أصبح شراء منزل في الولايات المتحدة أسهل من السابق، لكنه بات أكثر تكلفة، في تحول يعكس تغير موازين القوى داخل السوق العقارية الأمريكية، بعدما تراجعت المنافسة بين المشترين وارتفع المعروض من المنازل، فيما بدأ البائعون يخشون انخفاض الأسعار خلال العام المقبل إذا لم يتمكنوا من إتمام صفقاتهم حاليًا.
ووفقًا لصحيفة «واشنطن بوست»، انتهت في مناطق عديدة من الولايات المتحدة مرحلة التنافس المحموم على شراء المنازل، التي كان المشترون خلالها يتسابقون لتقديم عروض متعددة، بل ويتنازلون عن إجراء فحوصات المنازل قبل الشراء، لمجرد الحصول على فرصة لإتمام الصفقة.
ورغم تراجع المنافسة وتباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار، فإن المشترين لم يعودوا بأعداد كبيرة إلى السوق العقارية، في ظل ارتفاع تكلفة التمويل وصعوبة تحمل الأقساط الشهرية.
وسجلت أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري لمدة 30 عامًا نحو 7.4% هذا الأسبوع، وهو أعلى مستوى لها منذ 3 سنوات، ومن بين المرات القليلة التي وصلت فيها إلى هذا المستوى خلال العقد الماضي.
ومع تزايد المؤشرات على استمرار ارتفاع تكلفة التمويل العقاري لفترة طويلة، يفضل الراغبون في شراء المنازل التريث والانتظار، على أمل تحسن ظروف التمويل.
وقالت ستيفاني كروفورد، وهي وسيطة عقارية في ناشفيل: «أسعار الفائدة هي القصة بأكملها»، مضيفة أنها تعتقد أن انخفاض الفائدة سيدفع أعدادًا كبيرة من المشترين إلى دخول السوق.
مخزون المنازل يسجل أعلى مستوى في أكثر من 10 سنوات
يشهد سوق الإسكان الأمريكي تباطؤًا عامًا، وسط مخاوف من تراجعه بوتيرة أكبر، في ظل معاناة المشترين من ارتفاع تكاليف السكن وحالة عدم اليقين الاقتصادي.
ووفقًا للرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين، سيستغرق بيع جميع المنازل المعروضة في السوق حاليًا نحو خمسة أشهر، وهو أعلى مستوى للمخزون منذ أكثر من 10 سنوات.
وفي الشهر الماضي، انخفض عدد المشترين إلى مستوى قياسي متدنٍ منذ بدء شركة «ريدفين» العقارية تتبع هذه البيانات في عام 2013.
كما شهد سبتمبر أقوى سوق للمشترين في تاريخ البيانات التي ترصدها الشركة، إذ تجاوز عدد البائعين عدد المشترين على مستوى الولايات المتحدة بنسبة 63%، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين المعروض والطلب ويمنح المشترين مساحة أكبر للتفاوض بشأن الأسعار وشروط البيع.
الحرب الأمريكية في إيران تقلب توقعات سوق العقارات
كان معظم خبراء اقتصاد الإسكان يتوقعون انخفاض أسعار الفائدة إلى مستويات تقترب من 6% خلال العام الحالي، وهو ما كان من شأنه ضخ دماء جديدة في سوق العقارات وتحفيز المشترين على إتمام صفقاتهم المؤجلة.
لكن الحرب الأمريكية في إيران أدت إلى ارتفاع التضخم، ما دفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى رفع أسعار الفائدة لكبح زيادات الأسعار.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري، ما زاد الضغوط على الراغبين في شراء المنازل من خلال التمويل.
ومن نواحٍ عديدة، يبدو الوقت الحالي مناسبًا لشراء منزل؛ إذ ارتفع عدد العقارات المعروضة للبيع على مستوى البلاد، في حين تراجع الطلب من جانب المشترين، ما يعني انخفاض المنافسة على المنازل.
كما تباطأت وتيرة ارتفاع الأسعار في مناطق عديدة، بل إن أسعار العرض الأولية تراجعت في بعض الحالات. وأصبح البائعون، الحريصون على التخلص من عقاراتهم، أكثر استعدادًا لتقديم شروط وتنازلات مالية لم يكونوا ليقبلوا بها قبل أربع سنوات.
لكن سنوات التضخم المرتفع أثقلت ميزانيات الأمريكيين، كما جعلت الزيادات الكبيرة في أسعار المنازل خلال جائحة كورونا شراء منزل جديد أمرًا بعيد المنال بالنسبة إلى كثيرين.
ومع الارتفاع غير المتوقع في أسعار الفائدة هذا العام، بات المشترون يتساءلون عما إذا كانوا قادرين على تحمل الأقساط الشهرية اللازمة لشراء منزلهم الأول أو الانتقال إلى منزل جديد.
وقالت داريل فيروذر، كبيرة الاقتصاديين في «ريدفين»: «نرى أن المشترين أصبحوا أكثر ترددًا في الشراء، لأن الحسابات المالية أصبحت أكثر صعوبة».
وأضافت أن البائعين، بدلًا من الانسحاب من السوق بالتزامن مع تراجع الطلب، بدأوا يشعرون بالقلق من احتمال انخفاض الأسعار العام المقبل إذا لم يتمكنوا من البيع الآن.
وأوضحت أن بعض البائعين يشعرون أيضًا برغبة متزايدة في الانتقال إلى منازل أخرى، بعدما اضطر كثيرون إلى تأجيل خططهم لفترة أطول مما كانوا يعتزمون، بسبب تمسكهم بقروض الرهن العقاري القديمة ذات الفائدة المنخفضة.
خصومات وتنازلات لم تكن متاحة قبل 3 سنوات
يمكن للمشترين الذين يقررون دخول السوق حاليًا الحصول على تنازلات من البائعين لم يكن من الممكن تحقيقها قبل ثلاث سنوات، في ظل تغير ظروف السوق وتراجع قدرة البائعين على فرض الأسعار والشروط التي يريدونها.
ففي مدينة ناشفيل، اشترى جو هيبرت وآني ريغان، وهما من المشترين للمرة الأولى، منزلًا على الطراز الريفي يعود إلى ستينيات القرن الماضي في يونيو الماضي، مقابل نحو 482 ألف دولار، أي أقل بنحو 20 ألف دولار من السعر المعروض.
وكان المنزل معروضًا للبيع منذ أكثر من 40 يومًا، كما اقترب سعره من الحد الأعلى لميزانية الزوجين.
وبعد التفاوض على خفض السعر، كشف فحص المنزل عن عدد من المشكلات التي تتطلب إصلاحات، من بينها الحاجة إلى استبدال السقف. وتمكن الزوجان من الحصول على خصومات إضافية بقيمة 23 ألف دولار لتغطية تكاليف الإصلاحات.
وساعد خفض السعر، إلى جانب التنازلات المتعلقة بالإصلاحات، على جعل شراء المنزل أكثر ملاءمة لميزانيتهما، رغم ارتفاع أسعار الفائدة.
وقالت ريغان: «عندما بدأنا نرى أسعار الفائدة ترتفع، اضطررنا إلى البحث ضمن نطاق أكثر تحفظًا من ميزانيتنا».
وتعد ناشفيل ثاني أكثر الأسواق العقارية الأمريكية ميلًا لصالح المشترين، إذ يتجاوز عدد البائعين عدد المشترين بنسبة 152%، وفقًا لبيانات «ريدفين»، بينما جاءت ميامي في المركز الأول.
ورغم استمرار انتقال السكان إلى ناشفيل، فإن سوق العقارات هناك أصبحت بعيدة تمامًا عن حالة النشاط المحموم التي سادت في أواخر فترة جائحة كورونا، عندما كانت أسعار الفائدة منخفضة وشهدت السوق منافسة قوية بين المشترين.
وقال جاكوب جونز، مؤسس مجموعة «جونز» العقارية في ناشفيل، إن الإلحاح الذي خلفته جائحة كورونا على المشترين قد تلاشى تدريجيًا.
وأضاف: «لقد تباطأت السوق، وأعتقد أن الجميع يشعر بذلك».
وقد يمثل هذا التباطؤ صدمة للبائعين الذين اعتادوا بيع منازلهم بسرعة كبيرة، وسط منافسة شرسة وعروض شراء متعددة، إذ أصبح إتمام الصفقات يتطلب تسعيرًا أكثر واقعية واستعدادًا أكبر للتفاوض.
وقالت أندريا وول، وكيلة العقارات لدى «ريدفين» في ناشفيل، إن البائع الذي لا يرغب في تحديد سعر مناسب لمنزله والتفاوض بشأنه يضر بفرص بيعه، مضيفة أن هناك فجوة كبيرة حاليًا بين توقعات المشترين والبائعين.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض