قال رجل الأعمال المهندس صلاح دياب، إن بناء الثروة والنجاح في عالم الأعمال لا يرتبطان بالضرورة برأس المال أو الخبرة التقليدية، وإنما بالقدرة على رؤية الفرص وتحويل الأفكار إلى واقع، مؤكدًا أنه لا ينظر إلى نفسه باعتباره «رجل أعمال»، وإنما يرى نفسه شخصًا يبحث عن الفرص ويستعين بأهل الخبرة لتحويلها إلى مشروعات ناجحة.
وأوضح دياب، خلال حواره مع قناة العربية بيزنس، أن تجربته في الأعمال امتدت على مدار عقود وشملت قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية والبترول والإعلام، مشيرًا إلى أن طريقته تقوم على متابعة الأفكار بشغف، ودراسة عناصر نجاحها، ثم جمع هذه العناصر حتى تأخذ الفكرة طريقها إلى التنفيذ.
وأضاف: «أنا باحاول أجرب حاجات كتير، وكثير من تجاربي بتنجح وكثير منها وأكثر منها بكتير ما بتنجحش، إنما باحاول والمحاولة كويسة»، موضحًا أن المحفز الأساسي له هو الحماس تجاه الأفكار الجديدة، وأنه يتعامل مع كل فكرة جديدة بحماس شديد يشبه حماس الطفل تجاه لعبة جديدة.
الاستثمار في السياحة وابتكار الفرص
وكشف دياب عن فكرة استثمارية جديدة يعمل على بحثها، تقوم على الاستفادة من المقومات السياحية الكبيرة التي تمتلكها مصر، مشيرًا إلى أن المشكلة الأساسية تتمثل في عدم كفاية عدد الغرف الفندقية.
وقال إن منطقة مطار سفنكس تمثل فرصة في هذا المجال، خاصة مع وجود المتحف المصري الجديد أمام المطار، وما يستقبله من أعداد كبيرة من السياح، في ظل محدودية الطاقة الفندقية المتاحة.
وأكد أن ما يفعله لا يراه مجرد «اقتناص للفرص»، وإنما «ابتكار للفرصة»، موضحًا أن عناصر الفرصة تكون متاحة للجميع، لكن الفارق يتمثل في القدرة على رؤيتها وتحويلها إلى مشروع يمكن أن يفيد الاقتصاد والبلد.
وأضاف أنه رغم تقدم عمره فإنه لا يزال يفكر في مشروعات جديدة، موضحًا أنه بدأ ينظر إلى الأعمال أيضًا من زاوية ترك أثر يمكن أن يستمر بعده، قائلًا إنه لا يأخذ شيئًا معه في النهاية، لكنه يستطيع أن يترك أثرًا في مصر، مستشهدًا برجال أعمال تركوا مشروعات وآثارًا ما زالت قائمة حتى الآن.
خسارة كامل الثروة في استثمار بالبورصة
وروى دياب تجربة استثمارية خسر فيها كل ما يملك في وقت من الأوقات، مشيرًا إلى أن مجموعة من الأشخاص من الكويت عرضوا عليه الاستثمار في شركة كانت أسهمها مطروحة في البورصة بسعر 800 فلس للسهم، على أن يحصل عليها بسعر 400 فلس.
وأوضح أنه تحمس للفكرة بسبب فارق السعر، ووضع كل أمواله في الاستثمار، لكنه لم ينتبه إلى وجود شرط في التعاقد يمنعه من بيع الأسهم لمدة عامين.
وأضاف أنه بعد مرور العامين انخفض سعر السهم من 800 فلس إلى 30 فلسًا، ما أدى إلى خسارة كامل مدخراته، معتبرًا أن ما حدث كان قرارًا غير مدروس وأن حماسه للسعر المخفض دفعه إلى الاستثمار بصورة متسرعة.
العلاقات والقوانين عنصران أساسيان في النجاح
وحول دور العلاقات في نجاح رجال الأعمال، قال دياب إن العلاقات مفيدة في مصر وفي أي دولة بالعالم، مشيرًا إلى أن امتلاك علاقات في السعودية أو إنجلترا، على سبيل المثال، يمكن أن يكون مفيدًا لصاحب الأعمال، لكنه أكد في الوقت نفسه أهمية القوانين، مشيرًا إلى أن القرارات والقوانين الاقتصادية والضريبية تؤثر بشكل مباشر على حركة المستثمرين.
وتطرق إلى التغيرات الضريبية في بريطانيا، موضحًا أنها دفعت بعض المصريين المقيمين في لندن إلى الانتقال إلى دبي ومصر، بعدما بدأت بريطانيا في فرض ضرائب على ما يملكه الأشخاص داخل البلاد وخارجها، كما أشار إلى تجربة بريطانيا مع السوق الأوروبية المشتركة واستمرار استخدام الجنيه الإسترليني بدلًا من اليورو، وإلى إلغاء ضريبة القيمة المضافة على المشتريات في مرحلة سابقة، وما ترتب على ذلك من توجه البعض إلى باريس للشراء.
