ديون الصين تضيق الخناق على خطط التحفيز الاقتصادي.. فوائد الدين تقفز إلى 209 مليارات دولار في 2026


الجريدة العقارية الاحد 11 أكتوبر 2026 | 01:13 مساءً
الاقتصاد الصيني
الاقتصاد الصيني
محمد عاطف

تواجه الصين ضغوطًا مالية متزايدة تحد من قدرتها على إطلاق حزم تحفيز اقتصادي واسعة، في ظل ارتفاع تكاليف خدمة الدين الحكومي وتفاقم الأعباء المالية على الحكومات المحلية، بالتزامن مع تباطؤ النمو وضعف الاستهلاك والاستثمار. وتفرض هذه التحديات على بكين موازنة دقيقة بين دعم النشاط الاقتصادي وتمويل الأولويات الاستراتيجية، وفي مقدمتها التكنولوجيا المتقدمة والصناعات التحويلية، وسط استمرار المنافسة الاقتصادية مع الولايات المتحدة.

وتشير دراسة حديثة صادرة عن مجلس المؤتمرات، وهو مركز أبحاث اقتصادي، إلى أن مدفوعات خدمة الدين ستستحوذ على 19.2% من الموازنة العامة للحكومة المركزية الصينية خلال عام 2026، مقارنة بنحو 12% في عام 2014. وتبدو الضغوط أكثر حدة على الحكومات المحلية، التي ارتفعت مدفوعات فوائد ديونها بمعدل سنوي بلغ 16% خلال الفترة نفسها.

وبحسب التقديرات، من المتوقع أن يصل إجمالي مدفوعات فوائد الديون الحكومية المركزية والمحلية إلى نحو 1.4 تريليون يوان، بما يعادل 209 مليارات دولار خلال عام 2026، مقابل 348 مليار يوان في عام 2014.

وقالت يوهان تشانغ، كبيرة الاقتصاديين في مركز الصين التابع لمجلس المؤتمرات، إن خدمة الدين أصبحت قيدًا فعليًا على الحيز المالي المتاح للحكومات المحلية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز الإنفاق وتحفيز الاستهلاك والاستثمار.

تراكم الديون يضغط على النمو الاقتصادي

تراكمت الديون الصينية خلال السنوات الماضية نتيجة اعتماد نموذج النمو الاقتصادي بدرجة كبيرة على الاستثمار، بما في ذلك الاقتراض الحكومي وتقديم الحوافز للمشروعات المدعومة من الدولة. ووفقًا لتقديرات محللي «مورغان ستانلي»، من المتوقع أن ترتفع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 122% بنهاية عام 2026، بزيادة 48 نقطة مئوية مقارنة بمستواها قبل جائحة كورونا.

وتتزامن هذه الأعباء مع تباطؤ النشاط الاقتصادي، إذ انخفض معدل النمو الصيني إلى 4.3% خلال الربع الثاني، دون النطاق المستهدف رسميًا للعام بأكمله، والبالغ بين 4.5% و5%. وجاء هذا التراجع بالتزامن مع ضعف مبيعات التجزئة والانخفاض الحاد في الاستثمار بالأصول الثابتة.

كما يواصل قطاع العقارات مواجهة تداعيات تباطؤ استمر نحو خمس سنوات، الأمر الذي أضعف الأوضاع المالية للأسر وأثر سلبًا في إيرادات الحكومات المحلية، التي اعتمدت في السابق على مبيعات الأراضي باعتبارها مصدرًا مهمًا للتمويل.

ورغم تعهد بكين بتكثيف جهود دعم الطلب المحلي، فإن ارتفاع تكاليف الاقتراض وخدمة الدين يقلص الموارد المتاحة لزيادة الإنفاق العام، ويزيد صعوبة المفاضلة بين تحفيز الاقتصاد وتمويل الأولويات الاستراتيجية.

إجراءات تحفيزية محدودة لمواجهة التباطؤ

في أواخر سبتمبر، أعلنت السلطات الصينية مجموعة من الإجراءات الرامية إلى دعم النشاط الاقتصادي، شملت تقديم إعانات لتكاليف فوائد الرهن العقاري وخفض الفائدة على إحدى أدوات التمويل. وجاءت هذه الخطوات بعد دعوة مجلس الدولة الصيني إلى تكثيف التعديلات المضادة للدورة الاقتصادية في السياسات الكلية لمواجهة التباطؤ.

