بتدفقات استثمارية قياسية.. كيف تتحدى عقارات أبو ظبي التوترات الجيوسياسية؟


الجريدة العقارية الخميس 03 سبتمبر 2026 | 01:10 مساءً
عقارات أبوظبي
عقارات أبوظبي
محمود علي

أظهر سوق العقارات في أبوظبي قدرة لافتة على الحفاظ على زخم النمو وجذب الاستثمارات، رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، مع استمرار تدفق رؤوس الأموال الأجنبية وارتفاع قيمة المبيعات، مدفوعًا بزيادة الطلب على المشروعات السكنية الجديدة والمنتجات العقارية الفاخرة.

وتشير المؤشرات خلال النصف الأول من العام إلى أن السوق لم يكتفِ بمقاومة ضغوط المخاطر الإقليمية، بل سجل مستويات قياسية في عدد من مؤشرات الاستثمار والتداول، ما يعكس استمرار ثقة المستثمرين في قدرة الإمارة على توفير بيئة جاذبة لرؤوس الأموال على المدى الطويل.

الاستثمارات الأجنبية تقفز 309%

وبحسب بيانات مركز أبوظبي العقاري، استقطب القطاع نحو 13.8 مليار درهم، بما يعادل 3.76 مليار دولار، من الاستثمار الأجنبي المباشر خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة بلغت 309% على أساس سنوي.

وتكتسب هذه القفزة أهمية خاصة، بعدما تجاوز حجم الاستثمارات الأجنبية خلال ستة أشهر فقط إجمالي ما سجله السوق طوال عام 2025.

وامتد الأداء القوي إلى إجمالي التصرفات العقارية، التي ارتفعت بنسبة 112% إلى 117 مليار درهم، بينما قفزت مبيعات الوحدات السكنية بنسبة 178% لتسجل 70.4 مليار درهم.

تنوع جنسيات المستثمرين يعزز السوق

ولعب تنوع قاعدة المستثمرين دورًا مهمًا في دعم السوق، إذ استقبل القطاع خلال النصف الأول مستثمرين غير مقيمين من 116 جنسية، مقابل 82 جنسية خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وتصدرت المملكة المتحدة والصين وروسيا والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا قائمة مصادر الاستثمارات الأجنبية، بما يعكس اتساع قاعدة الطلب الدولي على العقارات في أبوظبي.

كما بلغت الاستثمارات في المناطق المخصصة للتملك الأجنبي نحو 75 مليار درهم، بزيادة بلغت 181% مقارنة بـ26.7 مليار درهم قبل عام.

وعلى مستوى الشركات، أعلنت الدار العقارية وصول مبيعاتها للمشترين الدوليين والمقيمين الأجانب إلى 7.6 مليار درهم خلال النصف الأول، بما يمثل نحو 80% من إجمالي مبيعاتها داخل الدولة.

العقارات على المخطط تتصدر المبيعات

وتكشف طبيعة الصفقات عن ثقة واضحة في استمرار نمو السوق، إذ استحوذت العقارات المباعة على المخطط على 89% من قيمة المبيعات السكنية و82% من إجمالي عدد الصفقات خلال النصف الأول.

ويعد استمرار الإقبال على المشروعات قيد الإنشاء مؤشرًا مهمًا على استعداد المستثمرين للالتزام برؤوس أموالهم لفترات تمتد حتى مراحل التنفيذ والتسليم، رغم حالة عدم اليقين التي فرضتها التطورات الجيوسياسية في المنطقة.

العقارات الفاخرة تقود موجة ارتفاع الأسعار

وشهدت أبرز المناطق السكنية الراقية في أبوظبي ارتفاعات قوية في الأسعار.

ووفقًا لبيانات نايت فرانك، ارتفعت أسعار الشقق في جزيرتي ياس والريم بنحو 18% على أساس سنوي حتى يونيو، بينما ارتفع متوسط أسعار الشقق في جزيرة السعديات بنسبة 21%، التي حافظت على موقعها كأغلى أسواق الشقق في الإمارة.

