لم يكن قرار تجديد الثقة في حسن عبد الله محافظًا للبنك المركزي المصري مجرد تمديد لفترة جديدة على رأس أهم مؤسسة نقدية في الدولة بقدر ما جاء تجديدًا للثقة عن استحقاق.. استحقاق صنعته 4 سنوات من إدارة واحدة من أعقد الفترات التي مر بها الاقتصاد المصري وفرضته حصيلة مرحلة لم تكن فيها القرارات سهلة، ولا الخيارات كثيرة ولا تكلفة أي قرار محدودة، فمنذ أغسطس 2022 وحتى أغسطس 2026 كان البنك المركزي في قلب مشهد اقتصادي شديد التعقيد تتقاطع فيه أزمة النقد الأجنبي مع التضخم وسعر الصرف مع الفائدة وتكلفة التمويل مع احتياجات النمو وحماية الاحتياطي مع تمويل الاقتصاد بينما ظل الحفاظ على صلابة الجهاز المصرفي وأموال المودعين خطًا لا يقبل المجازفة، ومن هنا فإن قراءة قرار التجديد لا تبدأ من يوم صدوره، وإنما من نقطة البداية .. ماذا تسلم حسن عبد الله في أغسطس 2022؟ وكيف أدار السنوات الأربع؟ وإلى أين وصلت المؤشرات عندما حان موعد تقييم التجربة وتجديد الثقة؟
تولى حسن عبد الله المسؤولية في لحظة كانت فيها مصر تواجه تداعيات اضطراب اقتصادي عالمي واسع حيث الحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وتشديد السياسة النقدية في الاقتصادات الكبرى، وصعود الدولار عالميًا وخروج رؤوس أموال من الأسواق الناشئة بالتزامن مع ضغوط متزايدة على موارد النقد الأجنبي وموجة تضخمية صاعدة، وفي قلب هذه العاصفة انتقل مصرفي يمتلك خبرة تجاوزت 4 عقود إلى مقعد محافظ البنك المركزي، لكن الاختبار هذه المرة لم يكن إدارة بنك أو مؤسسة مالية، وإنما إدارة السياسة النقدية لدولة كاملة حيث أصبح كل قرار للفائدة، وكل حركة في سوق الصرف، وكل دولار يدخل أو يخرج من المنظومة الرسمية، جزءًا من معادلة تمس الاقتصاد والمواطن والسوق في الوقت نفسه.
ولم تكن الأزمة يومها أزمة دولار فقط، وإنما أزمة توازنات شديدة التشابك من نقص في النقد الأجنبي وطلب متراكم على العملة وضغوط على الواردات والإنتاج وارتفاع في الأسعار وحالة مرتفعة من عدم اليقين، وكان على البنك المركزي أن يتحرك في أكثر من اتجاه في اللحظة نفسها يحافظ على الاحتياطي ويؤمن السيولة ويحمي سلامة الجهاز المصرفي ويواجه التضخم ويعمل على استعادة الثقة في سوق الصرف دون أن تتوقف قدرة البنوك على تمويل الاقتصاد، وكانت صعوبة المهمة أن كل قرار تقريبًا يحمل تكلفة؛ رفع الفائدة يواجه التضخم لكنه يرفع تكلفة التمويل وتحريك سعر الصرف يساعد على إعادة بناء التوازن لكنه ينتقل إلى الأسعار وتشديد السيولة يحد من الطلب لكنه قد يضغط على النشاط الاقتصادي، ولهذا لم تكن السنوات الأربع رحلة بحث عن قرارات بلا ثمن وإنما إدارة دقيقة لتكلفة الأزمة واختيار المسار الأقل خطورة على الاقتصاد والجهاز المصرفي.
وفي السادس من مارس 2024 جاءت واحدة من أهم نقاط التحول، عندما اتخذ البنك المركزي حزمة قرارات استثنائية تضمنت رفع أسعار العائد 600 نقطة أساس، والسماح لسعر الصرف بأن يتحدد وفق آليات السوق، لتبدأ مرحلة مختلفة استهدفت إنهاء تعدد أسعار الصرف، وإعادة موارد النقد الأجنبي إلى القنوات الرسمية واستعادة قدرة الجهاز المصرفي على تلبية الطلب المشروع على العملة الأجنبية، وفي الوقت نفسه واصل المركزي إدارة السيولة ومتابعة سلامة البنوك وتطوير منظومته الرقابية والتكنولوجية وسط تغيرات إقليمية ودولية متلاحقة.
لكن استحقاق الثقة لا يُقاس بصعوبة القرارات وحدها وإنما بما تقوله النتائج بعد 4 سنوات، وهنا تصبح الأرقام جزءًا أساسيًا من الحكم على التجربة فقد تجاوز الاحتياطي الدولي وفق بيانات المقدمة الجديدة مستوى 53 مليار دولار في 2026، وقفزت تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى مستوى تاريخي بلغ 47.3 مليار دولار خلال 2025/2026 مقابل 21.9 مليار دولار قبل عامين وتجاوز إجمالي التسهيلات الائتمانية بالبنوك 10.69 تريليون جنيه، واقترب تمويل قطاع الأعمال الخاص من 3 تريليونات جنيه، فيما بلغ تمويل القطاع العائلي نحو 1.48 تريليون جنيه، وهي أرقام تكشف أن الجهاز المصرفي لم يكتفِ بعبور الأزمة وإنما واصل ضخ التمويل في شرايين الاقتصاد بالتوازي مع إدارة المخاطر.
والأهم أن هذا التوسع لم يأتي على حساب سلامة البنوك، فقد حافظ الجهاز المصرفي على مؤشرات صلابة قوية، مع معدل كفاية لرأس المال بلغ 19.6 % وانخفاض نسبة القروض غير المنتظمة إلى 1.9 % وبلوغ نسبة تغطيتها بالمخصصات 90.2 %، وهنا تظهر إحـدى أهــم معادلات الـ 4 سنوات من جهاز مصرفي يتوسع ويمول ويحقق نموًا في أعماله لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بقدرته على امتصاص المخاطر ويحافظ على أموال المودعين واستقرار النظام المالي.
ولم يقتصر التحول على المؤشرات النقدية والمصرفية التقليدية بل امتد إلى علاقة المواطن بالبنك، فقد وصل معدل الشمول المالي إلى 77.6 % بما يعادل 54.7 مليون مواطن بالغ داخل المنظومة المالية الرسمية واتسعت المدفوعات الرقمية ووصل مستخدمو «إنستاباي» إلى نحو 12.5 مليون مستخدم، ومع اتساع هذه المنظومة أصبحت حماية العميل والبيانات والمعاملات جزءًا من مسؤولية البنك المركزي، فتحرك لتعزيز الأمن السيبراني ومكافحة الاحتيال المالي، بالتوازي مع تطوير البنية التكنولوجية التي أصبحت تتحرك عبرها تريليونات الجنيهات والمعاملات يوميًا.
وفي خلفية كل ذلك، كان هناك تحول آخر ربما لا يظهر سريعًا في الأرقام لكنه يصنع مستقبل الصناعة المصرفية من خلال الاستثمار في العنصر البشري، فقد اتجهت المنظومة إلى إعداد قيادات جديدة وتأهيل المصرفيين للتعامل مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتعزيز الحوكمة وإدارة المخاطر والعمل المؤسسي داخل البنوك، كما اتسعت الرؤية لتتجاوز خزائن البنوك إلى الاقتصاد الحقيقي من الصناعة والزراعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر والتمويل العقاري وتمكين المرأة والشباب وإتاحة الخدمات المصرفية في المحافظات والصعيد والريف، بحيث لم يعد السؤال فقط كم تمتلك البنوك من أموال؟ .. وإنما كيف تتحول هذه الأموال إلى تمويل وإنتاج وفرص عمل ونشاط اقتصادي؟
لهذا كله فإن تجديد الثقة في حسن عبد الله لا يمكن قراءته باعتباره قرارًا منفصلًا عن حصيلة الـ 4 سنوات، فالمسافة بين أغسطس 2022 وأغسطس 2026 لا تقاس فقط بما حدث للجنيه أو الفائدة أو الاحتياطي وإنما بما طرأ على بنية المشهد النقدي والمصرفي بأكمله من مواجهة أزمة حادة في النقد الأجنبي إلى سوق صرف أكثر مرونة، ومن دورة تاريخية للتشديد النقدي إلى بداية إعادة تكلفة الأموال تدريجيًا، ومن توسع مصرفي تقليدي إلى جهاز أكثر رقمية وشمولًا، ومن مفهوم حماية خزائن البنوك إلى منظومة أشمل لحماية الأموال والبيانات والمعاملات والعملاء، ومن إدارة مخاطر الحاضر إلى الاستعداد لمخاطر التكنولوجيا والاستدامة والمستقبل.
ومن هنا يأتي هذا الملف ليس للاحتفاء بقرار تجديد الثقة وإنما لتفسير لماذا استحق حسن عبد الله هذه الثقة من جديد، 4 سنوات نضعها كاملة تحت مجهر الأرقام والقرارات والنتائج ماذا تسلم في أغسطس 2022؟ ماذا فعل بسوق الصرف؟ كيف أدار أصعب دورة للفائدة والتضخم؟ كيف تحرك الاحتياطي وتحويلات المصريين؟ كيف حافظت البنوك على صلابتها بينما توسعت في الائتمان؟ وكيف تغيرت علاقة المواطن بالجهاز المصرفي؟ ثم ماذا تبقى أمام المحافظ في ولايته الجديدة؟ لأن الاختبار المقبل لن يكون مجرد الحفاظ على ما تحقق، فبعد أن كان السؤال في 2022 كيف تعبر مصر العاصفة؟ أصبح السؤال في 2026 أكثر طموحًا وصعوبة كيف يتحول الاستقرار النقدي والمصرفي إلى استثمار وإنتاج ونمو مستدام؟ وبين السؤالين تقف 4 سنوات تفسر معنى القرار وتضع عنوان المرحلة في كلمتين هما «الثقة باستحقاق».
حسن عبد الله.. 4 عقود صنعت مصرفيًا قبل أن تصنع محافظًا للبنك المركزي
لم يصل حسن عبد الله إلى مقعد محافظ البنك المركزي المصري في أغسطس 2022 من بوابة العمل العام أو من مسار أكاديمي بعيد عن السوق، فقد جاء إلى المنصب بعد رحلة مصرفية امتدت لأكثر من 4 عقود، بدأها من داخل البنوك وتدرج خلالها في العمل التنفيذي والاستثماري والرقابي حتى أصبح واحدًا من الأسماء المعروفة في الصناعة المصرفية المصرية والعربية، وهذه الخلفية تكتسب أهميتها عند قراءة القرارات التي اتخذها لاحقًا محافظًا للبنك المركزي لأن الرجل الذي أصبح مسؤولًا عن السياسة النقدية وسلامة الجهاز المصرفي كان قد أمضى الجزء الأكبر من حياته المهنية داخل هذا الجهاز وعرف من الداخل كيف تتحرك السيولة وكيف تتخذ البنوك قرارات الائتمان والاستثمار وكيف تتعامل الإدارات مع الأزمات وكيف تنظر المؤسسات الدولية إلى المخاطر والأسواق الناشئة.
بدأ حسن عبد الله مسيرته المهنية في البنك العربي الأفريقي الدولي عام 1982 بعد تخرجه في الجامعة الأمريكية بالقاهرة وحصوله على بكالوريوس إدارة الأعمال ثم حصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من الجامعة نفسها عام 1992، ولم تكن بدايته في البنك العربي الأفريقي مجرد محطة أولى في مسيرة قصيرة قبل الانتقال إلى مؤسسة أخرى بل تحولت إلى علاقة مهنية امتدت لعقود وأصبح خلالها البنك واحدًا من أهم المساحات التي تشكلت فيها خبرته المصرفية، وتدرج عبد الله في المناصب والمسؤوليات حتى وصل إلى أعلى مستويات الإدارة التنفيذية، وتعامل خلال هذه الرحلة مع ملفات الاستثمار والخزانة والأسواق والتمويل والعلاقات المصرفية الدولية في فترة شهد فيها القطاع المصرفي المصري تغيرات عميقة وانتقل من نموذج تقليدي إلى صناعة أكثر تنافسية وارتباطًا بالأسواق العالمية.
وتكمن أهمية تجربة البنك العربي الأفريقي الدولي في طبيعة المؤسسة نفسها، فهو بنك ذو امتداد إقليمي وعلاقات دولية واسعة وهو ما أتاح لعبد الله خبرة لم تكن محصورة في السوق المحلية، فقد تعامل مع مؤسسات وأسواق خارجية واكتسب فهمًا لطريقة تفكير المستثمر الدولي في مصر ولأهمية الثقة والتصنيف الائتماني والسيولة بالعملات الأجنبية والعلاقة بين السوق المحلية وحركة رؤوس الأموال العالمية، وبعد سنوات وجد نفسه على رأس البنك المركزي في لحظة أصبحت فيها هذه الملفات تحديدًا في قلب الأزمة المصرية حيث كان مطلوبًا إعادة بناء سوق النقد الأجنبي واستعادة التدفقات وتعزيز الثقة في الاقتصاد أمام المستثمرين ومؤسسات التمويل الدولية.
وفي عام 2002 ومع تولى تولى حسن عبدالله منصب نائب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب للبنك العربي الأفريقي الدولي ثم أصبح الرئيس التنفيذي للبنك، وخلال تلك المرحلة كان القطاع المصرفي المصري نفسه يدخل واحدة من أهم عمليات الإصلاح وإعادة الهيكلة في تاريخه الحديث، بدأت الدولة والبنك المركزي برنامجًا واسعًا لإصلاح البنوك وعلاج مشكلات الديون المتعثرة ورفع مستويات كفاية رأس المال وتعزيز الحوكمة وإعادة هيكلة عدد من المؤسسات وعمليات الاندماج والاستحواذ، ومن هنا لم يكن عبد الله مجرد رئيسا لبنك يعمل في سوق مستقرة، وإنما كان جزءًا من جيل مصرفي عاش عملية إعادة بناء الجهاز المصرفي المصري وتعلم عمليًا أن قوة الاقتصاد لا يمكن فصلها عن قوة البنوك التي تموله.
وخلال قيادته للبنك العربي الأفريقي الدولي توسعت أعمال البنك وحضوره في السوق وتطورت أنشطته ومنتجاته، كما شارك في عدد من العمليات التي ساهمت في إعادة تشكيل خريطة الصناعة المصرفية، ومن أبرزها الاستحواذ على بنك مصر أمريكا الدولي في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة ودمجه في البنك العربي الأفريقي الدولي، وهي تجربة مهمة في فهم عمليات الاستحواذ والدمج وإدارة المؤسسات بعد الصفقات، وقد أصبحت هذه الخبرة ذات قيمة مختلفة عندما انتقل عبد الله لاحقًا إلى موقع المسؤول عن الجهاز المصرفي بأكمله لأن المحافظ لا ينظر إلى البنك باعتباره مؤسسة منفردة فقط وإنما باعتباره جزءًا من منظومة تتطلب المنافسة وفي الوقت نفسه تحتاج إلى قواعد تمنع المخاطر وتحافظ على الاستقرار.
ولم تتوقف خبرته عند الإدارة التنفيذية فقد شغل حسن عبد الله عضوية مجلس إدارة البنك المركزي المصري لسنوات وهو ما أتاح له الانتقال مبكرًا من زاوية المصرفي الذي يدير مؤسسة ويسعى إلى تحقيق أهدافها إلى زاوية أوسع تتعلق بالسياسة النقدية والرقابة واستقرار الجهاز المصرفي، وهذا الانتقال مهم لفهم شخصيته المهنية لأن هناك فارقًا جوهريًا بين إدارة بنك تجاري وإدارة بنك مركزي، فالبنك التجاري يبحث عن الربحية والنمو والحصة السوقية مع إدارة المخاطر، أما البنك المركزي فمسؤوليته حماية استقرار الأسعار وسلامة النظام المالي وإدارة الاحتياطيات والإشراف على البنوك وتنظيم نظم الدفع، فخبرة عبد الله في الجانبين منحته معرفة بطريقة تفكير المؤسسة التي تصدر القواعد وبطريقة تفكير البنوك التي تنفذها.
كما امتدت مسيرته إلى عضوية مجالس إدارات مؤسسات وشركات تعمل في مجالات مختلفة وهو ما وسع رؤيته للاقتصاد خارج حدود العمل المصرفي التقليدي، وفي عام 2021 تولى رئاسة مجلس إدارة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في مرحلة إعادة هيكلة للمجموعة، ورغم اختلاف صناعة الإعلام عن البنوك فإن التجربة أضافت إلى مسيرته بعدًا يتعلق بإدارة مؤسسة ضخمة متعددة الأنشطة في فترة تتطلب إعادة تنظيم وتحديد أولويات وضبط هياكل الإدارة، وبعد أقل من عامين سيجد نفسه أمام عملية إعادة ترتيب أكبر كثيرًا حين كُلف بإدارة البنك المركزي المصري وسط أزمة اقتصادية ونقدية معقدة.
وفي 18 أغسطس 2022 صدر قرار بتعيين حسن عبد الله قائمًا بأعمال محافظ البنك المركزي المصري، ولم يكن توقيت القرار عاديًا فالاقتصاد العالمي كان لا يزال يتعامل مع تداعيات جائحة كورونا قبل أن تضيف الحرب الروسية الأوكرانية صدمة جديدة إلى أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد، وفي الوقت نفسه كان الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد بدأ دورة قوية لرفع أسعار الفائدة وهو ما أدى إلى تحولات واسعة في حركة رؤوس الأموال بعيدًا عن الأسواق الناشئة، وكانت مصر تواجه ضغوطًا متزايدة على موارد النقد الأجنبي وتحديات في الواردات وسوق الصرف وارتفاعًا في معدلات التضخم، وبالتالي لم يحصل المحافظ الجديد على فترة هادئة يتعرف خلالها إلى الملفات قبل اتخاذ القرارات لقد دخل إلى البنك المركزي بينما كانت الملفات الأكثر حساسية مفتوحة في الوقت نفسه.
وهنا تظهر أهمية سنوات الخبرة الاستثنائية، فإدارة الأزمة لم تكن تحتاج إلى معرفة نظرية بالسياسة النقدية فقط بل كانت تحتاج إلى شخص يعرف البنوك من الداخل ويعرف كيف يتصرف رئيس البنك عندما تتغير أسعار الفائدة وكيف تتحرك الودائع عند ارتفاع العائد وكيف تتأثر الشركات عندما يرتفع سعر الدولار وكيف يفكر المستثمر الأجنبي عندما تتزايد مخاطر العملة وكيف تقرأ المؤسسات الدولية المؤشرات المصرية، كما كانت تحتاج إلى القدرة على التواصل مع رؤساء البنوك وإشراك الجهاز المصرفي في تنفيذ القرارات دون أن تتحول العلاقة بين البنك المركزي والبنوك إلى علاقة أوامر فقط.
ومن السمات التي ظهرت خلال فترة حسن عبد الله الاعتماد على العمل المؤسسي وإعطاء مساحة أكبر للقيادات المصرفية للمشاركة في مناقشة الملفات التي تمس الصناعة، فالجهاز المصرفي المصري يضم بنوكًا حكومية وخاصة وعربية وأجنبية ولكل منها نموذج أعمال مختلف وقاعدة عملاء مختلفة وخبرة مختلفة في السوق وبالتالي فإن الاستفادة من هذه الخبرات لا تقل أهمية عن إصدار التعليمات الرقابية، فقوة البنك المركزي لا تأتي من مركزة كل قرار في يد شخص واحد وإنما من بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار واتخاذ القرار على أساس البيانات والخبرة والعمل الجماعي.
وهذا الجانب يفسر أيضًا الاهتمام المتزايد خلال السنوات الأخيرة بتأهيل العنصر البشري داخل القطاع المصرفي، فالبنوك لم تعد تعتمد فقط على موظف الائتمان والخزانة والفروع، فالصناعة أصبحت تحتاج إلى متخصصين في تحليل البيانات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية وإدارة المخاطر والاستدامة ومكافحة غسل الأموال والاحتيال، ومن ثم أصبح الاستثمار في المصرفي نفسه جزءًا من الاستثمار في سلامة الجهاز المصرفي، فالبنك الذي يمتلك أحدث نظام تكنولوجي دون كوادر قادرة على استخدامه وإدارة مخاطره لا يستطيع بناء ميزة مستدامة.
كما أن تجربة حسن عبد الله الطويلة في العمل المصرفي جعلت العلاقة مع رؤساء البنوك أكثر ارتباطًا بفكرة الشراكة في حماية الصناعة فالبنك المركزي هو الرقيب في النهاية ولا يستطيع التنازل عن هذه الوظيفة لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى جهاز مصرفي قادر على تنفيذ السياسة النقدية وتمويل الاقتصاد وحماية أموال المودعين، ومن هنا يصبح رئيس البنك شريكًا في استقرار المنظومة بقدر ما هو خاضع لرقابتها، وهي معادلة دقيقة لأن الإفراط في المركزية قد يضعف قدرة المؤسسات على اتخاذ القرار بينما الإفراط في الحرية دون رقابة يمكن أن يفتح الباب لمخاطر تهدد النظام كله.
وعندما ننظر إلى حسن عبدالله بعد 4 سنوات من توليه المسؤولية فإننا لا ننظر فقط إلى محافظ اتخذ قرارات بشأن الفائدة وسعر الصرف، فنحن أمام مصرفي أمضى أكثر من 40 عامًا بين البنوك والاستثمار ومجالس الإدارات والعمل الرقابي ثم وجد نفسه في أغسطس 2022 مسؤولًا عن إدارة واحدة من أعقد الأزمات النقدية التي واجهتها مصر خلال العقود الأخيرة، فهذه الخلفية لا تعني أن كل قرار اتخذه كان بلا تكلفة ولا أن التجربة يجب أن تقرأ بعيدًا عن النقد والتقييم، لكنها تفسر لماذا كانت إدارة الجهاز المصرفي أحد عناصر القوة في سنوات شهد فيها الاقتصاد تقلبات شديدة بينما ظلت البنوك قادرة على العمل والتمويل واستيعاب الصدمات.
وربما تكون المفارقة الأوضح في مسيرة حسن عبد الله أن الرجل بدأ حياته المهنية عام 1982 داخل بنك واحد ثم وجد نفسه بعد 4 عقود مسؤولًا عن كل البنوك، فبدأ مصرفيًا يتعلم كيف تُدار الأموال داخل المؤسسة ثم أصبح محافظًا مطلوبًا منه أن يدير سعر المال نفسه، وانتقل من قراءة ميزانية بنك إلى قراءة ميزان مدفوعات دولة ومن إدارة السيولة داخل مؤسسة إلى إدارة السيولة داخل اقتصاد ومن البحث عن أفضل توظيف لأموال العملاء إلى حماية قيمة العملة التي تقاس بها هذه الأموال، وبين البدايتين مسيرة طويلة صنعت خبرة الرجل، أما ما حدث منذ أغسطس 2022 فهو الذي وضع هذه الخبرة أمام اختبارها الأصعب.
أغسطس 2022.. حسن عبد الله يتسلم «المركزي» في قلب العاصفة
لم يكن أغسطس 2022 توقيتًا طبيعيًا لتغيير قيادة البنك المركزي المصري، فحسن عبد الله لم يتسلم مؤسسة تعمل داخل اقتصاد مستقر يسمح لمحافظها الجديد بفترة هادئة لإعادة ترتيب الأولويات، كانت مصر في ذلك الوقت تواجه واحدة من أكثر اللحظات النقدية حساسية منذ سنوات، تداعيات جائحة كورونا لم تكن قد اختفت بالكامل عندما اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022 لتضرب أسواق الغذاء والطاقة وتدفع موجة جديدة من التضخم حول العالم، وفي الوقت نفسه بدأ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسرع دورات التشديد النقدي منذ عقود، حيث ارتفعت تكلفة الدولار واتجهت رؤوس الأموال الدولية إلى الأسواق الأمريكية وبدأت الأسواق الناشئة تدفع ثمن التحول العالمي في اتجاه السيولة.
