تزايدت الضغوط على صفقات العقارات التجارية في الولايات المتحدة، مع اتجاه عدد متزايد من المشترين إلى التهديد بالانسحاب من صفقات أُبرمت مؤخرًا ما لم يقدم البائعون شروطًا أفضل، وذلك بفعل الارتفاع السريع في أسعار الفائدة.
ويطالب مستثمرون سبق أن وافقوا على أسعار شراء في وقت سابق من العام، عندما كانت تكاليف التمويل أقل، بخفض الأسعار أو الحصول على تنازلات أخرى من البائعين قبل إتمام الصفقات، وفقًا لـ "وول ستريت جورنال".
ارتفاع الفائدة يدفع المشترين لإعادة التفاوض
بدأت مطالب إعادة التفاوض على الصفقات في الظهور مع ارتفاع عوائد السندات أواخر الصيف، قبل أن تتزايد حدتها الشهر الماضي بعدما رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة القياسي بمقدار ربع نقطة مئوية، مع الإشارة إلى إمكانية اتخاذ مزيد من الإجراءات في المستقبل.
وقال جيف باورز، المدير الإداري في شركة كوشمان آند ويكفيلد، الشهر الماضي: "ارتفعت الأسعار قبل بضعة أيام فقط، وأتلقى بالفعل مكالمات يتحدثون فيها عن إعادة التداول".
وقد تؤدي الفترة المعتادة التي تتراوح بين 6 و12 شهرًا بين توقيع المشتري عقد الصفقة وإتمام عملية البيع إلى فارق كبير في تكاليف التمويل، عندما ترتفع معدلات الاقتراض بالسرعة التي تشهدها السوق حاليًا.
خفض 600 ألف دولار لإنقاذ صفقة عقارية
في إحدى الصفقات، وافقت شركة إيستام كابيتال على دفع نحو 20 مليون دولار لشراء عقار سكني يضم حوالي 200 وحدة في منطقة الغرب الأوسط الأمريكي، وارتفعت تكاليف الاقتراض قبل دفع أي دفعة أولى بأكثر من 6 أعشار نقطة مئوية، وفقًا لمات روزنتال، مؤسس الشركة ومديرها الإداري.
وتمكن روزنتال من إقناع البائع بخفض سعر العقار 600 ألف دولار، بعدما هدد بالانسحاب من الصفقة، قائلاً: "بالتأكيد، الوضع مختلف الآن".
وتشير عمليات إعادة التفاوض على الأسعار إلى بوادر اضطراب أوسع في سوق العقارات، مع تأثيرات تمتد إلى قيم الأصول وتيرة التطوير وقدرة الملاك على إعادة تمويل القروض المستحقة.
وقال بوبي ويرهاني، المدير الإداري لقسم أسواق رأس المال في شركة ماركوس وميليشاب: "نحن نعمل بجد أكبر لإتمام الصفقات الآن أكثر من أي وقت مضى".
وكان قطاع العقارات التجارية، الذي يشمل المكاتب في بعض المدن ومراكز التسوق والفنادق، قد شهد انتعاشًا ملحوظًا خلال الفترة الماضية، وساهم انخفاض المعروض الجديد، وعودة عدد أكبر من الموظفين إلى مكاتبهم، واستقرار أسعار الفائدة خلال السنوات الأخيرة في دعم قيم العقارات.
ارتفاع الفائدة يعرقل انتعاش العقارات التجارية
بدأ الارتفاع المفاجئ في أسعار الفائدة في عرقلة هذا المسار، مع انعكاس تكاليف الاقتراض المرتفعة على عمليات شراء العقارات وتمويلها.
ولا تقتصر تداعيات ارتفاع الفائدة على ملاك العقارات، إذ يؤدي انخفاض قيم الأصول وتراجع حجم المبيعات إلى تقليص حصيلة ضرائب العقارات وضرائب نقل الملكية، كما تجعل تكاليف التمويل المرتفعة من الصعب على المطورين تحقيق العوائد المستهدفة، وهو ما يقلل الطلب على عمال البناء والمهندسين المعماريين ومواد البناء.
وقال ألفونسو مونك، الرئيس المشارك لإدارة الاستثمار في شركة هاينز، ومقرها هيوستن وتعد واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في الولايات المتحدة: "العقبة ببساطة أكبر".
ويُعد قطاع العقارات التجارية من أكثر القطاعات حساسية لتحركات أسعار الفائدة، حيث يعتمد المشترون عادة على دفع جزء محدود من قيمة العقار من أموالهم الخاصة، بينما يتم تمويل الجزء المتبقي من خلال الاقتراض، بما يساعد على تعزيز العائد على رأس المال المستثمر.
قروض عقارية تتجاوز 5 تريليونات دولار
تتجاوز قيمة قروض الرهن العقاري التجارية والسكنية متعددة الوحدات القائمة 5 تريليونات دولار، وهو مستوى يفوق بكثير إجمالي ما يدين به الأمريكيون على بطاقات الائتمان وقروض السيارات مجتمعين.
وفي وقت سابق من العام، كان مستثمرو العقارات التجارية يتوقعون أن يتجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى خفض أسعار الفائدة، وساهمت هذه التوقعات في ارتفاع قيم العقارات مع انخفاض تكاليف الاقتراض، إلى جانب تراجع عوائد الاستثمارات المنافسة مثل السندات، ما جعل العقارات التجارية أكثر جاذبية للمستثمرين.
وتغيرت الصورة مع ارتفاع أسعار الفائدة، الأمر الذي انعكس على قيم العقارات، وتراجع مؤشر فوتسي ناريت لجميع صناديق الاستثمار العقاري بأكثر من 8% منذ أواخر أغسطس، عندما بدأت أسعار الفائدة في الصعود الحاد، وحتى يوم الجمعة، في حين ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 1%، وفقًا لشركة جرين ستريت لتحليلات العقارات.
كما تزيد أسعار الفائدة المرتفعة من الضغوط على ملاك العقارات مع اقتراب مواعيد استحقاق قروض الرهن العقاري التي حصلوا عليها عندما كانت تكاليف الاقتراض أقل.
ويواجه الملاك الذين لا يستطيعون إعادة تمويل هذه القروض أو سدادها عند الاستحقاق خطر التأخر في السداد أو الاضطرار إلى اللجوء لخدمات إدارة القروض المتعثرة.
ارتفاع القروض المتعثرة إلى أعلى مستوى منذ 2013
أفادت شركة البيانات "تريب" بأن 11.42% من قروض الرهن العقاري المجمعة في سندات مدعومة برهون عقارية تجارية كانت تخضع لإدارة جهات متخصصة في القروض المتعثرة خلال أغسطس، بما يشير إلى مواجهة هذه القروض مشكلات تتعلق بالتخلف عن السداد أو صعوبة إعادة التمويل عند حلول موعد الاستحقاق.
ويمثل هذا المعدل أعلى مستوى لإدارة القروض المتعثرة منذ فبراير 2013.
وفي المقابل، لا يزال المقرضون وصناديق الاستثمار يمتلكون رؤوس أموال كبيرة مخصصة للاستثمار، حيث جمع مستثمرو الديون والأسهم أموالاً بوتيرة تفوق سرعة إبرام الصفقات في السوق، ما أدى إلى زيادة المنافسة بين المقرضين على المشروعات الأقوى.
قرض بـ208 ملايين دولار لتحويل برج مكاتب إلى شقق
قدمت مجموعة نورث ويند، وهي جهة إقراض مقرها نيويورك، مؤخرًا قرضًا عقاريًا أوليًا بقيمة 208 ملايين دولار لتمويل تحويل جزء كبير من برج مكاتب في بروكلين تبلغ مساحته 355 ألف قدم مربع إلى شقق سكنية.
وقال ران إلياساف، مؤسس نورث ويند وشريكها الإداري، إن البنوك والمقرضين من القطاع الخاص تنافسوا بقوة للحصول على القرض.
وأقر إلياساف بأن ارتفاع أسعار الفائدة أدى إلى زيادة تكلفة القروض ودفع إلى تبني تقييمات عقارية أكثر تحفظًا، موضحًا أن هذه الزيادة لم تُغيّر من قدرة المقترضين على الحصول على القروض، وأن السوق حاليًا سوق غنية وسيولة".
وأصبحت الخلافات حول الأسعار ومحاولات إعادة التفاوض على الصفقات أكثر انتشارًا في السوق.
خفض 100 ألف دولار لإتمام صفقة عقارية
في يونيو، وافقت شركة ميداليست دايفرسيفايد العقارية على بيع عقار تجاري تبلغ مساحته 65 ألف قدم مربع في غرينفيل بولاية كارولاينا الجنوبية مقابل نحو 10.2 مليون دولار، ومع ارتفاع أسعار الفائدة خلال الصيف، طلب المشتري خفض سعر العقار.
وبعد فترة من المفاوضات، وافقت ميداليست على خفض السعر بمقدار 100 ألف دولار، وأُغلقت الصفقة في سبتمبر بسبب التأثير المحتمل لبيئة أسعار الفائدة، وفقًا للمدير المالي سي برنت وين جونيور.
وفي الوقت نفسه، بدأ بعض المقرضين في التراجع عن بعض الصفقات، حيث انسحب بنك مشارك في قرض بناء بقيمة 45 مليون دولار مخصص لمركز تجاري مؤجر بنسبة تتجاوز 90% في ولاية كارولاينا الشمالية، بسبب ظروف السوق.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض