الحرب الصامتة في أعماق المضيق.. تفاصيل عملية أمريكية سرية لتطهير الألغام الإيرانية في "هرمز"


الجريدة العقارية الثلاثاء 08 سبتمبر 2026 | 12:48 مساءً
سفينة في مضيق هرمز
سفينة في مضيق هرمز
محمود علي

في واحدة من أدق العمليات العسكرية السرية، كشفت تقارير صحفية دولية عن مهمة عسكرية نفذتها قوات النخبة في البحرية الأمريكية «نافي سيلز» على مدار 4 أشهر تحت جنح الظلام في مياه مضيق هرمز الاستراتيجي. 

واستهدفت هذه العملية رصد وإزالة الألغام البحرية التي زرعتها طهران في مياه المضيق، وهو الملف الذي يشهد صراعًا صامتًا وحرب روايات محتدمة بين الطرفين حول مدى أمان هذا الممر المائي الحيوي.

مراحل ثلاث لتعقب الألغام في المياه الخطرة

وفقًا للتفاصيل المسربة، جرى تنفيذ العملية العسكرية المعقدة عبر ثلاث مراحل رئيسية، تم الاعتماد فيها على العنصر البشري والتكنولوجيا المتطورة بالتناوب:

المرحلة الأولى: اعتمدت على إرسال فرق غوص صغيرة باستخدام قوارب قابلة للنفخ، للعمل تحت جنح الليل في مياه المضيق شديدة الخطورة.

المرحلة الثانية: شهدت توظيف قوارب روبوتية ومركبات غوص متطورة تابعة للبحرية الأمريكية، مثل المركبات السطحية غير المأهولة، والمزودة بأجهزة سونار عالية الدقة قادرة على مسح قاع البحر ورصد أي أجسام مشبوهة.

المرحلة الثالثة: ركزت على استخدام أجهزة استشعار جانبية متطورة لرصد الألغام بدقة متناهية في قاع المحيط وتحديد مواقعها بدقة قبل البدء في تدميرها.

بين الغواصين والأنظمة الروبوتية.. كيف يتم التفجير؟

يوضح القبطان البحري الأمريكي المتقاعد، بيل هامبليت، أن المرحلة الأخطر في العملية تبدأ بعد رصد اللغم؛ حيث ينزل غواص البحرية إلى الأعماق، ويقترب من اللغم ليزرع شحنة متفجرة صغيرة وخفيفة الوزن لتفجيره. ويرجح هامبليت أن هذه العمليات انطلقت من قاعدة بحرية متنقلة هي السفينة «يو إس إس ميغيل كيث» المنتشرة بالخليج.

وفي المقابل، يشير خبير نزع الألغام بمعهد هدسون، بريان كلارك، إلى إمكانية الاعتماد على مركبات غوص روبوتية لتدمير تلك الألغام، مستشهدًا بنظم متطورة مثل النظام البريطاني «سي فوكس» أو النظام الأمريكي الأحدث «آرشر فيش».

«حرب الروايات».. غياب اليقين يعزز القلق الدولي

لا تقتصر المواجهة على الجانب التقني أو العسكري في عمق المياه، بل تمتد لتمثل تحديًا أكبر يتعلق بـ«حرب الروايات» وتضاربها بين واشنطن وطهران. فبينما أعلن الرئيس دونالد ترامب عن تطهير المضيق وإزالة الألغام بالكامل، نفت طهران ذلك بشدة على لسان نائب وزير خارجيتها كاظم غريب آبادي، مؤكدة أن أحدًا لا يعلم مواقع الألغام الحقيقية سواها.

وفي تناقض لافت، صدر تحذير رسمي من مركز المعلومات البحرية المشتركة التابع للبحرية الأمريكية في اليوم نفسه لإعلان ترامب، منبهًا السفن من خطر مستمر تشكله الألغام المنجرفة أو غير المحددة. وبحسب خبير الألغام إيثان كونيل، فإن التحدي الأكبر يكمن في «خطر إعادة زرع الألغام» الذي تحاول طهران القيام به باستمرار، لا سيما مع تأكيدات إيرانية بنشر المزيد منها قرب عُمان.

فاتورة اقتصادية باهظة وشلل ملاحي محتمل

تنعكس حالة الغموض الأمني هذه وتضارب الروايات بشكل مباشر وفوري على الاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية. إذ يكفي مجرد التلميح بوجود ألغام لإثارة ذعر شركات الشحن العالمية، مما يقفز بأقساط التأمين إلى عشرة أضعاف قيمتها، لتضطر ناقلة النفط العملاقة إلى دفع نحو 10 ملايين دولار كقسط تأمين لرحلة واحدة.

وتسببت هذه الضبابية في تقلبات بأسواق الطاقة؛ حيث انخفضت أسعار النفط بنحو 5% عقب إعلان ترامب المبدئي، لكنها سرعان ما عاودت الارتفاع إثر استئناف الضربات العسكرية، مما يعكس هشاشة الثقة في استقرار المنطقة.

وتمتلك طهران آلاف الألغام من نوع «ماهم»، وتستغل إيران هذا الغموض الاستراتيجي كورقة ضغط رابحة لفرض سيطرتها على حركة الملاحة بالمضيق، مجبرةً السفن التجارية إما على الامتثال لـ«سلطة مضيق الخليج الفارسي» المنشأة حديثًا، أو تحمّل مخاطر الإبحار عبر طريق الساحل العُماني.

ويختتم القبطان المتقاعد هامبليت المشهد مؤكدًا أن «اللعبة الأكبر تجري على الجانب المعلوماتي»، معتبرًا أن معركة الروايات والسيطرة المعلوماتية توازي في أهميتها، بل تفوق أحيانًا، العمليات العسكرية الفعلية التي تدور في مياه وقاع المضيق.