تواجه مطاعم الوجبات السريعة في الولايات المتحدة فترة أكثر صعوبة، بعدما بدأت سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب المتعلقة بالهجرة تنعكس على حجم قاعدة المستهلكين، في وقت يعاني فيه الأمريكيون أصلاً من ضغوط ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتشير بيانات شركة الأبحاث Technomic إلى تباطؤ واضح في نمو مبيعات سلاسل المطاعم خلال عامي 2024 و2025، في تحول يثير القلق داخل قطاع اعتاد لسنوات الاعتماد على نمو عدد السكان وافتتاح المزيد من الفروع لتحقيق زيادة مستمرة في الإيرادات.
ماكدونالدز تقلل سرعة التوسع
وتظهر آثار هذا التباطؤ في خطط الشركات نفسها، فقد أعلنت ماكدونالدز مؤخراً أنها تعتزم تخفيف وتيرة افتتاح المطاعم الجديدة، بينما أغلقت سلسلتا Wendy's وSubway مئات الفروع خلال العام الماضي.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه المستهلك الأميركي ضغوطاً متزايدة بسبب التضخم، ما يدفع شريحة من الأسر إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتقليل المبالغ المخصصة لتناول الطعام خارج المنزل.
ورغم أن الوجبات السريعة عادة ما تكون أقل تكلفة من المطاعم التقليدية، فإن ارتفاع الأسعار خلال السنوات الماضية جعل حتى هذه الوجبات أكثر كلفة، ما زاد حساسية المستهلكين تجاه الإنفاق.
الهجرة.. عامل مهم في نمو قاعدة العملاء
المشكلة بالنسبة لقطاع المطاعم لا تتعلق بالإنفاق فقط، بل بعدد المستهلكين المحتملين أيضاً.
فالولايات المتحدة تعتمد منذ سنوات طويلة على الهجرة لتعويض انخفاض معدل المواليد، بعدما ظل معدل الخصوبة دون مستوى الإحلال السكاني خلال معظم العقود الخمسة الماضية.
لكن الصورة تغيرت مع تشديد إدارة ترامب إجراءات الهجرة وتوسيع عمليات الترحيل، ويقدّر اقتصاديون أن عدد الأشخاص الذين غادروا الولايات المتحدة خلال العام الماضي تجاوز عدد القادمين إليها، في تحول نادر الحدوث منذ عقود.
وتشير بيانات حكومية إلى أن قرابة 3 ملايين شخص غادروا الولايات المتحدة خلال العام الماضي، نتيجة مزيج من عمليات الترحيل والمغادرة الطوعية.
لماذا يمثل تراجع الهجرة مشكلة للمطاعم؟
يرى محللون أن تأثير التراجع السكاني قد يكون أكثر وضوحاً على قطاع الوجبات السريعة مقارنة ببعض القطاعات الأخرى، لأن المطاعم تعتمد على قاعدة واسعة جداً من العملاء، بما في ذلك أصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة.
وقال برايان هاربور، محلل قطاع المطاعم لدى مورغان ستانلي، إن نمو عدد السكان يمثل محركاً مهماً للصناعة، لأن كل فرد جديد في السوق يمثل في النهاية مستهلكاً محتملاً.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة مع كون نسبة كبيرة من المستهدفين بسياسات الترحيل من أصول لاتينية، وهي شريحة تمثل قاعدة مهمة لقطاع المطاعم السريعة.
ووفق دراسة لوزارة الصحة الأميركية تعود إلى عام 2018، كان نحو 35% من الأميركيين من ذوي الأصول اللاتينية يتناولون الوجبات السريعة في يوم عادي.
الشركات اعتادت على النمو السكاني
العلاقة بين زيادة السكان ونمو مبيعات الأغذية ليست جديدة على الشركات الأميركية.
ففي فبراير الماضي، حذر كوفي بروس، المدير المالي لشركة جنرال ميلز، من أن تباطؤ نمو السكان في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى الانتشار المتزايد لأدوية إنقاص الوزن، قد يخفض معدل نمو الشركة بنحو 50 نقطة أساس خلال السنة المالية 2027.
كما استخدمت شركات المطاعم النمو السكاني في السابق لتبرير خطط التوسع وفتح فروع جديدة.
وعندما توسعت سلسلة Tim Hortons في كندا، التي تتمتع بنمو سكاني أقوى، أشار الرئيس التنفيذي للشركة الأم Restaurant Brands International، جوشوا كوبزا، إلى أن نمو السكان بنسبة 1% يعني حاجة الشركة إلى مواصلة التوسع وزيادة عدد المطاعم.
لكن الظروف الحالية في الولايات المتحدة تبدو مختلفة تماماً.
النمو السكاني الأميركي يتباطأ
أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الأميركي أن عدد سكان الولايات المتحدة ارتفع بنسبة 0.5% فقط بين يوليو 2024 ويوليو 2025، وهي وتيرة أقل بكثير من معدلات النمو التي شهدتها البلاد خلال السنوات السابقة.
والأكثر إثارة للقلق بالنسبة للشركات أن خبراء اقتصاديين في معهد بروكينغز قدروا أن صافي الهجرة أصبح سلبياً في عام 2025 للمرة الأولى منذ عقود، مع توقع استمرار هذا الاتجاه خلال 2026.
وترى تارا واتسون، المديرة في معهد بروكينغز وأحد المشاركين في إعداد الدراسة، أن سياسات إدارة ترامب الثانية كان لها دور كبير في هذا التحول، بعدما أدت إلى تراجع حركة العبور عبر الحدود بصورة حادة.