وفي سوق الفلل، سجلت جزيرة الجبيل نموًا سنويًا في الأسعار بلغ نحو 40%، في حين واصلت السعديات تصدرها قائمة أغلى مناطق الفلل بمتوسط يقارب 26.5 ألف درهم للمتر المربع.

«حديريات غولف استيتس» يعكس قوة الطلب

ولم يقتصر النشاط على المبيعات المسجلة، بل امتد إلى المشروعات الجديدة، إذ أعلنت شركة «مدن» في يوليو بيع 1,700 مسكن ضمن مشروع «حديريات غولف استيتس» بقيمة تجاوزت 13 مليار درهم خلال فترة قصيرة من إطلاق المشروع.

وكان 81% من المشترين عملاء جدد للشركة، فيما بلغت نسبة غير المقيمين بينهم 15%، ما يعكس استمرار دخول شرائح جديدة إلى السوق إلى جانب الطلب المحلي والمقيمين.

أغسطس يؤكد التحول نحو العقارات الأعلى قيمة

واستمر الزخم خلال الربع الثالث، حيث سجلت أبوظبي خلال أغسطس 2,162 عملية بيع سكنية بقيمة 11.79 مليار درهم، وفق تحليل «بروجكتوري ريسيرش».

ورغم تقارب عدد الصفقات مع أغسطس من العام الماضي، ارتفعت قيمتها الإجمالية بنسبة 35.6% على أساس سنوي، ما يشير إلى زيادة متوسط قيمة العقارات المتداولة.

كما تجاوز عدد مبيعات الفلل حاجز ألف عملية بيع خلال شهر واحد للمرة الأولى ضمن سلسلة البيانات التاريخية المشار إليها، في مؤشر إضافي على تحول الطلب نحو المنتجات السكنية الفاخرة والأعلى سعرًا.

زيادة مناطق التملك الأجنبي

ويستند جانب من قوة السوق إلى توسع خيارات التملك أمام المستثمرين الدوليين، بعدما تم اعتماد 8 مناطق استثمارية جديدة خلال النصف الأول من العام، ليرتفع إجمالي المناطق الاستثمارية إلى 50 منطقة.

كما تستفيد أبوظبي من مكانتها كوجهة جاذبة لأصحاب الثروات المرتفعة، في ظل توفر مجتمعات سكنية متكاملة ومشروعات تجمع بين السكن والخدمات الترفيهية والواجهات البحرية.

المعروض الجديد يضع السوق أمام اختبار مختلف

ورغم تفوق الطلب الحالي على المعروض السكني، يواجه السوق اختبارًا جديدًا خلال السنوات المقبلة مع دخول وحدات إضافية إلى المخزون.

وتشير التقديرات إلى إضافة نحو 71 ألف وحدة سكنية جديدة حتى عام 2030، ليرتفع المخزون من مستواه الحالي البالغ نحو 409 آلاف وحدة، مع توقع وصول وتيرة التسليم إلى ذروتها في عام 2028.

ويعني ذلك أن التحدي الرئيسي أمام السوق لن يقتصر على المخاطر الجيوسياسية، بل سيمتد إلى قدرة الطلب على استيعاب المعروض الجديد والحفاظ على مستويات الأسعار والمبيعات.

وبين التدفقات الأجنبية القياسية، وارتفاع أسعار العقارات الفاخرة، وتنوع المستثمرين، وتوسع مشروعات التملك الأجنبي، يواصل سوق أبوظبي العقاري ترسيخ موقعه كأحد أكثر الأسواق العقارية نشاطًا في المنطقة، بينما ستحدد قدرة السوق على امتصاص المعروض المرتقب ما إذا كانت الموجة الحالية تمثل طفرة قصيرة الأجل أم دورة توسع عقاري طويلة الأمد.