن تباطؤ جديد في نشاط الاكتتابات ببورصة لندن.

فخلال الربع الثالث من العام، سجلت السوق اكتتابًا أوليًا واحدًا فقط، جمع نحو 29.8 مليون جنيه إسترليني، في أضعف أداء فصلي منذ الربع الأخير من عام 2023.

وبذلك ارتفعت حصيلة الأشهر التسعة الأولى من 2026 إلى نحو 606.9 مليون جنيه عبر ثمانية اكتتابات.

ورغم زيادة الأموال المجمعة بنسبة 204% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق منهجية EY، ظل عدد الإدراجات منخفضًا.

وتبرز هذه الأرقام الفارق بين قدرة السوق على جذب صفقة كبيرة بين الحين والآخر، وبين بناء تدفق مستمر من الشركات الجديدة التي تختار الإدراج في لندن.

لماذا تفضل بعض الشركات نيويورك على لندن؟

تتخذ الشركات قرار الإدراج بناءً على مجموعة من العوامل، من بينها حجم رأس المال الذي يمكن جمعه، والتقييم الذي يمنحه المستثمرون للشركة، والسيولة المتاحة لتداول أسهمها، إلى جانب تكاليف الإدراج والالتزامات التنظيمية.

وتتمتع الأسواق الأميركية بقاعدة واسعة من المستثمرين المؤسسيين وصناديق الاستثمار، فضلًا عن حضور قوي لشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وغيرها من القطاعات سريعة النمو.

وبحسب بيانات EY، جمعت الاكتتابات الأميركية نحو 45.5 مليار دولار خلال عام 2025، وهو ما يعكس حجم النشاط في السوق الأميركية مقارنة بحصيلة الطروحات الجديدة في لندن.

وتتمثل أبرز عوامل الجذب في ثلاثة محاور:

عمق السيولة: تتيح أحجام التداول الكبيرة للمستثمرين شراء الأسهم وبيعها بكميات ضخمة، وقد تسهل على الشركات جذب مؤسسات استثمارية كبرى.

التقييمات السوقية: قد تحصل بعض الشركات، خاصة العاملة في التكنولوجيا والقطاعات ذات النمو المرتفع، على تقييمات أعلى في الولايات المتحدة، بحسب ظروف السوق وأداء الشركة.

الوصول إلى المستثمرين: توفر الأسواق الأميركية قاعدة كبيرة من الصناديق والمستثمرين المتخصصين في الشركات الكبرى والقطاعات سريعة التوسع.

ومع ذلك، لا يضمن الإدراج في الولايات المتحدة الحصول على تقييم أعلى؛ إذ تتأثر النتيجة بطبيعة النشاط التجاري، والأداء المالي، وتوقيت الطرح، وظروف السوق.

من «آرم» إلى «فلتر».. أمثلة على التحول نحو السوق الأميركية

تقدم بعض الشركات البريطانية أمثلة واضحة على تغير تفضيلاتها بشأن مكان إدراج الأسهم.

فقد اختارت شركة تصميم الرقائق البريطانية «آرم هولدينغز» (Arm Holdings) بورصة ناسداك لإجراء اكتتابها العام الأولي في سبتمبر 2023، بدلًا من الإدراج في لندن، في خطوة سلطت الضوء على جاذبية السوق الأميركية لشركات التكنولوجيا.

وفي مثال آخر، ألغت شركة «فلتر إنترتينمنت» (Flutter Entertainment) إدراجها الثانوي في لندن اعتبارًا من 3 أغسطس 2026، واحتفظت بإدراجها في بورصة نيويورك فقط. وأشارت الشركة إلى ضعف تداول أسهمها في لندن والتكاليف الإضافية المرتبطة بالإدراج المزدوج.

وتوضح الحالتان أن الشركات أصبحت تقارن بين الأسواق على أساس السيولة وتكلفة رأس المال والقدرة على جذب المستثمرين، بدلًا من اعتبار الإدراج المحلي الخيار الافتراضي.

لكن نقل الإدراج أو إلغاء الإدراج الثانوي لا يعني بالضرورة انتقال المقر الرئيسي أو الوظائف أو العمليات التشغيلية إلى خارج بريطانيا.

الاستحواذات تضغط على عدد الشركات المدرجة

لا يرجع تقلص عدد الشركات في بورصة لندن إلى انتقال بعض الشركات نحو الأسواق الأميركية وحده؛ إذ تؤدي عمليات الاستحواذ والاندماج دورًا مهمًا أيضًا.

فالتقييمات المنخفضة نسبيًا لبعض الشركات البريطانية قد تجعلها أهدافًا لمستثمرين دوليين وصناديق ملكية خاصة. وعندما تُستحوذ شركة مدرجة وتتحول إلى ملكية خاصة، تُشطب أسهمها من البورصة، حتى إذا ظلت أنشطتها التشغيلية داخل بريطانيا.

ويمتد هذا التراجع إلى سوق الشركات الأصغر والنامية. إذ يشير تقرير برلماني بريطاني صدر في 2026 إلى أن عدد الشركات المدرجة في سوق AIM، المخصصة للشركات الأصغر، انخفض بأكثر من ألف شركة منذ عام 2007، ليصل إلى 634 شركة في نوفمبر 2025.

ويثير ذلك تساؤلات بشأن قدرة منظومة أسواق المال البريطانية على دعم الشركات في مراحل نموها المختلفة، بدءًا من الحصول على التمويل الأولي وصولًا إلى التوسع والتحول إلى شركات كبرى.

إصلاحات بريطانية لاستعادة جاذبية البورصة

تسعى السلطات البريطانية إلى تعزيز جاذبية سوق الأسهم من خلال تخفيف بعض متطلبات الإدراج وتقليل تكاليف الطروحات وتسهيل وصول الشركات إلى رأس المال.

وفي أغسطس 2026، أعلنت هيئة السلوك المالي البريطانية (FCA) تبسيط بعض قواعد الاكتتابات، بهدف خفض التكاليف والمخاطر التنفيذية المرتبطة بطرح الأسهم.

كما تضمنت الإجراءات الحكومية إعفاءً من ضريبة الدمغة على بعض عمليات نقل الأسهم الجديدة لمدة ثلاث سنوات للشركات المؤهلة للإدراج، في مسعى لتشجيع الطروحات الجديدة.

لكن أثر الإصلاحات سيعتمد على عوامل تتجاوز القواعد التنظيمية، من بينها حجم الاستثمارات المتجهة إلى الأسهم البريطانية، ومدى استعداد المستثمرين المحليين لتحمل مخاطر الاستثمار في الشركات النامية، وقدرة السوق على جذب الشركات ذات إمكانات النمو المرتفعة.

وتبرز هنا مخاوف من أن تنجح بريطانيا في تأسيس الشركات ومساعدتها على النمو، لكنها لا تتمكن من الاحتفاظ بها عندما تحتاج إلى تمويل أكبر، فتتجه هذه الشركات إلى أسواق أجنبية بحثًا عن السيولة والتقييمات وفرص الاستثمار.

هل تفقد لندن مكانتها مركزًا ماليًا عالميًا؟

لا تعني التحديات التي تواجه بورصة لندن أن العاصمة البريطانية فقدت مكانتها المالية بالكامل؛ إذ لا تزال مركزًا مهمًا لإدارة الأصول والخدمات المصرفية والتأمين وتداول العملات والتمويل الدولي.

لكن قوة لندن في هذه الأنشطة لا تعني بالضرورة استمرارها في جذب الاكتتابات الأولية بالمستوى نفسه الذي عرفته تاريخيًا.

وتشير بيانات EY إلى أن لندن تمكنت من جمع تمويل عبر إصدارات الأسهم عمومًا خلال عام 2025، رغم ضعف الاكتتابات الجديدة. وهذا يوضح أهمية التمييز بين قدرة الشركات المدرجة بالفعل على جمع تمويل إضافي، وقدرة السوق على استقطاب شركات جديدة للمرة الأولى.

وتتمثل المسألة الأساسية في أن رأس المال لم يختفِ بالضرورة من السوق البريطانية، لكن قدرة البورصة على جذب إدراجات جديدة والاحتفاظ بقاعدة واسعة من الشركات تواجه ضغوطًا واضحة.