هل أصبح عدد المطاعم أكبر من حاجة السوق؟
مع تباطؤ نمو السكان، تظهر مشكلة أخرى أمام شركات الوجبات السريعة: عدد الفروع ارتفع لسنوات بوتيرة أسرع من نمو قاعدة العملاء.
ووفق بيانات Technomic، زاد عدد المطاعم التابعة للسلاسل في الولايات المتحدة بنحو 1% إلى 2% سنوياً منذ عام 2021.
لكن زيادة عدد الفروع لم تقابلها بالضرورة زيادة مماثلة في أعداد الزبائن.
وتوضح بيانات Placer.ai أن الإقبال على مطاعم الوجبات السريعة شهد أداءً قوياً خلال عام 2023، قبل أن تصبح حركة العملاء أكثر تقلباً في 2024، بالتزامن مع بدء المستهلكين الذين يعانون من ارتفاع الأسعار في تقليص الإنفاق على المطاعم.
وخلال عامي 2025 و2026، تراجعت حركة الزبائن في مطاعم الوجبات السريعة خلال معظم الأشهر.
ورغم أن انتشار تطبيقات توصيل الطعام يمثل أحد العوامل المؤثرة في حركة العملاء داخل المطاعم، فإن المحللين يرون أن هذه التطبيقات لا تفسر وحدها التراجع المسجل.
سوق وصل إلى مرحلة التشبع
هناك عامل آخر يجعل مهمة شركات الوجبات السريعة أكثر صعوبة، وهو أن السوق الأميركي نفسه أصبح شديد النضج.
ويرى بيتر باكمان، الاستشاري المتخصص في قطاع المطاعم، أن الصناعة تعمل بنموذجها الحالي منذ ثلاثة أو أربعة عقود، ولذلك ربما وصلت إلى مرحلة يصعب معها تحقيق توسع كبير بمجرد إضافة المزيد من الفروع.
وهذا يعني أن الشركات لم تعد قادرة على الاعتماد على استراتيجية فتح مطاعم جديدة بالسهولة نفسها التي كانت متاحة في الماضي.
ومع تباطؤ نمو السكان، قد تجد السلاسل نفسها في منافسة أكبر على العدد نفسه تقريباً من العملاء.
سنوات بايدن رفعت سقف توقعات الشركات
خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، شهدت الولايات المتحدة موجة قوية من الهجرة رفعت معدل نمو السكان بصورة ملحوظة.
وقدّرت دراسة واتسون صافي الهجرة بنحو 2.8 مليون شخص في 2022 و3.4 مليون شخص في 2023، وهي أرقام تتجاوز بكثير المعدل السنوي الذي تعتبره واتسون قريباً من المستوى الطبيعي، والبالغ نحو مليون شخص.
وربما أدت هذه الزيادة المؤقتة إلى جعل الشركات أكثر تفاؤلاً بشأن حجم السوق المتاح أمامها.
وتقول واتسون إن الشركات التي افترضت استمرار ذلك النمو ربما اتخذت قرارات توسع أكبر من اللازم، وهو ما قد يظهر الآن بعدما تغيرت الظروف الديموغرافية.
التأثير بدأ يظهر في نتائج الشركات
لم تعد هذه المخاوف مجرد توقعات نظرية، فقد بدأت بعض شركات المطاعم بالفعل في الإشارة إلى تأثير التغيرات في سلوك المستهلكين.
وخلال عام 2025، قالت شركتا Jack in the Box وWingstop إن مبيعاتهما تأثرت بتراجع إقبال المستهلكين من أصول لاتينية، بالتزامن مع تصاعد إجراءات ترحيل المهاجرين.
وفي المقابل، تمكنت عدة شركات للوجبات السريعة من تسجيل تحسن في نشاطها خلال الربع الأخير، وهو ما أرجعه مسؤولو الشركات إلى عوامل مثل انخفاض أسعار الوقود وتحسن قدرة المستهلكين على الإنفاق.
لكن هذا التحسن قد لا يحل المشكلة الأساسية التي تواجه الصناعة.
أزمة مؤقتة أم مشكلة طويلة الأجل؟
ينقسم تقييم الوضع بين من يرى أن تراجع المبيعات جزء من دورة اقتصادية مؤقتة، وبين من يعتقد أن الصناعة تواجه تغيراً أكثر عمقاً.
ويرى جون تاور، محلل قطاع المطاعم لدى سيتي، أن الوجبات السريعة قد تكون من أكثر قطاعات المطاعم تأثراً بتباطؤ النمو السكاني، خصوصاً إذا استمرت الظروف الاقتصادية الصعبة.
ويطرح هذا الوضع سؤالاً مهماً أمام الشركات: هل أصبح عدد المطاعم الموجودة في السوق الأميركية أكبر من قدرة قاعدة العملاء على استيعابه؟
أما هاربور من مورغان ستانلي، فيرى أن بعض العاملين في القطاع ما زالوا يعتبرون التراجع الحالي مؤقتاً ودورياً، لكنه يعتقد أن مشكلة التوسع الزائد في عدد الفروع ذات طبيعة أكثر هيكلية، وبالتالي فإن التخلص من آثارها قد يحتاج إلى فترة طويلة.
وبالنسبة لشركات الوجبات السريعة، قد لا تكون المشكلة في جذب العملاء فقط، وإنما في أن عدد العملاء المحتملين نفسه لم يعد ينمو بالسرعة التي اعتادت عليها الصناعة.
وهذا يضع شركات مثل ماكدونالدز ووينديز وصب واي أمام مرحلة مختلفة، قد يصبح فيها الحفاظ على المبيعات أكثر أهمية من مجرد افتتاح المزيد من الفروع.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض