الفيدرالي الأمريكي أمام معضلة سبتمبر.. التضخم يتراجع وسوق العمل يضع خفض الفائدة على الطاولة


الجريدة العقارية الاحد 23 اغسطس 2026 | 10:19 مساءً
البنك الفيدرالي الأمريكي
البنك الفيدرالي الأمريكي
محمد عاطف

يستعد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لاجتماعه المرتقب في سبتمبر وسط حالة من عدم اليقين بشأن اتجاه السياسة النقدية، بعدما أظهرت البيانات الأخيرة تراجعًا نسبيًا في ضغوط الأسعار بالتزامن مع ظهور مؤشرات على ضعف سوق العمل.

ورغم تحسن بعض مؤشرات التضخم، لا تزال معدلات ارتفاع الأسعار أعلى من هدف البنك المركزي البالغ 2%، ما يجعل خفض أسعار الفائدة خطوة محفوفة بالمخاطر، في وقت قد يؤدي استمرار التشديد النقدي إلى زيادة الضغوط على سوق العمل والنشاط الاقتصادي.

تثبيت الفائدة السيناريو الأقرب

تشير توقعات غالبية الاقتصاديين إلى أن الاحتياطي الفيدرالي سيبقي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير خلال اجتماع سبتمبر، مع استمرار التثبيت حتى نهاية العام، وفق استطلاع أجرته «رويترز».

وتغيرت توقعات الأسواق بصورة واضحة خلال الفترة الأخيرة، إذ تراجعت رهانات رفع الفائدة في سبتمبر إلى حد كبير، بعدما كانت الأسواق تتوقع زيادة بمقدار 25 نقطة أساس، وذلك عقب صدور بيانات أظهرت ضعفًا غير متوقع في سوق العمل خلال يوليو.

ومع ذلك، لا يزال احتمال رفع الفائدة قائمًا، خصوصًا في ظل استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف وارتفاع أسعار النفط بنحو 25% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

التضخم يتراجع لكنه لم يصل إلى الهدف

أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي أن مؤشر أسعار المستهلكين ارتفع بنسبة 3.4% على أساس سنوي خلال يوليو، مقابل 3.5% في يونيو.

كما تباطأ التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، إلى 2.5% في يوليو مقارنة بـ2.6% في الشهر السابق.

وعلى أساس شهري، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.1%، بينما سجل المؤشر الأساسي زيادة قدرها 0.2%.

وتشير هذه البيانات إلى تباطؤ نسبي في ضغوط الأسعار، لكنها في الوقت نفسه لا توفر، وفق التقديرات الحالية، ما يكفي من الأدلة لبدء دورة خفض للفائدة، خصوصًا مع استمرار التضخم أعلى من هدف البنك المركزي.

مؤشر نفقات الاستهلاك تحت المراقبة

وينتظر مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر يوليو، وهو المقياس المفضل لدى البنك لقياس التضخم، إلى جانب أحدث بيانات سوق العمل، قبل اتخاذ قرارهم في سبتمبر.

وكان تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي قد سجل 3.7% في يونيو، فيما يتوقع الاقتصاديون المشاركون في استطلاع «رويترز» أن يبلغ متوسط التضخم 3.5% خلال العام الحالي.

كما تشير التوقعات إلى استمرار التضخم فوق مستوى 2% حتى عام 2028 على الأقل، ما يعكس صعوبة إعادة الأسعار إلى المستوى المستهدف خلال فترة قصيرة.

سوق العمل يغير حسابات الفيدرالي

في المقابل، بدأت سوق العمل الأمريكية تظهر إشارات على فقدان الزخم، وهو ما يعقد مهمة البنك المركزي.

وأظهرت بيانات يوليو فقدان وظائف بصورة غير متوقعة، في حين استقرت البطالة عند 4.1%. ورغم أن هذا المستوى لا يزال منخفضًا وفق المعايير التاريخية، فإن ضعف نمو الوظائف يزيد المخاوف من أن يؤدي استمرار أسعار الفائدة المرتفعة إلى مزيد من التباطؤ في سوق العمل.

ويضع ذلك الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة صعبة: الحفاظ على أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول لمواجهة التضخم، أو البدء في تخفيف السياسة النقدية لمنع تدهور سوق العمل.

انقسام داخل البنك المركزي

ولا تزال الآراء منقسمة داخل الاحتياطي الفيدرالي بشأن المسار المناسب للسياسة النقدية.

فقد أشار عدد من مسؤولي البنك إلى أن رفع الفائدة قد يظل ضروريًا إذا لم يتراجع التضخم بالسرعة المطلوبة، فيما يرى آخرون أن ضعف سوق العمل يستدعي توخي الحذر قبل اتخاذ أي خطوات تشديدية إضافية.

وكان ثلاثة أعضاء قد عارضوا قرار الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في الاجتماع السابق، مفضلين رفعها، كما أبدى مسؤولون آخرون غير مصوتين تأييدهم لزيادة الفائدة.

وتعكس هذه المواقف استمرار الخلاف داخل لجنة السوق المفتوحة بشأن مدى السرعة التي ينبغي بها إعادة التضخم إلى مستوى 2%.

مخاوف من ترسخ التضخم

ويتمثل أحد أبرز مخاوف صناع السياسة في استمرار التضخم أعلى من المستوى المستهدف لعدة سنوات، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع توقعات التضخم لدى المستهلكين والشركات.

وترى بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، أن إعادة التضخم إلى هدف 2% خلال فترة زمنية طويلة قد لا تكون كافية، داعية إلى التحرك بوتيرة أسرع.

وتحذر هذه الرؤية من أن استمرار الأسعار في الارتفاع فوق المستهدف لفترة طويلة قد يجعل مهمة السيطرة على التضخم أكثر صعوبة في المستقبل.

الأسواق تترقب قرار سبتمبر

وتراجعت رهانات المستثمرين على رفع الفائدة خلال اجتماع سبتمبر بعد صدور بيانات التضخم والوظائف الأخيرة، بينما لا تزال الأسواق تتوقع احتمالًا مرتفعًا لحدوث زيادة في أسعار الفائدة بحلول نهاية العام.

ومن المنتظر أن يعرض مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي توقعاتهم الاقتصادية الجديدة عقب اجتماع سبتمبر، بما في ذلك تقديرات التضخم وأسعار الفائدة خلال السنوات المقبلة.

وتشير التوقعات السابقة إلى أن غالبية مسؤولي البنك كانوا يرون إمكانية وصول تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي إلى نطاق يتراوح بين 2.2% و2.5% بنهاية 2027، إلا أن الطريق إلى هذا المستوى لا يزال مرتبطًا بتطورات التضخم وسوق العمل وأسعار الطاقة.

النفط يضيف عنصرًا جديدًا للمخاطر

وتزيد أسعار النفط المرتفعة من تعقيد مهمة الفيدرالي، خاصة في ظل استمرار تداعيات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.

فارتفاع تكاليف الطاقة يمكن أن يعيد الضغط على أسعار المستهلكين، ويبطئ وتيرة انخفاض التضخم، ما قد يدفع بعض مسؤولي البنك إلى تفضيل استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.

وبذلك يدخل الاحتياطي الفيدرالي اجتماع سبتمبر في مواجهة مفاضلة دقيقة بين خطرين متعارضين: التضخم الذي لم يصل بعد إلى هدف 2%، وسوق العمل التي بدأت تظهر علامات على التباطؤ، فيما يبدو تثبيت الفائدة حاليًا الخيار الأكثر ترجيحًا، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام رفعها إذا عادت ضغوط الأسعار للتصاعد.