الاقتصاد المصري يحتاج إلى «الخيال»
وقال دياب إن الاقتصاد المصري، رغم مروره بدورات متكررة من الضغوط والتضخم وتحديات العملة والديون، يحتاج إلى «الخيال» للخروج من أزماته.
وأوضح أن المقصود بالخيال هو القدرة على التفكير في حلول غير تقليدية والاستفادة من التجارب الناجحة، مشيرًا إلى تجربة الصادرات الزراعية المصرية التي وصلت، وفق حديثه، إلى نحو 11.6 مليار دولار.
وأكد أن التركيز يجب أن يكون على زراعة المنتجات القابلة للتصدير، وليس مجرد إنتاج المحاصيل ثم البحث عن أسواق لتصريفها، مشيرًا إلى تجربة كامل دياب في مجال الزراعة التصديرية، وإلى دور شركة «بيكو» في هذا القطاع، وكذلك إنشاء معمل للزراعة بالأنسجة وتوزيع الإنتاج على مختلف أنحاء مصر.
وقال إن مصر، إذا ركزت على هذا النموذج، يمكنها أن ترفع صادراتها الزراعية إلى 100 مليار دولار سنويًا، مؤكدًا ضرورة منح المزارعين الذين ينتجون للتصدير مزايا تشجعهم على التوسع.
الري الحديث يمكن أن يوفر 90% من المياه المستخدمة
وضرب دياب مثالًا بأزمة المياه، مؤكدًا أن مصر تمتلك حلولًا عملية يمكنها تقليل استهلاك المياه في الزراعة.
وأوضح أن الزراعة في مصر تعتمد بدرجة كبيرة على الري بالغمر، الذي يحتاج إلى كميات مياه أكبر بكثير من الري بالتنقيط والوسائل الحديثة، مشيرًا إلى تجربة عائلته في مزرعة بأبو حمص، حيث كانت تعاني من نقص شديد في المياه بسبب موقعها في نهاية الترعة.
وقال إن الأسرة أنشأت خزان مياه مبطنًا على مساحة فدانين، واستخدمته كمزرعة سمكية، ثم طبقت نظام الري بالتنقيط في زراعة الموز، ما سمح بزيادة المساحة المزروعة من 16 فدانًا إلى 260 فدانًا في المزرعة نفسها.
وأضاف أن استخدام الري بالتنقيط أدى، وفق تجربته، إلى توفير نحو 90% من الأسمدة و90% من المازوت المستخدم في تشغيل معدات الري.
وأشار إلى أنه إذا جرى تطبيق هذه التجربة على محافظات مصر تدريجيًا، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في المساحات الزراعية والإنتاجية، مؤكدًا أن حديثه عن إمكانية الوصول إلى صادرات زراعية بقيمة 100 مليار دولار ليس مجرد خيال أو مبالغة، وإنما قائم على حلول وتجارب يمكن تطبيقها.
خسائر قناة السويس مؤقتة
وتطرق دياب إلى تأثير التوترات الجيوسياسية على الاقتصاد المصري، مشيرًا إلى أن أزمة الملاحة المرتبطة بهجمات الحوثيين أدت إلى انخفاض إيرادات قناة السويس بنحو 10 مليارات دولار خلال العام، معتبرًا أن هذا الرقم يمثل خسارة كبيرة للاقتصاد المصري.
لكنه أكد أن هذه الأزمة مؤقتة، وأن مضيق هرمز لن يظل مغلقًا إلى الأبد، كما أن حركة الملاحة في قناة السويس ستعود إلى طبيعتها مع انتهاء الظروف التي أدت إلى تراجع حركة السفن.
سعر الصرف يعكس الوضع الاقتصادي
وحول سعر الصرف، قال دياب إن سعر صرف الجنيه المصري يعكس الواقع الاقتصادي، مشيرًا إلى أن الجنيه كان في فترات سابقة أقوى من الجنيه الإسترليني، بينما أصبح الدولار حاليًا يعادل نحو 50 جنيهًا وأكثر، بحسب الفترة التي أشار إليها في حديثه.
ورداً على سؤال حول أفضل الأنظمة الاقتصادية التي مرت على مصر، قال إن أفضل نظام اقتصادي، من وجهة نظره، كان قبل ثورة 23 يوليو 1952، مشيرًا إلى أن الرئيس أنور السادات أجرى انفراجة اقتصادية، بينما استمر الرئيس حسني مبارك على ما تركه السادات دون إضافة كبيرة.
تعويم الجنيه كان حتميًا
وعن قرار تعويم الجنيه، قال دياب إنه لو كان في موقع صانع القرار لكان مضطرًا إلى اتخاذ القرار، معتبرًا أن العملة تعكس الوضع الاقتصادي القائم، وأن تحركات الجنيه ترتبط بالظروف الاقتصادية والسياسية المختلفة.
القطاع الخاص لا يستطيع منافسة الدولة
وحول شكاوى القطاع الخاص من المنافسة غير المتكافئة، قال دياب: «ما فيش حد يقدر ينافس دولة»، مشيرًا إلى أن المستثمر الخاص يتحمل الضرائب والتأمينات الاجتماعية والمعاشات وغيرها من الالتزامات، بينما تحصل الدولة على نسبة كبيرة من العوائد.
وأكد أن جذب الاستثمارات يحتاج إلى عدم إعاقة المستثمر، مشددًا على أن المستثمر المصري يجب أن يشعر بأمان شديد، لأن المستثمر الأجنبي لن يأتي إذا كان المستثمر المصري نفسه يشعر بالقلق.
التوترات في المنطقة أزمة اقتصادية وإنسانية
وحول تأثير التوترات الجيوسياسية في المنطقة، قال دياب إن الأزمة الاقتصادية ليست أكبر ما تواجهه المنطقة، مقارنة بالأزمات الإنسانية الموجودة في السودان وغزة والضفة الغربية وسوريا واليمن.
وأكد أن ما يحدث في هذه المناطق يمثل أزمات إنسانية كبيرة ومؤذية ومهينة للعرب، معتبرًا أن الجانب الاقتصادي يأتي في مرتبة أقل مقارنة بهذه التداعيات الإنسانية.
ارتفاع أسعار النفط دعم أعماله
وأشار دياب إلى أن أعماله في قطاع النفط تأثرت إيجابيًا بارتفاع الأسعار، قائلًا إن ارتفاع أسعار النفط حسّن أعماله باعتباره منتجًا، لكنه اعتبر أن هذا التحسن مؤقت.
وأوضح أن استعادة الدول العربية لقدراتها الإنتاجية السابقة ستحتاج إلى وقت، متوقعًا أن يستغرق الأمر نحو 10 أشهر على الأقل حتى تعود السعودية والإمارات وغيرها من الدول العربية إلى مستويات الإنتاج السابقة.
لا ينظر إلى السيناريو الأسود
ورفض دياب الحديث عن «السيناريو الأسود» الذي يضعه في حساباته، مؤكدًا أنه لا ينظر إلى الأمور بهذه الطريقة، وإنما يركز على ما يسعده وعلى الأفكار الجديدة التي تحظى باهتمامه.
وأوضح أنه في الوقت الحالي يركز على المشروع الجديد الذي يفكر فيه، وأن إدارة أعماله تتم بصورة ذاتية من خلال فرق متخصصة، لافتًا إلى أنه لا يجيد قراءة الميزانيات، كما أنه لا يعتبر نفسه خبيرًا في الزراعة أو النفط أو الإعلام، لكنه يعتمد على أهل الخبرة في كل قطاع، وقال: «أنا بجيب الخبرة، ببدأ بأهل الخبرة».
مصر قادرة على أن تصبح مركزًا للتصدير الغذائي
وأكد دياب أن مصر قادرة على أن تصبح مركزًا عالميًا لتصدير المنتجات الغذائية والزراعية، بشرط الاستفادة من تجارب الدول التي نجحت في هذا المجال.
وقال إنه بدلًا من الاعتماد على مستشارين قد لا يمتلكون الخبرة الكافية، يجب النظر إلى ما قامت به الدول الناجحة في قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية والتصدير، ثم دراسة سياساتها وتطبيق ما يناسب مصر.
توسعات «بيكو» الزراعية في السعودية والأسواق العربية
وحول توسعاته الزراعية، أوضح دياب أن منتجات «بيكو» تصدر إلى أوروبا أولًا، ثم يتم التوجه إلى الأسواق العربية، وعلى رأسها السعودية والإمارات.
وأشار إلى أن التصدير إلى الأسواق الأوروبية يخضع لمعايير ورقابة صارمة، موضحًا أن وفودًا من المشترين الأوروبيين تزور محطات التعبئة لمتابعة المواد المستخدمة وأعمار العاملين وعمليات التعبئة والتغليف وغيرها من التفاصيل.
وأضاف أن شركات أوروبية كبرى، مثل «ماركس آند سبنسر» و«سينسبري»، ترحب بمنتجات «بيكو»، مشيرًا إلى أن الشركة تتعامل مع مواسم التصدير وفق النوافذ الزمنية المناسبة لكل سوق، فعندما يبدأ محصول منافس مثل العنب المكسيكي في الوصول إلى الأسواق الأوروبية، تتجه الشركة إلى الأسواق العربية بدلًا من الاستمرار في المنافسة خلال الفترة نفسها.
مصر «أكبر فرصة استثمارية في العالم العربي»
واختتم دياب حديثه بالتأكيد على أن مصر تمثل، من وجهة نظره، أكبر فرصة استثمارية في العالم العربي، موضحًا أن المستثمر في مصر يملك سوقًا استهلاكية ضخمة، ويمكنه أيضًا التصدير إلى الخارج.
وقال: «مصر أكبر فرصة استثمارية في العالم العربي»، معتبرًا أن ضمان وجود المستهلك والسوق المحلي، إلى جانب إمكانية التصدير، يمثلان من أهم عناصر الجاذبية الاستثمارية التي تتمتع بها مصر.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض