لم تعد مشتريات البنوك المركزية من الذهب مجرد تحرك دوري لإدارة الاحتياطيات، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى جزء من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع الأصول وتقليل المخاطر المرتبطة بالعملات الأجنبية، وفي مقدمتها الدولار.
وتكشف تقديرات حديثة من "جولدمان ساكس" عن فجوة بين مشتريات الصين المعلنة من الذهب وبين مؤشرات على نشاط أكبر في سوق لندن خارج البورصة، ما أعاد طرح تساؤلات بشأن لجوء بعض البنوك المركزية إلى شراء الذهب بعيدًا عن البيانات الرسمية.
وتكتسب هذه الفجوة أهمية خاصة في ظل ارتفاع الطلب الرسمي على المعدن النفيس وبحسب أحدث بيانات مجلس الذهب العالمي، بلغ صافي مشتريات البنوك المركزية 289 طنًا خلال الربع الثاني من 2026، وهو أعلى مستوى لفصل ثانٍ على الإطلاق، مدفوعًا بمشتريات من دول بينها بولندا والصين.
السرية.. وسيلة لتجنب رفع الأسعار
أحد التفسيرات الرئيسية لشراء الذهب بعيدًا عن الأضواء يرتبط ببساطة بتكلفة التنفيذ، فالإعلان المبكر عن صفقة كبيرة من جانب بنك مركزي قد يدفع أسعار الذهب إلى الارتفاع، ما يجعل استكمال المشتريات أكثر تكلفة.
ولهذا، قد يكون من مصلحة المؤسسات الكبيرة توزيع عمليات الشراء على فترة زمنية أطول أو تنفيذها عبر أسواق الجملة وخارج البورصات التقليدية، قبل أن تظهر الزيادة بالكامل في البيانات الرسمية.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود نية لإخفاء استراتيجية نقدية، بقدر ما يعكس رغبة في تقليل أثر عمليات الشراء على السوق، وتجنب جذب المضاربين إلى تحركات البنك المركزي.
الذهب في مواجهة الدولار
لكن السرية قد تكون جزءًا من صورة أكبر تتعلق بتحول تدريجي في تركيبة الاحتياطيات العالمية، فقد أظهر مسح مجلس الذهب العالمي لعام 2026 أن 89% من مسؤولي إدارة الاحتياطيات يتوقعون زيادة حيازات البنوك المركزية من الذهب خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، بينما تتوقع نسبة قياسية تبلغ 45% زيادة حيازات مؤسساتهم نفسها.
وفي المقابل، يتوقع 74% من المشاركين أن تنخفض حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما ترى غالبية المشاركين أن وزن الذهب في الاحتياطيات سيرتفع.
وتعكس هذه التوقعات تحولًا في طريقة نظر البنوك المركزية إلى الذهب، الذي لم يعد يُعامل فقط باعتباره أداة لحفظ القيمة، وإنما كوسيلة لتنويع الاحتياطيات والتحوط من الأزمات والمخاطر الجيوسياسية.
عقوبات روسيا غيرت حسابات الاحتياطيات
ومن بين العوامل التي عززت جاذبية الذهب لدى البنوك المركزية تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتجميد جزء من الاحتياطيات الروسية في أعقاب العقوبات الغربية، وهو ما دفع بعض الدول إلى إعادة تقييم مدى أمان الاحتفاظ بجزء كبير من أصولها في صورة أدوات دين أجنبية.
ويشير مسح مجلس الذهب العالمي إلى أن 90% من مسؤولي الاحتياطيات الذين شملهم الاستطلاع يعتبرون أداء الذهب خلال الأزمات أحد أهم أسباب الاحتفاظ به، بينما يمثل التنويع والتحوط من المخاطر الجيوسياسية عاملين رئيسيين أيضًا.
هل تكشف البيانات الرسمية كل المشتريات؟
هناك جانب آخر من القصة يتعلق بطريقة تسجيل الاحتياطيات، فليس كل الذهب الذي تشتريه جهات مرتبطة بالدولة يظهر فورًا في أرقام البنك المركزي، إذ يمكن أن تمر بعض العمليات عبر مؤسسات حكومية أو صناديق سيادية قبل أن تُنقل إلى الاحتياطيات الرسمية.
ولهذا، فإن مقارنة بيانات التجارة وحركة السبائك في أسواق الجملة مع الأرقام التي تعلنها البنوك المركزية قد تكشف فروقًا يصعب تفسيرها اعتمادًا على البيانات الرسمية وحدها.
ويؤكد مجلس الذهب العالمي نفسه أن بيانات الطلب الرسمي تختلف عن تقديرات الطلب الإجمالي، إذ تعتمد الإحصاءات المنشورة بحسب الدول على التغيرات المعلنة رسميًا، بينما تتضمن تقديرات الطلب على الذهب أيضًا تقديرات للمشتريات غير المعلنة.
الصين في قلب التحولات
وتبرز الصين كواحدة من أهم الدول التي تتابع الأسواق تحركاتها في هذا المجال وبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، كانت الصين من كبار المشترين خلال النصف الأول من 2026، مع زيادة بلغت نحو 40 طنًا في حيازاتها المعلنة خلال الفترة.
وتشير هذه التحركات إلى أن بكين، مثل غيرها من البنوك المركزية، تنظر إلى الذهب كجزء من استراتيجية لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الأصول المرتبطة بالدولار.
لكن التوسع في شراء الذهب لا يقتصر على الصين، إذ أظهر مسح مجلس الذهب العالمي أن تسارع تراكم الاحتياطيات الذهبية أصبح ظاهرة أوسع نطاقًا، مع استمرار البنوك المركزية في زيادة متوسط مشترياتها مقارنة بالعقد السابق.
ووفق المسح، بلغ متوسط تراكم الذهب لدى البنوك المركزية نحو 1000 طن سنويًا خلال السنوات الأربع الأخيرة، مقابل 500 طن في العقد السابق.
3 خصائص وراء الإقبال على شراء الذهب
ووفقا للعربية نت وبحسب صندوق النقد الدولي ومجلس الذهب العالمي، يتمتع الذهب بثلاث خصائص تجعل الإقبال عليه قوياً في بيئة تتسم بارتفاع المخاطر الجيوسياسية:
1.لا يحمل مخاطر ائتمانية مرتبطة بجهة إصدار.
2.لا يمكن تجميده بسهولة مثل الأصول المالية الأجنبية.
3.يحتفظ بدوره التاريخي كملاذ خلال الأزمات والتضخم.
وتشير استطلاعات البنوك المركزية إلى أن 89% من مسؤولي الاحتياطيات يتوقعون زيادة الاحتياطيات العالمية من الذهب خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، وهو ما يعكس تحولاً هيكلياً وليس مجرد رهان قصير الأجل على الأسعار.
فعلى الرغم من أن الصين تمتلك واحدة من أكبر كميات الذهب في العالم تتجاوز 2366 طن، فإن المعدن الأصفر لا يزال يمثل نسبة محدودة نسبياً من إجمالي احتياطياتها الضخمة تبلغ 4.2% مقارنة بدول مثل تركيا أو كازاخستان، ما يترك مجالاً نظرياً لمزيد من الشراء في السنوات المقبلة.
وبينما تراقب الأسواق ما تعلنه البنوك المركزية شهراً بعد شهر، يبدو أن جزءاً من قصة الذهب يكتب بعيداً عن البيانات الرسمية، داخل أسواق الجملة وخزائن البنوك المركزية التي تسعى إلى تأمين نفسها لعالم أكثر تقلباً وأقل يقيناً.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض