40% من دخل المستأجرين للسكن.. أزمة القدرة تتفاقم في إسبانيا


الجريدة العقارية الاربعاء 30 سبتمبر 2026 | 06:32 مساءً
السوق العقاري في إسبانيا
السوق العقاري في إسبانيا
يونس كريم

تتفاقم أزمة السكن في إسبانيا مع استمرار ارتفاع أسعار المنازل والإيجارات بوتيرة تفوق نمو المعروض، في وقت تواجه فيه المدن الكبرى زيادة سكانية وطلبًا متناميًا على المساكن، ما يضع مزيدًا من الضغوط على قدرة الأسر، خصوصًا المستأجرين، على تحمل تكاليف السكن.

وأظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء في إسبانيا وفقا لـ euronews، ارتفاع مؤشر أسعار المساكن بنسبة 12.2% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026، بينما صعدت أسعار المنازل المستعملة، التي تستحوذ على الجزء الأكبر من السوق، بنسبة 12.9%، مقابل زيادة بلغت 7.4% في أسعار المساكن الجديدة.

وعلى أساس فصلي، ارتفعت أسعار المنازل بنسبة 3.4%.

الإيجارات تواصل الارتفاع

ولا تقتصر الضغوط على الراغبين في شراء المنازل، إذ بلغ متوسط الإيجار المعروض في السوق الإسبانية 15.1 يورو للمتر المربع خلال أغسطس 2026، بزيادة 5.8% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، وفق بيانات منصة «Idealista».

وتنعكس هذه الزيادات بشكل مباشر على ميزانيات الأسر، إذ أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن 28.1% من المستأجرين الذين يدفعون إيجارات بأسعار السوق أنفقوا أكثر من 40% من دخلهم المتاح على تكاليف السكن في 2024، مقارنة بمتوسط بلغ 19.2% في الاتحاد الأوروبي.

نقص المعروض في المدن الكبرى

ويرى خبراء أن أزمة السكن في إسبانيا لا ترتبط بعامل واحد، وإنما تعكس بصورة أساسية فجوة بين المعروض والطلب، خصوصًا في المناطق التي تشهد نموًا اقتصاديًا وسكانيًا قويًا.

ويشير بنك إسبانيا بصورة متكررة إلى نقص المعروض السكني باعتباره أحد العوامل الرئيسية وراء ارتفاع الأسعار، لا سيما في المناطق التي شهدت نموًا أكبر في السكان وفرص العمل.

ولا يعني ذلك وجود نقص مطلق في المساكن على مستوى إسبانيا بأكملها، إذ توجد مناطق ذات كثافة سكانية منخفضة ومساكن شاغرة، لكن المشكلة تتركز في مواقع الطلب المرتفع، مثل مدريد وبرشلونة وجزر البليار والمناطق الساحلية ومراكز المدن الكبرى.

لماذا لا تبني إسبانيا مساكن جديدة بوتيرة أسرع؟

يرتبط جانب من أزمة المعروض بتداعيات انهيار سوق العقارات بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، بعدما شهدت إسبانيا قبل ذلك طفرة بناء ضخمة مدفوعة بالائتمان الرخيص.

وأدى انفجار الفقاعة العقارية إلى خروج عدد كبير من شركات التطوير من السوق، ووقوع ضغوط على القطاع المصرفي، وانهيار نشاط البناء، ورغم تعافي الإنشاءات السكنية لاحقًا فإنها لم تعد إلى مستويات الطفرة السابقة.

كما أن زيادة المعروض السكني تحتاج إلى سنوات، بدءًا من تحويل الأراضي والحصول على التراخيص وتوفير التمويل وصولًا إلى تنفيذ المشروعات، وهو ما يجعل استجابة السوق لارتفاع الطلب بطيئة.

تركّز ملكية المساكن المؤجرة

وتظهر أزمة الإيجارات أيضًا في هيكل ملكية المساكن المؤجرة، إذ أظهر تقرير لوزارة شؤون المستهلك بالتعاون مع المجلس الأعلى للبحوث العلمية أن الأفراد الذين يمتلكون منزلًا واحدًا مؤجرًا يستحوذون على 39% فقط من المساكن المؤجرة بشكل منتظم.

في المقابل، تعود نسبة 61% إلى أفراد يمتلكون أكثر من عقار مؤجر، إلى جانب الشركات والصناديق والجهات العامة.

وعلى مستوى المساكن المؤجرة المملوكة لأفراد، تمثل العقارات التابعة لملاك لديهم منزلان أو أكثر نحو 52.8% من إجمالي هذه المساكن.

وتزداد النسبة في بعض الأسواق الأكثر ارتفاعًا في الأسعار، إذ تصل إلى 60.8% في برشلونة و56.4% في مدريد و55% في فالنسيا.

كما ارتفع عدد المساكن المؤجرة المملوكة لأفراد لديهم عقاران أو أكثر بنسبة 39.9% بين عامي 2016 و2023، مقابل نمو بنسبة 30.4% لدى الملاك الذين يمتلكون منزلًا واحدًا للتأجير.

النمو السكاني يزيد الطلب

وتقترب إسبانيا من مستوى 50 مليون نسمة، بعد سنوات من النمو السكاني القوي الذي يقوده بصورة أساسية تدفق المهاجرين، ما أدى إلى زيادة أعداد العاملين والأسر والطلب على السكن.

ولا يعتمد الضغط على سوق العقارات على عدد السكان فقط، إذ إن زيادة عدد الأسر تلعب دورًا مهمًا أيضًا، سواء نتيجة خروج الشباب من منزل الأسرة أو انتقال العمال إلى مدن أخرى أو انفصال الأزواج والحاجة إلى مساكن منفصلة.

وتظهر هذه الضغوط بصورة أكبر في مراكز العمل الكبرى، وعلى رأسها مدريد، حيث يتنافس السكان الجدد والعمال والطلاب والأسر والشباب الراغبون في الاستقلال السكني على مخزون محدود من المساكن.

الأجانب يستحوذون على حصة قياسية من المشتريات

ويمثل المشترون الأجانب عاملًا إضافيًا في سوق العقارات، إذ بلغت حصتهم 15.98% من إجمالي مشتريات المنازل في إسبانيا خلال الربع الثاني من 2026، وهي أعلى نسبة مسجلة حتى الآن، وفق بيانات السجل العقاري الإسباني.

وترتفع النسبة بصورة كبيرة في جزر البليار إلى 32.27% من المعاملات، وفي منطقة فالنسيا إلى 31.03%.

كما تؤثر الإيجارات السياحية في المعروض المتاح للإيجار السكني، خصوصًا في الأحياء التي تشهد طلبًا سياحيًا مرتفعًا والمدن الكبرى والجزر وبعض المناطق الساحلية.

وتتوزع جنسيات المشترين الأجانب على عدد من الأسواق، مع استمرار حضور المشترين البريطانيين والألمان والهولنديين والمغاربة والرومانيين والفرنسيين والإيطاليين بين أبرز الجنسيات الأجنبية في السوق الإسبانية.