لكن محللين شككوا في قدرة هذه التدابير على إحداث تحول ملموس في مسار الاقتصاد. ووصفت «باركليز» الإجراءات بأنها دفعة محدودة وليست تغييرًا جذريًا، بينما قدرت «غولدمان ساكس» أن الدعم المالي الناتج عنها قد يصل إلى 100 مليار يوان على مدى خمس سنوات، وهو حجم اعتبرته محدودًا.

من جانبه، أشار جون لام، رئيس أبحاث العقارات في الصين وهونغ كونغ لدى «يو بي إس»، إلى أن السياسة قد لا تلبي توقعات المستثمرين، في ظل تحديد سقف قيمة المساكن المؤهلة للحصول على الدعم عند 1.5 مليون يوان.

وفي إطار مساعي تعزيز الإيرادات العامة، كثفت السلطات جهود تحصيل الضرائب على الفوائد والتوزيعات النقدية الناتجة عن الصناديق الاستئمانية الخارجية، بهدف زيادة موارد الدولة من خلال توسيع نطاق التحصيل الضريبي من أصحاب الثروات.

التكنولوجيا والصناعات الاستراتيجية تتصدر أولويات الإنفاق

لا ترتبط القيود المالية الصينية بارتفاع خدمة الدين وحده، بل تمتد إلى أولويات توزيع الإنفاق الحكومي. فعلى الرغم من استمرار قوة الصادرات، ولا سيما الإلكترونيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تتجه بكين إلى إعطاء أولوية للاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة والصناعات الاستراتيجية ضمن مساعيها لتعزيز قدرتها التنافسية في مواجهة الولايات المتحدة.

وقال الرئيس الصيني شي جين بينغ، في توجيهات نقلت إلى مؤتمر وطني للتصنيع المتقدم في بكين الشهر الماضي، إن بلاده ينبغي أن تواصل توسيع الصناعات التحويلية المتقدمة وتعزيزها، إلى جانب رفع مستوى الاعتماد على الذات.

ووفقًا لمجلس المؤتمرات، تعكس الموازنة توجهًا نحو تفضيل الدعم المالي المخصص للعلوم والتكنولوجيا والأولويات الاستراتيجية الأخرى، بدلًا من إطلاق حزم تحفيز واسعة تستهدف بالدرجة الأولى رفع معدلات النمو على المدى القصير.

وتظهر بيانات الإنفاق تغيرًا في توزيع الموارد، إذ ارتفعت حصة الإنفاق العسكري من نفقات الحكومة المركزية إلى 42%، مقارنة بنحو 36% في عام 2014. وفي المقابل، تراجعت قليلًا حصص الإنفاق المخصصة للعلوم والتكنولوجيا والتعليم والخدمات العامة والرعاية الاجتماعية والتوظيف.

أما على مستوى الحكومات المحلية، فقد ارتفعت حصة الإنفاق على الضمان الاجتماعي إلى نحو 18% مع تقدم السكان في العمر، بينما زاد الإنفاق على الرعاية الصحية بشكل طفيف.

الاقتراض الإضافي يظل خيارا محفوفا بالضغوط

يرى محللون أن الحكومة المركزية الصينية، التي تتمتع بمستوى مديونية أقل من الحكومات المحلية، يمكنها إصدار سندات إضافية لتمويل حزمة تحفيز أكبر. ومع ذلك، قد تتردد بكين في زيادة الاقتراض، خصوصًا أن العجز المالي الموسع، الذي يشمل مقياسًا أوسع للإنفاق الحكومي، يبلغ نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق «غولدمان ساكس»، مقارنة بعجز مالي مركزي يقارب 4%.

وتشير بيانات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن إلى أن الإنفاق على فوائد الدين ارتفع بنسبة 341% بين عامي 2013 و2025، متجاوزًا معدل الزيادة في أي بند رئيسي آخر من بنود الموازنة.

وفي ظل هذه الضغوط، يرجح اقتصاديون أن تركز الحكومة الصينية استجابتها على تسريع تنفيذ الإنفاق الذي جرى تخصيصه بالفعل في الموازنة، بدلًا من إطلاق حزمة مالية إضافية واسعة النطاق.

وقال روبن شينغ، كبير الاقتصاديين المختصين بالصين لدى «مورغان ستانلي»، إن الاستجابة المتوقعة تتمثل في تسريع وتيرة تنفيذ الإنفاق، مع الالتزام بالحدود المالية التي أقرت في بداية العام.