جاء حسن عبد الله إلى البنك المركزي في 18 أغسطس 2022 بينما كانت مصر تواجه ضغوطًا واضحة في سوق النقد الأجنبي، لم تكن المشكلة في سعر الدولار وحده، فالمشكلة الأعمق كانت في تراجع قدرة الاقتصاد على توفير العملة الأجنبية بالسرعة التي يتزايد بها الطلب عليها، الحرب رفعت فاتورة استيراد القمح والطاقة والمواد الخام، خروج استثمارات المحافظ الأجنبية زاد الضغط على موارد النقد الأجنبي، وفي الوقت نفسه احتاجت الدولة والشركات إلى الوفاء بالتزامات خارجية قائمة، وأصبحت معادلة الدولار مرتبطة بالإنتاج والاستيراد والأسعار والاحتياطي والاستثمار معًا.
وكان الاحتياطي الدولي أول خطوط الدفاع، عند نهاية أغسطس 2022 سجل صافي الاحتياطيات الدولية نحو 33.14 مليار دولار، فلم يكن الرقم في حد ذاته ضعيفًا إذا قرئ بعيدًا عن السياق، لكن التحدي الحقيقي كان حجم الالتزامات والاحتياجات التي يجب على هذه الموارد التعامل معها في ظل بيئة عالمية أصبحت أكثر تكلفة وأقل استعدادًا لمنح الأسواق الناشئة تمويلًا رخيصًا، وهنا وجد المحافظ الجديد نفسه أمام ضرورة حماية الاحتياطي وفي الوقت نفسه ضمان توافر السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج والحفاظ على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية.
كانت هناك أيضًا مشكلة أكثر تعقيدًا بدأت تتشكل داخل سوق الصرف عندما يصبح الطلب على العملة الأجنبية أكبر من المعروض المتاح داخل القنوات الرسمية تبدأ الاختناقات، الشركات تنتظر تدبير الدولار، المستورد يحاول معرفة متى يستطيع فتح الاعتماد أو تنفيذ العمليةوالمصنع يخشى عدم وصول المواد الخام، ومع استمرار الضغوط يبدأ سعر آخر في الظهور خارج الجهاز المصرفي، وعند هذه النقطة تتحول أزمة نقص العملة إلى أزمة ثقة وتسعير لأن الاقتصاد لا يعود يعرف على أي سعر يبني قراراته.
وهذه الحالة كانت خطرة على الاستثمار بقدر خطورتها على الاستيراد، المستثمر يستطيع التعامل مع عملة ترتفع أو تنخفض إذا كان يعرف أن السوق قادر على تحديد سعرها وأنه يستطيع الدخول والخروج وفق قواعد واضحة، لكن وجود فجوة بين السعر الرسمي والسعر خارج القنوات الرسمية يجعل حساب العائد والمخاطر أكثر صعوبة، ولذلك كان أحد أكبر التحديات أمام البنك المركزي هو الوصول في النهاية إلى سوق يستطيع أن يستعيد قدرته على التسعير وأن تعود إليه موارد النقد الأجنبي التي بدأت تبحث عن قنوات أخرى.
وفي الوقت نفسه كان التضخم يضغط من اتجاه آخر، فارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالميًا انتقل إلى السوق المصرية، انخفاض قيمة الجنيه رفع تكلفة الواردات ومدخلات الإنتاج، الشركات بدأت تعيد حساب تكلفة منتجاتها، الأسرة المصرية وجدت أن الجزء نفسه من الدخل يشتري كمية أقل من السلع، وهنا أصبح البنك المركزي أمام معادلة شديدة الصعوبة، فتشديد السياسة النقدية يمكن أن يساعد في مواجهة التضخم لكنه يرفع تكلفة الاقتراض على الاستثمار والحفاظ على فائدة منخفضة قد يدعم النشاط لكنه يترك سيولة أكبر في اقتصاد يعاني أصلًا من ضغوط على الأسعار وسوق الصرف.
ولم يكن أمام حسن عبد الله سوى استخدام أداة واحدة، ففي 22 سبتمبر 2022 اتخذ البنك المركزي خطوة لافتة عندما رفع نسبة الاحتياطي النقدي الإلزامي على البنوك من 14 % إلى 18 % مع الإبقاء وقتها على أسعار الفائدة الأساسية دون تغيير، فكان القرار يحمل رسالة مهمة عن الطريقة التي ستدار بها الأزمة، فالسياسة النقدية ليست سعر فائدة فقط بل يمكن للمركزي أن يسحب جزءًا من السيولة من خلال الاحتياطي الإلزامي وأن يستخدم أدوات إدارة السوق إلى جانب الفائدة وفق طبيعة الضغوط التي يواجهها الاقتصاد.
ثم جاءت قرارات أكثر صعوبة ففي أكتوبر 2022 تحرك سعر الصرف ورفع البنك المركزي أسعار العائد 200 نقطة أساس، وفي ديسمبر من العام نفسه رفع الفائدة 300 نقطة أساس أخرى، لم تكن هذه التحركات منفصلة عن بعضها بل كان المركزي يحاول التعامل في وقت واحد مع التضخم والسيولة وسوق الصرف وتوقعات المستثمرين، وكلما تغير سعر الجنيه أصبح هناك خطر من انتقال جزء من تكلفة العملة إلى الأسعار وكلما ارتفع التضخم أصبحت الحاجة إلى سياسة نقدية أكثر تشددًا أكبر.
لكن المشكلة لم تكن قابلة للحل بقرارات البنك المركزي وحده، فمصر كانت تحتاج إلى موارد دولارية جديدة وإلى برنامج إصلاح اقتصادي أوسع يعيد فتح قنوات التمويل الخارجي ويعطي الأسواق إشارة بأن الاقتصاد يسير نحو معالجة الاختلالات وليس تمويلها مؤقتًا، وفي ديسمبر 2022 وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على برنامج تمويل لمصر بقيمة نحو 3 مليارات دولار ضمن تسهيل الصندوق الممدد، وكان سعر الصرف المرن والسياسة النقدية الهادفة إلى خفض التضخم جزءًا أساسيًا من الإطار الاقتصادي للبرنامج.
ومع ذلك لم تختف الضغوط وهذه نقطة ضرورية في قراءة المرحلة دون تجميل، فالعام 2023 حمل تحديات شديدة في النقد الأجنبي واستمر وجود سوق موازية واتسعت في بعض الفترات الفجوة بين السعر الرسمي والسعر المتداول خارج البنوك، وارتفع التضخم إلى مستويات تاريخية، وأصبحت تكلفة الإنتاج والتمويل أكثر صعوبة على الشركات، وهنا ظهر أن معالجة الأزمة تحتاج إلى ما هو أكبر من تعديل تدريجي لسعر الصرف أو رفع للفائدة، كان المطلوب إعادة بناء جانب العرض من النقد الأجنبي واستعادة الثقة في أن السعر الرسمي يعكس واقع السوق.
في تلك المرحلة اتخذ حسن عبد الله موقفًا شديد الحساسية، فمن ناحية كان مطلوبًا تجنب استنزاف الاحتياطي في محاولة الدفاع عن سعر لا يستطيع السوق دعمه، ومن ناحية أخرى كان الانتقال الكامل إلى سعر أكثر مرونة يحمل مخاطر تضخمية كبيرة إذا تم في لحظة لا تتوافر فيها سيولة دولارية كافية، ومن هنا يمكن فهم لماذا استغرق الوصول إلى المحطة الحاسمة وقتًا، فالإصلاح النقدي لا يعتمد فقط على صحة القرار من الناحية النظرية فتوقيت القرار وقدرة الاقتصاد على تحمل تكلفته لا يقلان أهمية عن القرار نفسه.
ومع دخول 2024 أصبحت الحاجة إلى تغيير أكبر أكثر وضوحًا، السوق الموازية لم تعد مجرد ظاهرة هامشية و الفجوة السعرية كانت تؤثر في التسعير والاستيراد وتحويلات المصريين وقرارات المستثمرين والشركات أصبحت تجد صعوبة في بناء موازناتها على سعر لا تستطيع الحصول على العملة عنده، وبدأت قطاعات من الاقتصاد تسعر منتجاتها وفق تكلفة بديلة للدولار حتى عندما لا تستورده مباشرة، وهنا أصبح تعدد أسعار الصرف نفسه أحد مصادر التضخم وعدم اليقين.
ثم جاءت صفقة رأس الحكمة في فبراير 2024 لتغير جزءًا مهمًا من معادلة السيولة الأجنبية، الاتفاق الاستثماري بين مصر والإمارات بقيمة معلنة بلغت 35 مليار دولار وفر تدفقات كبيرة من النقد الأجنبي في توقيت شديد الحساسية وبعد أيام قليلة جاءت اللحظة التي كانت السوق تنتظرها.
وفي 6 مارس 2024 اتخذ البنك المركزي أكبر قرارات المرحلة رفعت لجنة السياسة النقدية أسعار العائد 600 نقطة أساس دفعة واحدة ليصل سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 27.25 % وسعر الإقراض إلى 28.25 %، وفي الوقت نفسه أعلن البنك المركزي السماح لسعر الصرف بأن يتحدد وفق آليات السوق، كان الهدف المعلن توحيد سوق الصرف والقضاء على تراكم الطلب على النقد الأجنبي وإعادة بناء إطار أكثر قدرة على مواجهة الصدمات.
هذا القرار لم يكن بداية الأزمة ولم يكن أول تحرك للجنيه في عهد حسن عبد الله، لكنه كان نقطة الفصل بين مرحلتين قبل مارس 2024 كانت الإدارة تحاول احتواء الضغوط مع استمرار قيود واضحة في توافر النقد الأجنبي، وبعد مارس بدأ الرهان على إعادة الدولار إلى القنوات الرسمية من خلال سعر أكثر مرونة وسيولة أكبر ورفع قوي للفائدة يساعد على احتواء الأثر التضخمي المتوقع.
بدأت النتائج تظهر تدريجيًا في مصادر النقد الأجنبي، تحويلات المصريين العاملين بالخارج عادت بقوة إلى القنوات الرسمية بعد أن كانت الفجوة بين أسعار الصرف قد دفعت جانبًا منها بعيدًا عن الجهاز المصرفي، استثمارات المحافظ الأجنبية عادت إلى أدوات الدين المصرية مع تغير العائد والتسعير، البنوك استعادت قدرة أكبر على التعامل مع الطلب على العملة، وبدأ الاحتياطي يتحرك إلى مستويات أعلى، لكن من الخطأ نسب كل ذلك إلى قرار واحد، ولكن لعده قرارات أهمها صفقة رأس الحكمة وبرنامج صندوق النقد وتدفقات الاستثمار وتحويلات المصريين والسياحة والصادرات كلها دخلت في معادلة إعادة بناء السيولة الأجنبية.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات المرحلة، حسن عبد الله لم يتعامل مع الاحتياطي باعتباره السلاح الوحيد للدفاع عن الجنيه، الفلسفة التي أصبحت أكثر وضوحًا لاحقًا تقوم على أن سعر الصرف نفسه يجب أن يتحمل جزءًا من الصدمة بدل نقل العبء كله إلى احتياطيات الدولة، وهي فلسفة أكدها المحافظ لاحقًا عندما تحدث عن أهمية سعر الصرف المرن في السماح للعملة بالعمل كممتص للصدمات الخارجية.
لكن نجاح إدارة الأزمة لا يمكن قياسه بالدولار وحده، فقد دفعت الأسرة المصرية والشركات تكلفة كبيرة خلال الطريق، التضخم وصل إلى مستويات قاسية، الفائدة ارتفعت إلى مستويات تاريخية، تكلفة الاقتراض زادت، تحركات الجنيه رفعت تكلفة الواردات، فكثير من الشركات اضطرت إلى إعادة تسعير منتجاتها أكثر من مرة ولذلك فإن القراءة المهنية للفترة لا يجب أن تقدم القرارات باعتبارها بلا تكلفة، والسؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه التكلفة قد أسهمت في علاج الاختلالات التي جعلت استمرار الوضع السابق أكثر خطورة.
وبحلول 2025 بدأت الصورة تتغير، مع انحسار جانب من الضغوط التضخمية واستقرار سوق الصرف بصورة أكبر بدأ البنك المركزي الانتقال تدريجيًا من مرحلة التشديد الاستثنائي إلى مرحلة التيسير، وفي أبريل 2025 بدأ أول خفض لأسعار الفائدة منذ سنوات، لم يكن ذلك إعلانًا بانتهاء الأزمة وإنما إشارة إلى أن السياسة النقدية أصبحت تمتلك مساحة للتحرك في الاتجاه المعاكس بعدما أمضت فترة طويلة في رفع تكلفة الأموال لكبح التضخم.
وعندما وصلنا إلى 2026 كان الفارق بين نقطة البداية والمشهد الجديد واضحًا، الاحتياطي تجاوز 55 مليار دولار، تحويلات المصريين سجلت مستويات تاريخية، فسوق النقد الأجنبي أصبح أكثر قدرة على استيعاب التدفقات والطلب، كما حافظ الجهاز المصرفي على مؤشرات سلامة قوية رغم حجم الصدمات التي مر بها الاقتصاد، وفي المقابل ظل التضخم أعلى من المستويات التي يريدها البنك المركزي وظلت تكلفة الأموال مرتفعة بما يكفي لجعل خفض الفائدة أحد أهم ملفات المرحلة التالية.
لهذا فإن الفترة من أغسطس 2022 إلى مارس 2024 تستحق أن تقرأ باعتبارها مرحلة إدارة العاصفة، لم تكن مرحلة تحقيق أرقام قياسية ولا مرحلة توزيع مكاسب، فكانت مرحلة محاولة منع أزمة النقد الأجنبي من التحول إلى أزمة مصرفية والحفاظ على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها وتهيئة السوق لعملية تصحيح كبيرة جاءت في النهاية عندما توافرت الظروف التي سمحت بتنفيذها.
ومن هنا فإن أول اختبار حقيقي لحسن عبد الله لم يكن كيف يدير البنك المركزي في الظروف الطبيعية، كان الاختبار كيف يتخذ القرار عندما تكون كل البدائل مكلفة، كيف يحمي الاحتياطي دون تجميد الاقتصاد، كيف يواجه التضخم دون أن يخنق النشاط، كيف يتحرك بالجنيه دون أن يفقد السيطرة على الأسعار، وكيف يحافظ على ثقة المودعين والمستثمرين والبنوك بينما تتحرك المؤشرات حوله بسرعة شديدة.
معركة الدولار.. كيف أعاد «المركزي» بناء سوق النقد الأجنبي؟
إذا كان التحدي الأول الذي واجه حسن عبد الله عند توليه قيادة البنك المركزي المصري في أغسطس 2022 هو احتواء تداعيات الأزمة فإن التحدي الأكثر تعقيدًا خلال السنوات التالية كان إعادة بناء سوق النقد الأجنبي نفسه، لم تكن المشكلة في البحث عن سعر جديد للدولار كان المطلوب معالجة سوق فقد جزءًا من قدرته على التسعير وأصبح فيه الطلب على العملة الأجنبية أكبر من الموارد المتاحة داخل القنوات الرسمية، ومع اتساع الفجوة بين السعر داخل البنوك وخارجها بدأت الأزمة تؤثر في قرارات الشركات والمستوردين والمستثمرين وتحويلات المصريين بالخارج لذلك أصبحت استعادة سوق موحدة للنقد الأجنبي شرطًا ضروريًا لاستعادة الاستقرار.
وسعر الصرف في أي اقتصاد لا يمثل مجرد رقم يظهر على شاشات البنوك، إنه أحد أهم الأسعار التي تبنى عليها قرارات الاقتصاد كله، فالمصنع يحتاج إليه لحساب تكلفة المواد الخام المستوردة، والمستورد يحتاج إليه لتحديد سعر السلعة، والمستثمر الأجنبي يستخدمه لحساب قيمة استثماره والعائد المتوقع عند الخروج، والحكومة تحتاج إليه عند حساب تكلفة الالتزامات الخارجية، والمواطن يشعر بأثره عندما تنتقل تكلفة الواردات إلى أسعار السلع والخدمات.
وكان ظهور سوق موازية واسعة أحد أخطر مظاهر هذا الاختلال، فوجود سعرين للدولار يعني أن هناك جزءًا من الطلب لا يستطيع الوصول إلى العملة عبر النظام الرسمي، ومع زيادة الفارق بين السعرين تتغير سلوكيات الأفراد والشركات، فصاحب العملة الأجنبية يصبح لديه حافز أكبر للاحتفاظ بها أو بيعها خارج الجهاز المصرفي كجزء من التحويلات يمكن أن يبحث عن السعر الأعلى، بعض الشركات تبدأ في تسعير منتجاتها وفق تكلفة الدولار خارج البنوك حتى لو حصلت على جزء من احتياجاتها من القنوات الرسمية، ومع الوقت يتحول السعر الموازي من نتيجة لنقص العملة إلى سبب إضافي في استمرار الأزمة.
ومن هنا كانت استعادة موارد النقد الأجنبي إلى الجهاز المصرفي مسألة لا تقل أهمية عن جذب تدفقات جديدة، فالاقتصاد المصري يمتلك مصادر كبيرة للدولار من تحويلات المصريين والسياحة والصادرات والاستثمار وإيرادات قناة السويس، لكن وجود موارد لا يكفي إذا لم تدخل نسبة كافية منها إلى السوق الرسمية ولهذا كان توحيد سوق الصرف أحد المفاتيح الأساسية لإعادة بناء دورة النقد الأجنبي.
وجاء السادس من مارس 2024 ليكون نقطة التحول الرئيسية، أعلن البنك المركزي السماح لسعر الصرف بأن يتحدد وفق آليات السوق بالتزامن مع رفع أسعار العائد الأساسية 600 نقطة أساس، وكان الهدف واضحًا وهو القضاء على تراكم الطلب على النقد الأجنبي وتوحيد سوق الصرف وإنهاء التشوه الذي خلقته الفجوة بين الأسعار، ومنذ ذلك التاريخ انتقلت إدارة العملة إلى مرحلة مختلفة لم يعد فيها تثبيت رقم محدد للجنيه هو الهدف وإنما السماح للسعر بأن يتحرك بما يعكس ظروف العرض والطلب.
وهنا يجب التوقف أمام مفهوم المرونة نفسه، سعر الصرف المرن لا يعني أن العملة يجب أن تنخفض باستمرار كما لا يعني أن البنك المركزي يتخلى عن سوق الصرف أو يتركها للفوضى، فالمرونة تعني أن السعر يستطيع التحرك في الاتجاهين عندما تتغير ظروف السوق فإذا ارتفع الطلب على الدولار يمكن أن يتغير السعر، وإذا تحسنت التدفقات يمكن للجنيه أن يستفيد، فالفكرة الأساسية هي منع تراكم اختلال كبير لفترة طويلة ثم الاضطرار إلى تصحيحه دفعة واحدة.
وهذه الفلسفة أصبحت أكثر وضوحًا في تصريحات حسن عبد الله خلال الفترة التالية، فقد أكد أن مرونة سعر الصرف تسمح للعملة بالعمل كممتص للصدمات الخارجية، والمفهوم هنا شديد الأهمية بالنسبة لاقتصاد مثل مصر يتأثر بأسعار الطاقة والغذاء وحركة رؤوس الأموال والتوترات الجيوسياسية، فعندما تحدث صدمة خارجية يجب أن يوزع أثرها بين مجموعة من المتغيرات بدل تحميل الاحتياطي وحده تكلفة الدفاع عن سعر محدد للعملة.
لكن تحرير سوق الصرف كان يحتاج إلى شرط أساسي حتى ينجح وهو وجود سيولة حقيقية من النقد الأجنبي، واتخاذ قرار بالمرونة في سوق تعاني نقصًا شديدًا في الدولار كان يمكن أن يؤدي إلى تحركات أكثر عنفًا، ولذلك اكتسبت التدفقات التي سبقت وتزامنت مع القرار أهمية كبيرة، صفقة رأس الحكمة وفرت سيولة دولارية ضخمة، توسع برنامج صندوق النقد الدولي عزز قدرة مصر على الحصول على تمويلات خارجية وفتح الباب أمام موارد من مؤسسات أخرى، ارتفاع أسعار العائد أعاد جزءًا من استثمارات المحافظ الأجنبية إلى أدوات الدين، ومع توحيد السوق بدأت تحويلات المصريين تعود بقوة إلى القنوات الرسمية.
وهنا بدأت واحدة من أهم النتائج تظهر في تحويلات المصريين العاملين بالخارج، فهذه التحويلات لا تمثل مجرد مصدر للنقد الأجنبي بل تتميز بأنها مورد لا ينشئ دينًا على الدولة، وعندما تقل الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية يختفي جانب كبير من الحافز الذي يدفع صاحب الدولار إلى استخدام قنوات غير رسمية، ولذلك كان ارتفاع التحويلات بعد إصلاح سوق الصرف مؤشرًا مهمًا على عودة جزء من الثقة في القنوات المصرفية.
وسجلت التحويلات مستويات تاريخية خلال السنوات التالية، ووصلت خلال الفترة من يوليو 2025 إلى مايو 2026 إلى نحو 43.1 مليار دولار مقابل نحو 32.8 مليار دولار في الفترة المقارنة بمعدل نمو تجاوز 31 %، وهذه القفزة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد لكنها تعكس بوضوح أهمية عودة التدفقات إلى النظام الرسمي بعد تقلص التشوه في التسعير.
كما انعكس تحسن السيولة الأجنبية على قدرة البنوك على تدبير العملة لاحتياجات العملاء، وهذه النقطة أكثر أهمية من مجرد متابعة سعر الدولار يوميًا، نجاح سوق الصرف يقاس بقدرة الشركة التي تحتاج إلى استيراد مادة خام أو آلة على الحصول على العملة من بنكها وفق القواعد، ويقاس بقدرة المستثمر على تحويل أمواله، ويقاس باختفاء قوائم الانتظار وتراكم الطلب، وعندما يستطيع الجهاز المصرفي أداء هذه الوظيفة يصبح السعر الرسمي سعرًا اقتصاديًا حقيقيًا وليس رقمًا معلنًا لا تتوافر العملة عنده.
لكن عودة السيولة لم تكن بلا تحديات، فقد جذبت أسعار العائد المرتفعة تدفقات كبيرة إلى أدوات الدين الحكومية ، وهي تدفقات تساعد على توفير العملة الأجنبية وتدعم سوق الصرف لكنها بطبيعتها أسرع حركة من الاستثمار الأجنبي المباشر، المستثمر في أدوات الدين يستطيع الدخول والخروج في وقت أقصر من المستثمر الذي يبني مصنعًا أو فندقًا أو مركزًا لوجستيًا، ولذلك فإن الاعتماد المفرط على استثمارات المحافظ يحمل مخاطر إذا تغيرت أسعار الفائدة العالمية أو ارتفعت المخاطر الجيوسياسية أو تغيرت شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة.
وهنا يظهر أحد أهم دروس الـ 4 سنوات، الاستقرار المستدام لسوق الصرف لا يصنعه البنك المركزي وحده، يستطيع المركزي أن يوفر سعرًا مرنًا وأن يدير الاحتياطي وأن يضع السياسة النقدية التي تدعم استقرار الأسعار لكنه لا يستطيع بمفرده إنتاج الدولار، فالمورد المستدام يأتي من اقتصاد يصدر أكثر ويجذب استثمارًا مباشرًا أكبر ويزيد عائداته السياحية ويرفع تحويلات أبنائه في الخارج ويطور الخدمات القابلة للتصدير.
ومن هنا يجب التفريق بين إدارة الدولار وصناعة الدولار، الأولى تقع في قلب مسؤولية البنك المركزي، الثانية مسؤولية الاقتصاد كله، فالبنك المركزي يستطيع أن يضمن أن الدولار الذي يدخل البلاد يجد سوقًا رسمية تعمل بكفاءة لكنه لا يستطيع أن يحل محل المصنع الذي يصدر أو الفندق الذي يستقبل السائح أو الشركة التكنولوجية التي تبيع خدماتها للخارج.
كما أن تحسن سوق الصرف لا يلغي التكلفة التي صاحبت التصحيح، انخفاض قيمة الجنيه رفع أسعار العديد من السلع المستوردة وزاد تكلفة المواد الخام وأعاد تسعير الأصول والخدمات، جزء من هذه التكلفة انتقل إلى المستهلك وساهم في التضخم.
وفي المقابل أعاد السعر الأكثر مرونة جزءًا من القدرة التنافسية للصادرات والخدمات المصرية من حيث التكلفة الدولية لكنه لا يكفي وحده لزيادة الصادرات، فالمصدر يحتاج إلى إنتاج وطاقة وتمويل ولوجستيات وأسواق واتفاقيات تجارية، مرة أخرى نجد أن السياسة النقدية تستطيع خلق بيئة أكثر واقعية للتسعير لكنها لا تستطيع بمفردها صنع النمو.
ومن المؤشرات المهمة كذلك تحسن صافي الأصول الأجنبية للجهاز المصرفي بعد فترة من تسجيل عجز كبير، فهذا المؤشر يكشف العلاقة بين ما تمتلكه البنوك والبنك المركزي من أصول بالعملة الأجنبية وما عليها من التزامات، وتحوله من مستويات سالبة إلى أوضاع أفضل كان أحد الأدلة على أن إصلاح سوق الصرف لم يظهر فقط في شاشات أسعار العملات بل انعكس داخل ميزانيات القطاع المصرفي.
وبالتوازي ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية إلى أكثر من 55 مليار دولار بحلول منتصف 2026، غير أن قراءة الرقم تحتاج إلى قدر من الحذر فالاحتياطي يتأثر بالتدفقات وبالالتزامات وبقيمة الذهب والعملات المختلفة لذلك لا ينبغي اعتبار كل زيادة في الاحتياطي دولارًا جديدًا جاء من نشاط اقتصادي.
كما واجهت سوق الصرف اختبارًا مهمًا مع تصاعد التوترات الإقليمية واضطرابات البحر الأحمر وتراجع إيرادات قناة السويس، فهذه التطورات أثبتت أن المرونة ليست قرارًا يتخذ مرة واحدة ثم تنتهي مهمته، هي إطار يجب أن يظل قادرًا على استيعاب صدمات جديدة، فالاقتصاد المصري يعمل في منطقة جغرافية شديدة الحساسية أي اضطراب في التجارة العالمية أو الطاقة أو حركة السياحة يمكن أن يغير معادلة النقد الأجنبي بسرعة.
ومن هنا تصبح الخطوة التالية أصعب من القضاء على السوق الموازية، التحدي هو منع الظروف التي تسمح بعودتها فإذا تراكم طلب كبير على الدولار مرة أخرى بينما ظل السعر الرسمي بعيدًا عن توازن السوق فقد تبدأ الحلقة نفسها من جديد، ولذلك فإن استمرار المرونة وتوفير المعلومات ووجود سيولة كافية وعدم بناء توقعات حول سعر ثابت للجنيه تمثل عناصر أساسية للحفاظ على ما تحقق.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية وهو تغيير ثقافة السوق نفسها لسنوات طويلة اعتاد جزء من المجتمع المصري النظر إلى الدولار باعتباره أصلًا لا يتحرك إلا في اتجاه واحد، وكلما ترسخت هذه الفكرة تحول شراء العملة من وسيلة لتلبية احتياج حقيقي إلى أداة ادخار أو مضاربة، أما السوق المرنة فتحتاج إلى ترسيخ فكرة مختلفة وهي أن العملة يمكن أن ترتفع وتنخفض وأن الاحتفاظ بالدولار ليس رهانًا مضمونًا في كل الظروف، وهذه الثقافة لا تتغير بقرار إداري وإنما تتغير عندما يرى المتعاملون السعر يتحرك بالفعل في الاتجاهين وفق ظروف السوق.
بعد 4 سنوات من تولي حسن عبد الله المسؤولية لم تعد معركة الدولار هي نفسها التي كانت في أغسطس 2022، فتغيرت الأدوات وتغيرت السيولة وتغير إطار التسعير، وعاد جانب كبير من موارد النقد الأجنبي إلى الجهاز المصرفي وارتفعت التحويلات وتحسن الاحتياطي واختفت الفجوات الاستثنائية التي كانت تفصل بين سوقين للعملة لكن النجاح الحقيقي لن يكون في الوصول إلى سعر معين للدولار بل سيكون في بناء سوق لا تحتاج الدولة إلى الدفاع عن رقم داخلها ولا يحتاج المواطن أو الشركة إلى البحث عن العملة خارجها.
الأمان والسيولة ثم العائد.. فلسفة البنك المركزي المصري في إدارة الاحتياطيات
يضع البنك المركزي المصري إطارًا واضحًا ومعلنًا لإدارة الاحتياطيات الدولية يقوم على 3 مبادئ مرتبة هي الأمان ثم السيولة ثم تحسين العائد، ويؤكد المركزي أن إدارة الاحتياطيات تتم وفق إرشادات وتعليمات داخلية صارمة بما يضمن الحفاظ على هذه المبادئ، كما يوضح أن سياسة الاستثمار الخاصة بالاحتياطيات تأخذ في الاعتبار هيكل الدين الخارجي من حيث آجال الاستحقاق والعملات المختلفة، وهذه القاعدة تكشف أن إدارة الاحتياطيات ليست مجرد متابعة لحجمها وإنما عملية مرتبطة بجودة الأصول وقدرتها على تلبية الاحتياجات الخارجية في التوقيت المناسب.
ويكشف البنك المركزي عن وجود إدارة مركزية للتحليل الكمي والمخاطر تتولى وضع إطار لإدارة المخاطر المتعلقة باحتياطيات النقد الأجنبي من خلال تطوير نماذج كمية وسياسات مرتبطة بإدارة المخاطر، وهذه المعلومة مهمة لأنها توضح أن عملية إدارة الاحتياطيات داخل البنك المركزي لا تقوم فقط على قرارات استثمارية وإنما تستند كذلك إلى أدوات تحليل كمي ومتابعة للمخاطر المرتبطة بالمحفظة الاحتياطية.
كما يوضح البنك المركزي أن إدارة مخاطر السوق ترتبط بصورة وثيقة بإدارة الاحتياطي النقدي الأجنبي المسؤولة عن أنشطة التداول، وترتبط كذلك بإدارة المكتب الخلفي التي تتولى إجراءات التسويات والمطالبات وبإدارة الدين الخارجي، ويعكس هذا الترابط أن إدارة الاحتياطيات تمر عبر أكثر من وظيفة متخصصة داخل المؤسسة بحيث تتكامل أنشطة التداول مع إدارة المخاطر والتسويات ومتابعة الالتزامات الخارجية.
ويحدد البنك المركزي مجموعة من المخاطر التي تخضع للمتابعة في هذا الإطار، وتشمل مخاطر أسعار العائد ومخاطر التركز وتخصيص العملات والتعرض للأصول المرتبطة باستثمارات الاحتياطيات الدولية، كما يوضح أن إدارة مخاطر السوق تتابع الالتزام بالحدود الائتمانية والضوابط الاستثمارية ذات الصلة، وبهذا يصبح تقييم المخاطر جزءًا أصيلًا من عملية إدارة الاحتياطي وليس مرحلة منفصلة عنها.
ويستخدم البنك المركزي أدوات كمية لمتابعة هذه المخاطر من بينها Value at Risk أو VaR ومؤشر Duration، ويأتي استخدام هذه الأدوات ضمن إطار التحليل الكمي للمخاطر المرتبطة بالمحفظة الاستثمارية للاحتياطيات، وهذه النقطة تحمل دلالة مهمة بالنسبة لطريقة الإدارة لأنها تؤكد أن القرارات المتعلقة بالأصول الاحتياطية تخضع لقياس كمي للمخاطر وليس فقط للتقديرات العامة للسوق.
وقد قدم حسن عبد الله في فبراير 2026 رؤية أكثر وضوحًا لفلسفة إدارة الاحتياطيات عندما شارك في مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة، وأكد المحافظ أن جودة وتكوين الأصول المكونة للاحتياطيات لا يقلان أهمية عن حجمها، وهذه العبارة تعد من أهم ما يمكن الاستناد إليه في قراءة سياسة المركزي تجاه الاحتياطيات لأنها تنقل التقييم من مجرد متابعة الرقم الإجمالي إلى النظر في طبيعة الأصول التي يتكون منها هذا الرقم.
وأشار حسن عبد الله كذلك إلى أهمية اختبارات الضغط وتحليل السيناريوهات عند تحديد مستوى الاحتياطيات الملائم لطبيعة المخاطر والاحتياجات الخاصة بكل دولة، كما أكد حرص البنك المركزي على أن يصاحب نمو الاحتياطيات تحسين في جودتها وتعزيز لهيكل الأصول والالتزامات مع العمل على مد آجال استحقاق الالتزامات الخارجية، وهذه الرؤية تربط إدارة الاحتياطيات بصورة مباشرة بقدرة الدولة على التعامل مع المخاطر الخارجية وليس فقط بحجم الأصول المتاحة.
وفي السياق نفسه أعلن المحافظ خلال مؤتمر العُلا أن صافي الاحتياطيات الدولية سجل في يناير 2026 مستوى تاريخيًا بلغ 52.6 مليار دولار، وأوضح أن هذا المستوى كان يغطي نحو 6.3 شهر من الواردات السلعية ويعادل نحو 158 % من الديون الخارجية قصيرة الأجل، وهنا تظهر الطريقة التي ينظر بها البنك المركزي إلى كفاية الاحتياطيات، فالحكم على قوتها لا يتوقف عند قيمتها المطلقة وإنما يمتد إلى قدرتها على تغطية الواردات وإلى علاقتها بالالتزامات الخارجية قصيرة الأجل.
وتبرز من تصريحات حسن عبد الله نقطة أخرى ترتبط بتحسين هيكل الأصول والالتزامات، فقد أكد المحافظ أن البنك المركزي يعمل على تمديد آجال استحقاق الالتزامات الخارجية في إطار تحسين جودة الاحتياطيات، وهذه المسألة تعطي بعدًا إضافيًا لإدارة الاحتياطي لأنها تشير إلى أن المركزي لا يتعامل فقط مع الأصول الموجودة لديه وإنما ينظر كذلك إلى توقيتات الالتزامات التي قد تقابلها.
ويؤكد البنك المركزي أن إدارة الاحتياطيات الدولية تأخذ في الاعتبار بالفعل هيكل الدين الخارجي من حيث الآجال والعملات، وبذلك تتكامل هذه السياسة مع ما أعلنه حسن عبد الله لاحقًا بشأن تحسين هيكل الأصول والالتزامات وإطالة آجال الاستحقاق.
ويوضح البنك المركزي أن إدارة المخاطر المرتبطة بالاحتياطي لا تنفصل عن منظومة الحوكمة وإدارة المخاطر داخل المؤسسة، فهناك ارتباط مباشر بين إدارة مخاطر السوق وإدارة الاحتياطي النقدي الأجنبي والمكتب الخلفي وإدارة الدين الخارجي، كما تقوم الإدارة المركزية للتحليل الكمي والمخاطر بتطوير النماذج والسياسات التي تدعم إطار إدارة المخاطر المرتبطة بالاحتياطيات، وهذه البنية المعلنة رسميًا تمنحنا صورة أوضح عن كيفية توزيع المهام المتعلقة بالاحتياطي داخل البنك المركزي المصري.
ومن خلال هذا يمكن قراءة إدارة الاحتياطيات في عهد حسن عبد الله من زاوية مختلفة عن مجرد زيادة الرقم المعلن شهريًا، فالمحافظ نفسه يضع الجودة والتكوين إلى جوار الحجم، والبنك المركزي يضع الأمان والسيولة والعائد كأساس للسياسة، وإدارة المخاطر تتابع أسعار العائد والتركيز والعملات والتعرض للأصول، والتحليل الكمي يشارك في تطوير نماذج إدارة المخاطر، بينما يجري ربط سياسة الاحتياطيات بآجال وعملات الدين الخارجي.
وهكذا يصبح المحور الحقيقي في تقييم إدارة الاحتياطيات ليس سؤالًا واحدًا عن حجمها، فوفقًا لما يعلنه البنك المركزي نفسه فإن الأمر يتعلق بحجم الاحتياطي ونوعية أصوله وتركيبها وقدرته على تغطية الواردات وعلاقته بالديون الخارجية قصيرة الأجل وهيكل الأصول والالتزامات ومستوى المخاطر الذي تتحمله المحفظة، وهذه هي المعايير التي تجعل إدارة الاحتياطيات واحدة من الوظائف الأكثر حساسية داخل البنك المركزي.
حساب مصر مع العالم.. القطاع الخارجي تحت مجهر البنك المركزي
يكشف ميزان المدفوعات الصورة الأكثر شمولًا لعلاقة الاقتصاد المصري بالعالم الخارجي، فهو يجمع المعاملات الاقتصادية التي تتم بين مصر والخارج ويضع أمام صانع السياسة النقدية حركة التجارة والخدمات والتحويلات والاستثمارات والتدفقات المالية في إطار واحد، ولهذا تحتل بيانات القطاع الخارجي مساحة رئيسية في الدراسات والنشرات التي يصدرها البنك المركزي المصري، وخلال السنوات الأخيرة تحركت مكونات هذا الميزان بصورة واسعة تحت تأثير تطورات الاقتصاد العالمي والتوترات الجيوسياسية واضطرابات التجارة الدولية من ناحية والتحولات التي شهدها الاقتصاد المصري من ناحية أخرى.
ويوضح البنك المركزي أن ميزان المدفوعات سجل خلال الربع الأول من عام 2026 عجزًا محدودًا بلغ نحو 0.5 مليار دولار وجاء ذلك في وقت شهدت فيه مكونات الحساب الخارجي تحركات متفاوتة، وأشار تقرير السياسة النقدية للبنك المركزي عن الربع الأول من 2026 إلى استمرار التطورات الإيجابية في بعض بنود ميزان الخدمات مع تحسن النشاط المرتبط بالسياحة وقناة السويس، وهذه المتابعة الفصلية مهمة لأنها تكشف التغيرات التي تحدث داخل القطاع الخارجي قبل ظهور النتائج الكاملة للسنة المالية.
ويأتي الميزان التجاري في مقدمة المكونات التي يتابعها البنك المركزي، فالصادرات والواردات السلعية تمثل جانبًا أساسيًا من المعاملات الجارية لمصر مع العالم، ويصدر المركزي بيانات تفصيلية للتجارة الخارجية تشمل الصادرات وفق التوزيع الجغرافي والمدفوعات عن الواردات السلعية كما يفرق في بيانات ميزان المدفوعات بين المعاملات البترولية وغير البترولية، وهذه البيانات تسمح بمتابعة التغير في هيكل التجارة وليس فقط في القيمة الإجمالية للصادرات أو الواردات.
وتكتسب الصادرات غير البترولية أهمية خاصة داخل هذه القراءة لأنها ترتبط بالقدرة الإنتاجية والتصديرية للقطاعات المختلفة، وفي المقابل تعكس الواردات غير البترولية احتياجات الاقتصاد من السلع ومدخلات الإنتاج وغيرها من المشتريات الخارجية، أما الميزان التجاري البترولي فيتحرك وفق صادرات وواردات البترول والغاز والمنتجات البترولية، ويفصل البنك المركزي بين هذه المكونات في جداول ميزان المدفوعات حتى يمكن تحديد مصدر التحسن أو الضغط داخل الميزان التجاري بدل الاكتفاء بالرقم الإجمالي.
لكن حساب مصر مع الخارج لا يتوقف عند حركة البضائع، فميزان الخدمات يمثل أحد المكونات الرئيسية التي يرصدها البنك المركزي ويضم موارد شديدة الأهمية للاقتصاد المصري وفي مقدمتها السياحة والنقل وإيرادات قناة السويس، وأوضح تقرير السياسة النقدية الصادر عن البنك المركزي في فبراير 2026 أن ميزان الخدمات شهد نموًا بنحو 8 % مدعومًا بارتفاع الإيرادات السياحية وتحسن إيرادات قطاع النقل بما فيها إيرادات قناة السويس.
وتظهر السياحة في بيانات البنك المركزي باعتبارها بندًا رئيسيًا تحت متحصلات السفر، وتتيح جداول القطاع الخارجي متابعة الإيرادات السياحية بصورة منفصلة بما يجعل هذا القطاع أحد الموارد التي يمكن قياس مساهمتها مباشرة في ميزان المدفوعات، ولا يتعامل المركزي مع السياحة في هذه البيانات باعتبارها عددًا للزائرين أو الليالي السياحية وإنما باعتبارها متحصلات بالنقد الأجنبي تدخل ضمن حساب الخدمات.
أما قناة السويس فتظهر في بيانات المركزي داخل متحصلات النقل، وقد تعرض هذا المورد خلال السنوات الأخيرة لضغوط كبيرة نتيجة اضطرابات حركة الملاحة في البحر الأحمر، وتوضح تقارير البنك المركزي حجم الأثر الذي تركته هذه التطورات على إيرادات القناة وعلى ميزان الخدمات، ففي تقرير السياسة النقدية عن الربع الأول من 2025 أشار البنك المركزي إلى انخفاض كبير في إيرادات قناة السويس بلغت نسبته نحو 63 % خلال الفترة التي تناولها التقرير نتيجة التطورات التي أثرت في حركة الملاحة.
وتكشف هذه النقطة أهمية متابعة مكونات القطاع الخارجي كل على حدة، فقد يتحسن بند في الوقت الذي يتعرض فيه بند آخر لصدمة لا ترتبط بالاقتصاد المحلي مباشرة والسياحة وقناة السويس مثال واضح على ذلك، كلاهما يدخل ضمن موارد الخدمات لكن العوامل المؤثرة في كل منهما مختلفة، ولهذا تفصل بيانات البنك المركزي بين بنود الخدمات بدل تقديمها في رقم مجمع فقط.
ويأتي بعد ذلك واحد من أقوى البنود التي شهدت تحولًا خلال الفترة الأخيرة وهو تحويلات المصريين العاملين بالخارج، فقد أعلن البنك المركزي في 9 يوليو 2026 أن التحويلات سجلت خلال 11 شهرًا الأولى من السنة المالية 2025/2026 نحو 43.1 مليار دولار مقابل نحو 32.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها من السنة المالية السابقة وبذلك ارتفعت التحويلات بمعدل 31.2 %.
ولم يكن النمو مقصورًا على الرقم التراكمي، فقد أعلن المركزي أن تحويلات المصريين خلال مايو 2026 وحده بلغت نحو 3.9 مليار دولار مقابل نحو 3.4 مليار دولار في مايو 2025 بزيادة سنوية بلغت 13.5 %. وكان البنك المركزي قد أعلن قبل ذلك وصول التحويلات خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية 2025/2026 إلى نحو 39.2 مليار دولار مقابل نحو 29.4 مليار دولار خلال الفترة المقارنة.
وهذه المستويات تمنح تحويلات المصريين وزنًا كبيرًا داخل الحسابات الخارجية التي يتابعها المركزي، والأهمية هنا ليست في تسجيل رقم قياسي فقط وإنما في حجم المورد نفسه عند مقارنته ببنود أخرى داخل ميزان المدفوعات، ولهذا يخصص البنك المركزي بيانات دورية مستقلة للتحويلات إلى جانب ظهورها داخل الجداول التفصيلية للقطاع الخارجي.
وعلى الجانب الآخر من حساب المعاملات الجارية يظهر دخل الاستثمار، ويسجل البنك المركزي من خلال هذا البند المتحصلات والمدفوعات المرتبطة بدخول الاستثمار وفق منهجية ميزان المدفوعات، ويمثل هذا البند أحد العناصر التي يجب قراءتها عند تحليل الحساب الجاري لأنه يختلف بطبيعته عن التجارة والخدمات والتحويلات رغم اجتماعها جميعًا داخل الحساب الخارجي.
وقد أظهرت السنوات الأخيرة بوضوح تأثير التدفقات الاستثنائية على نتائج الحساب المالي، ففي بيانات الفترة يوليو/ مارس من السنة المالية 2024/2025 سجلت المعاملات الرأسمالية والمالية صافي تدفق للداخل بلغ نحو 7.7 مليار دولار مقارنة بنحو 20 مليار دولار خلال الفترة المناظرة من العام السابق التي شهدت تدفقات استثنائية مرتبطة بصفقة رأس الحكمة، وفي الوقت نفسه تراجع عجز حساب المعاملات الجارية خلال يوليو/ مارس 2024/2025 بنسبة 22.6 % ليبلغ نحو 13.2 مليار دولار مقابل نحو 17.1 مليار دولار في الفترة المناظرة.
ويضع البنك المركزي إلى جانب هذه البيانات ملفًا آخر شديد الأهمية هو الدين الخارجي، ويتابع المركزي رصيد الدين وتوزيعه وآجال استحقاقه والعملات المقوم بها والجهات المدينة ومؤشرات خدمته ضمن تقاريره الخاصة بالوضع الخارجي والنشرات الإحصائية، وبهذا لا تقتصر قراءة القطاع الخارجي على الأموال التي تدخل مصر وإنما تشمل كذلك الالتزامات التي يجب الوفاء بها تجاه الخارج.
والصورة التي تقدمها هذه البيانات أكثر ثراء من النظر إلى بند واحد، هناك تجارة سلعية تتحرك فيها صادرات وواردات بترولية وغير بترولية، وهناك ميزان خدمات تقوده قطاعات من بينها السياحة والنقل وقناة السويس، وهناك تحويلات المصريين العاملين بالخارج التي سجلت مستويات تاريخية، وهناك استثمار أجنبي مباشر واستثمارات محافظ وتدفقات مالية أخرى، وفي الجانب المقابل توجد مدفوعات للخارج والتزامات ودين وخدمة دين، وجميع هذه الحركات تنتهي في النهاية إلى نتيجة ميزان المدفوعات.
معركة التضخم.. 4 سنوات من السياسة النقدية لاستعادة استقرار الأسعار
عندما يتحدث البنك المركزي المصري عن الهدف الأساسي للسياسة النقدية فإنه يضع استقرار الأسعار في قلب مهمته، ويؤكد في الإطار الرسمي للسياسة النقدية أن قرارات أسعار العائد تصمم لتحقيق استقرار الأسعار والحد من التقلبات الاقتصادية، وأن لجنة السياسة النقدية لا تتخذ قراراتها بناء على معدل التضخم القائم فقط وإنما على توقعاته المستقبلية وتوازن المخاطر المحيطة به، ومن هنا يمكن قراءة واحدة من أصعب المعارك التي أدارتها السياسة النقدية خلال سنوات حسن عبد الله، فلم تكن القضية مجرد رفع الفائدة أو خفضها بل كيفية إعادة التضخم إلى مسار يمكن السيطرة عليه بعد سلسلة من الصدمات المحلية والعالمية.
وتكشف أرقام البنك المركزي حجم التحول الذي حدث خلال المرحلة الأخيرة، فوفق بيان لجنة السياسة النقدية الصادر في فبراير 2026 بلغ متوسط التضخم العام خلال عام 2025 نحو 14.1 % مقابل 28.3 % خلال 2024، وفي الوقت نفسه انخفض متوسط التضخم الأساسي إلى 12.1 % خلال 2025 مقابل 27.2 % في 2024 أي أن متوسط التضخم العام انخفض بنحو النصف تقريبًا خلال عام واحد بينما سجل التضخم الأساسي تراجعًا أكبر.
ولا يعتمد البنك المركزي في تقييم التضخم على الرقم العام وحده، فالمركزي يحسب وينشر التضخم الأساسي الذي يستبعد بعض العناصر التي تتسم أسعارها بتقلبات حادة بما يسمح بمتابعة الاتجاهات الأكثر استمرارية داخل حركة الأسعار، ولذلك تظهر بيانات لجنة السياسة النقدية دائمًا تقريبًا الرقمين معًا التضخم العام والتضخم الأساسي.
وفي يناير 2026 سجل المعدل السنوي للتضخم العام 11.9 % مقابل 12.3 % في ديسمبر 2025 بينما انخفض التضخم الأساسي إلى 11.2 % مقابل 11.8 %، وأرجع البنك المركزي هذا التباطؤ بصورة أساسية إلى انخفاض تضخم السلع الغذائية إلى أدنى مستوياته في 4 سنوات بالتوازي مع استمرار انخفاض تضخم السلع غير الغذائية وإن كان بوتيرة أبطأ.
وكانت هذه التطورات وراء قرار لجنة السياسة النقدية في 12 فبراير 2026 خفض أسعار العائد الأساسية بمقدار 100 نقطة أساس، وبعد القرار وصل سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 19 % وسعر الإقراض إلى 20 % وسعر العملية الرئيسية إلى 19.5 %، كما خفض سعر الائتمان والخصم إلى 19.5 %.
لكن القرار حمل خطوة أخرى مهمة إلى جانب خفض الفائدة، فقد قرر مجلس إدارة البنك المركزي في الاجتماع نفسه خفض نسبة الاحتياطي النقدي التي تلتزم البنوك بالاحتفاظ بها لدى المركزي إلى 16 % بانخفاض نقطتين مئويتين، وأوضح البنك المركزي أن الهدف من هذه الخطوة هو الحفاظ على فعالية انتقال أثر قرارات السياسة النقدية إلى أسواق المال والاقتصاد بصفة عامة من خلال ضبط أوضاع السيولة داخل الجهاز المصرفي.
وهذه النقطة مهمة في قراءة إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة الجديدة، فالفائدة ليست الأداة الوحيدة الموجودة لدى البنك المركزي، إدارة السيولة داخل الجهاز المصرفي نفسها جزء من آلية انتقال السياسة النقدية، وقد خصص البنك المركزي بالفعل إطارًا مستقلًا لإدارة السيولة ضمن تقرير السياسة النقدية عن الربع الرابع من 2025، إلى جانب أطر بحثية أخرى تتعلق بالتضخم والتوظيف ونظام التنبؤ وتحليل السياسات.
لكن مسار التضخم لم يتحرك في خط مستقيم، ففي فبراير 2026 ارتفع التضخم العام مجددًا إلى 13.4 % مقابل 11.9% في يناير، كما ارتفع التضخم الأساسي إلى 12.7 % مقابل 11.2 %، وأوضح البنك المركزي أن تطورات فبراير تجاوزت الأنماط الموسمية المعتادة مدفوعة بصورة أساسية بالزيادات السنوية في الرسوم الدراسية والمستلزمات المرتبطة بها إلى جانب ارتفاع تضخم الخضروات والفواكه الطازجة متأثرًا بالأنماط الاستهلاكية الموسمية المرتبطة بشهر رمضان.
وفي الوقت نفسه تغيرت البيئة الخارجية وأشار البنك المركزي في أبريل 2026 إلى أن تصاعد الصراع الإقليمي تسبب في زيادة حالة عدم اليقين وعرقلة التجارة الدولية، كما أدت زيادات أسعار الطاقة والسلع الزراعية واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع علاوات التأمين على الشحن إلى تجدد ضغوط تضخمية عالمية.
أمام هذه التطورات اتخذت لجنة السياسة النقدية قرارًا مختلفًا عن قرار فبراير، ففي 2 أبريل 2026 أوقفت دورة التيسير وأبقت أسعار العائد الأساسية دون تغيير عند 19 % للإيداع و20 % للإقراض و19.5 % للعملية الرئيسية، ووصف البنك المركزي موقف اللجنة بأنه تبني نهج الانتظار والترقب في ظل المخاطر الجديدة المحيطة بالتضخم.
وبذلك تظهر واحدة من أهم سمات إدارة السياسة النقدية كما يقدمها البنك المركزي نفسه، فالقرار لا يتحرك في اتجاه واحد بصورة آلية، عندما سمحت تطورات التضخم وتوقعاته في فبراير جرى خفض الفائدة، وعندما ظهرت مخاطر جديدة بعد ذلك توقفت دورة التيسير، والقاعدة التي يعلنها المركزي هي أن القرارات تعتمد على البيانات والتوقعات وتوازن المخاطر وليس على مسار محدد مسبقًا.
وتعززت هذه السياسة مرة أخرى في مايو ثم يوليو، ففي 9 يوليو 2026 أبقت لجنة السياسة النقدية أسعار العائد دون تغيير للمرة التالية عند المستويات نفسها وأوضحت أن القرار جاء نتيجة تقييم أحدث تطورات التضخم وتوقعاته.
وبحلول يونيو 2026 سجل التضخم العام السنوي 14.3 % بينما سجل التضخم الأساسي المستوى نفسه عند 14.3 %، وعلى المستوى الشهري انخفض التضخم العام بنسبة 0.4 % بينما سجل التضخم الأساسي زيادة شهرية محدودة بلغت 0.3 %، وأشار البنك المركزي إلى أن تطورات التضخم العام والأساسي جاءت أقل من أنماطها المعتادة مع التلاشي التدريجي للصدمات الموسمية السابقة.
والأكثر أهمية أن البنك المركزي لا يكتفي بإعلان ما حدث للتضخم بل ينشر رؤيته لما يمكن أن يحدث مستقبلًا، ففي يوليو 2026 توقع المركزي تسارع معدل التضخم السنوي العام حتى الربع الثالث من العام ولكن بوتيرة أقل مما كانت لجنة السياسة النقدية تتوقعه في اجتماع مايو، وبعد ذلك توقع عودة التضخم إلى مسار نزولي تدريجي وصولًا إلى معدلات أحادية الرقم، ليقترب من مستواه المستهدف خلال النصف الثاني من 2027.
وهنا يظهر عنصر جوهري في طريقة عمل السياسة النقدية وهو التوقعات، فالبنك المركزي يوضح في إطار السياسة النقدية أن تأثير قرارات الفائدة يحتاج إلى وقت حتى ينتقل بصورة كاملة إلى الأسعار، ولذلك تعمل السياسة النقدية بصورة استشرافية أي إن لجنة السياسة النقدية تنظر إلى توقعات الاقتصاد الكلي والتضخم والمخاطر المستقبلية عند اتخاذ القرار وليس إلى بيانات الشهر الأخير وحدها.
وتطور البنك المركزي أدواته في هذا المجال، ففي تقرير السياسة النقدية عن الربع الأول من 2026 خصص 3 أطر بحثية لقضايا مرتبطة مباشرة بصناعة القرار من بينها مسح توقعات التضخم ونظام التنبؤ وتحليل السياسات إلى جانب دراسة تحليلية للصدمات المرتبطة بالصراع الإقليمي ومقارنتها بصدمات عرض سابقة، ويقول البنك المركزي إن إصدار التقرير نفسه يأتي في إطار الالتزام بشفافية السياسة النقدية والتواصل الواضح ضمن نظام استهداف التضخم وبهدف المساعدة في ترسيخ توقعات التضخم.
وهذا يفتح جانبًا آخر في إدارة حسن عبد الله وهو التواصل النقدي، فبيانات لجنة السياسة النقدية لا تعلن قرار الفائدة فقط، البنك المركزي ينشر مع القرار تفسيرًا لأوضاع الاقتصاد العالمي والمحلي والتضخم والنشاط الاقتصادي والتوقعات والمخاطر التي استندت إليها اللجنة، ويعتبر البنك المركزي هذا البيان إحدى الأدوات المهمة لإدارة توقعات التضخم.
كما يربط المركزي بين التضخم والنشاط الاقتصادي، ففي يوليو 2026 أشارت تقديراته الأولية إلى تباطؤ طفيف في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال الربع الثاني بعد أن سجل النمو نحو 5 % في الربع الأول من 2026، وتوقع المركزي أن يبلغ متوسط النمو الحقيقي نحو 5% خلال السنة المالية 2025/2026، وأوضح أن الناتج ما زال دون طاقته القصوى، وهو ما يعني وفق تقييم المركزي استمرار محدودية الضغوط التضخمية القادمة من جانب الطلب في الأجل القصير.
وهذه العلاقة بين التضخم والنمو تضع لجنة السياسة النقدية أمام معادلة دقيقة، فالسياسة النقدية التقييدية تستهدف خفض التضخم وترسيخ توقعاته بينما يراقب البنك المركزي في الوقت نفسه أداء النشاط الاقتصادي وفجوة الناتج، ولذلك يؤكد في بياناته أن مستوى أسعار العائد يتم تحديده بما يتوافق مع تحقيق مستهدف التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار على المدى المتوسط.
ويظهر مفهوم سعر العائد الحقيقي بوضوح في قرارات 2026، ففي أبريل أشار البنك المركزي إلى وجود هامش موجب في سعر العائد الحقيقي يدعم استمرار السياسة النقدية التقييدية، وفي يوليو أوضحت لجنة السياسة النقدية أن الإبقاء على الفائدة دون تغيير يستهدف الحفاظ على هامش موجب مناسب لسعر العائد الحقيقي في المتوسط على أفق التوقعات.
وهذا يعني أن المركزي لا ينظر إلى سعر الفائدة الاسمي منفردًا، فالعلاقة بين الفائدة والتضخم تدخل بصورة مباشرة في تقييم درجة تقييد السياسة النقدية، ولذلك يمكن أن يبقى سعر الفائدة ثابتًا بينما تتغير درجة التشديد الفعلية إذا تغير التضخم وتوقعاته.
وفي يوليو أكد البنك المركزي أنه سيواصل تقييم الأوضاع النقدية استنادًا إلى التطورات الاقتصادية والعوامل المغذية للضغوط التضخمية ومسار التضخم المتوقع والمخاطر المحيطة به، كما أكد استعداده لاتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على استقرار الأسعار وضمان عودة التضخم إلى المستوى المستهدف.
وبذلك تكشف سنوات حسن عبد الله عن مرحلتين مختلفتين في إدارة الفائدة، مرحلة كان فيها التشديد النقدي هو الأداة الرئيسية في مواجهة موجات تضخم استثنائية، ثم مرحلة بدأ فيها البنك المركزي التحرك نحو التيسير عندما سمحت البيانات بذلك، قبل أن يوقف هذا التيسير مجددًا عندما ارتفعت المخاطر.
والنتيجة التي تسجلها بيانات المركزي واضحة، فمتوسط التضخم العام هبط من 28.3 % في 2024 إلى 14.1 % في 2025، ومتوسط التضخم الأساسي انخفض من 27.2 % إلى 12.1 %، وفي 2026 أصبحت لجنة السياسة النقدية تتحرك بين الخفض والتثبيت وفق تطورات البيانات والمخاطر بدل استمرار دورة التشديد التي فرضتها السنوات السابقة.
لكن البنك المركزي نفسه لا يعتبر معركة التضخم منتهية، فأحدث بياناته تشير إلى استمرار المخاطر الصعودية المرتبطة خصوصًا بالتوترات الإقليمية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والأوضاع المالية، وفي الوقت نفسه يتوقع عودة التضخم تدريجيًا إلى مسار نزولي والوصول إلى معدلات أحادية الرقم والاقتراب من المستوى المستهدف خلال النصف الثاني من 2027.
جهاز مصرفي أكثر صلابة.. مؤشرات السلامة المالية تعبر سنوات الصدمات
تكشف بيانات البنك المركزي المصري أن قوة الجهاز المصرفي خلال السنوات الأخيرة لم تعتمد فقط على اتساع حجم البنوك أو نمو أصولها وإنما ارتبطت بدرجة أكبر بقدرتها على الاحتفاظ بمستويات مرتفعة من رأس المال والسيولة وجودة الأصول وربحية التشغيل في الوقت نفسه، وقد أكد البنك المركزي في أحدث بياناته الخاصة بمؤشرات السلامة المالية أن القطاع المصرفي واصل الحفاظ على مؤشرات تتجاوز المتطلبات الرقابية المقررة وهو ما يعكس استمرار قدرة البنوك على مواجهة المخاطر وامتصاص الصدمات.
وبنهاية الربع الرابع من 2025 بلغ معدل كفاية رأس المال 19.6 % مقابل حد رقابي أدنى يبلغ 12.5 %، ويعد هذا المؤشر من أهم المقاييس التي يتابعها البنك المركزي عند تقييم قدرة البنوك على تحمل المخاطر إذ يعكس حجم القاعدة الرأسمالية مقارنة بالأصول المرجحة بالمخاطر، وأوضح المركزي أن النسبة ارتفعت بنحو 0.4 نقطة مئوية مقارنة بالفترة السابقة وهو ما أبقى الجهاز المصرفي عند مستوى أعلى بوضوح من الحد الرقابي المطلوب.
وفي الوقت نفسه واصلت جودة الأصول تحسنها، فقد انخفضت نسبة القروض غير المنتظمة إلى إجمالي القروض إلى 1.9 % بنهاية الربع الرابع من 2025، كما بلغ معدل تغطية المخصصات للقروض غير المنتظمة 90.2 %، وهذان الرقمان يقدمان صورة مباشرة عن جودة المحافظ الائتمانية ومستوى المخصصات التي تحتفظ بها البنوك لمواجهة احتمالات التعثر.
وتظهر المقارنة مع الفترات السابقة مسارًا واضحًا لهذا التحسن، ففي نهاية الربع الثالث من 2024 كانت نسبة القروض غير المنتظمة تبلغ 2.4 % بينما بلغ معدل تغطية المخصصات 87.4 %، وخلال عام تقريبًا تراجعت نسبة التعثر بصورة أكبر وارتفعت تغطية المخصصات، كما كان معدل كفاية رأس المال عند 19.1 % في الربع الثالث من 2024 قبل أن يصل إلى 19.6 % بنهاية 2025.
وتعود المقارنة إلى نقطة أبعد عند النظر إلى نهاية 2022، فقد أظهر تقرير الاستقرار المالي للبنك المركزي أن نسبة القروض غير المنتظمة إلى إجمالي القروض سجلت 3.4 % في نهاية 2022، وبذلك انتقلت النسبة خلال السنوات التالية من 3.4 % إلى 1.9 % وهو ما يعكس استمرار الاتجاه النزولي الذي يسجله المركزي في جودة الأصول.
وعلى مستوى السيولة حافظ القطاع المصرفي على مستويات مرتفعة بالعملتين المحلية والأجنبية، ففي نهاية الربع الرابع من 2025 بلغت نسبة السيولة بالعملة المحلية 40.3 % مقابل حد رقابي أدنى يبلغ 20 %، وبلغت نسبة السيولة بالعملات الأجنبية 79.5 % مقابل حد أدنى يبلغ 25 %، وأوضح البنك المركزي أن هذه المؤشرات ظلت عند مستويات مرتفعة ومستقرة بما يدعم قدرة البنوك على الوفاء بالتزاماتها.
وتظهر المقارنة مرة أخرى تحسنًا واضحًا عن الربع الثالث من 2024 حين كانت السيولة بالعملة المحلية عند 32.1 % والسيولة بالعملات الأجنبية عند 77.7 %، ورغم أن المستويات في تلك الفترة كانت بالفعل أعلى من الحدود الرقابية فإن المؤشرات بنهاية 2025 جاءت أعلى خاصة في السيولة المحلية.
كما ارتفعت نسبة القروض إلى الودائع إلى 66.4 % بنهاية الربع الرابع من 2025 مقابل 61.3 % في الربع الثالث من 2024، ويضع البنك المركزي هذا المؤشر ضمن مجموعة مؤشرات السلامة المالية التي يتابعها لقياس العلاقة بين حجم الائتمان وقاعدة الودائع داخل الجهاز المصرفي.
ولم تقتصر الصورة على رأس المال والسيولة وجودة الأصول، فقد أشار البنك المركزي كذلك إلى استمرار مستويات قوية للربحية، وبلغ العائد على حقوق الملكية 39 % بنهاية السنة المالية 2024، كما أوضح تقرير الاستقرار المالي أن العائد على متوسط الأصول بلغ 2.6 % في السنة المالية نفسها، ويأتي ذلك مقارنة بعائد على حقوق الملكية بلغ 32.2 % في السنة المالية 2023 وفق بيانات البنك المركزي المنشورة في يناير 2025.
ويربط البنك المركزي هذه المؤشرات بالقدرة على دعم الاقتصاد الوطني، ففي بيانه الصادر في مارس 2026 أكد أن المرونة المالية للقطاع المصرفي تعزز قدرة البنوك على مساندة الاقتصاد وأن الإطار الرقابي للمركزي يتابع أداء جميع البنوك والتزامها بالممارسات الدولية الخاصة بتحقيق الاستقرار المالي.
وتظهر هذه العلاقة بصورة أوسع في تقرير الاستقرار المالي الصادر عن البنك المركزي في نوفمبر 2025، فقد أوضح التقرير أن القطاع المصرفي استطاع تحمل وامتصاص الصدمات المختلفة واحتواء تداعياتها بما ساهم في الحفاظ على ثقة العملاء، كما أشار إلى استمرار نمو الودائع مع الاعتماد بدرجة كبيرة على ودائع القطاع العائلي باعتبارها مصدرًا مستقرًا للتمويل.
وسجلت الودائع معدل نمو بلغ 25.3 % في مارس 2025 وفق تقرير الاستقرار المالي، وفي الوقت نفسه ارتفعت أصول القطاع المصرفي بمعدل 45.8 % لتستحوذ على 93.5 % من إجمالي أصول النظام المالي وتصل قيمتها إلى ما يعادل 125.4 % من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي في السنة المالية 2024، وهذه الأرقام توضح الحجم الذي أصبح يمثله الجهاز المصرفي داخل النظام المالي المصري.
كما يوضح التقرير أن إجمالي أصول القطاع المصرفي بلغ 22.7 تريليون جنيه في مارس 2025. ويكتسب هذا الرقم أهمية عند مقارنته بالتطور الذي شهدته الميزانيات خلال السنوات السابقة، ففي التقرير السنوي للبنك المركزي عن 2023/2024 ذكر المركزي أن المركز المالي الإجمالي للبنوك بخلاف البنك المركزي ارتفع بنسبة 40.1 % خلال السنة المالية 2023/2024 ليصل إلى 19.336 تريليون جنيه.
ولا ينظر البنك المركزي إلى حجم الأصول وحده باعتباره دليلًا على القوة، فتقرير الاستقرار المالي يربط هذا التوسع بمجموعة المؤشرات الاحترازية التي ظلت أعلى من المتطلبات الرقابية ومعايير لجنة بازل، ففي مارس 2025 بلغ معدل كفاية رأس المال 18.3 % بينما بلغت السيولة بالعملة المحلية 37.1 % والسيولة بالعملات الأجنبية 73.7 %، وهو ما أكد المركزي أنه يعكس استمرار مستويات مرتفعة من الملاءة والسيولة.
ويقدم تقرير الاستقرار المالي كذلك قراءة للمخاطر النظامية التي يمكن أن تنتقل من قطاعات أخرى إلى الجهاز المصرفي، فقد أشار البنك المركزي إلى تراجع احتمالات تراكم بعض المخاطر المرتبطة بالاختلالات المالية مع استمرار جهود ضبط الأوضاع المالية وتنويع مصادر التموي، كما أشار إلى انخفاض حصة الأوراق المالية الحكومية في إجمالي أصول القطاع المصرفي بالتزامن مع ارتفاع مشاركة المستثمرين الأجانب في سوق أذون الخزانة المحلية إلى 44.7 % في مارس 2025.
وهنا يظهر أن الاستقرار المالي بالنسبة إلى البنك المركزي لا يقتصر على فحص كل بنك بصورة منفردة، فالمركزي يتابع كذلك المخاطر التي يمكن أن تنتقل إلى الجهاز من الاقتصاد الكلي والأسواق والمالية العامة والتدفقات الخارجية، ولهذا يوضح إطار المتابعة الاحترازية الكلية أن قطاع السياسة الاحترازية الكلية يقوم برصد وتحليل مجموعة من المؤشرات الكمية لمتابعة التطورات المالية والاقتصادية المحلية والعالمية.
ويكتسب هذا النهج أهمية أكبر عندما يكون الجهاز المصرفي هو المكون الأكبر في النظام المالي، فاستحواذ البنوك على 93.5 % من إجمالي أصول النظام المالي في مارس 2025 يعني أن سلامة هذا القطاع ترتبط بصورة مباشرة بسلامة النظام المالي ككل، ولهذا يشدد البنك المركزي في تقاريره على متابعة المخاطر النظامية وقياس قدرة القطاع على تحمل الصدمات المختلفة.
وتكشف الأرقام أيضًا أن نمو الائتمان لم يؤد إلى ارتفاع مواز في التعثر، فمع توسع ميزانيات البنوك وزيادة القروض استمرت نسبة القروض غير المنتظمة في الانخفاض، وهذه النتيجة تظهر بوضوح عند مقارنة 3.4 % في نهاية 2022 مع 2.4 % في الربع الثالث من 2024 ثم 1.9 % في نهاية 2025.
وفي المقابل ظلت تغطية المخصصات مرتفعة، فقد بلغت 91.6 % في السنة المالية 2022/2023 وفق التقرير السنوي للبنك المركزي ثم سجلت 87.4 % في الربع الثالث من 2024 قبل أن تصل إلى 90.2 % في نهاية 2025، وتوضح هذه السلسلة أن المؤشر ظل عند مستويات مرتفعة رغم تغيره من فترة إلى أخرى.
كما أظهرت بيانات البنك المركزي أن القاعدة الرأسمالية ظلت أعلى من الحدود الرقابية طوال هذه الفترات، ففي مارس 2025 بلغ معدل كفاية رأس المال 18.3 % ثم ارتفع إلى 19.6 % بنهاية 2025. وفي الحالتين ظل أعلى بفارق واضح عن الحد الأدنى الذي يحدده المركزي عند 12.5 %.
ويظهر جانب آخر من المتانة في السيولة الأجنبية، فالمعدل البالغ 79.5 % بنهاية 2025 جاء عند أكثر من 3 أمثال الحد الرقابي الأدنى البالغ 25 %، كما جاءت السيولة المحلية عند أكثر من ضعف حدها الأدنى وهذه المقارنات لا تضيف معيارًا خارجيًا للنص وإنما هي المقارنات التي يوردها البنك المركزي نفسه عند الإعلان عن مؤشرات السلامة المالية.
ويؤكد البنك المركزي أن القطاع المصرفي يعمل وفق إطار رقابي يهدف إلى ضمان الالتزام بالممارسات الدولية وتحقيق الاستقرار المالي، كما يوضح تقرير الاستقرار المالي أن السياسات الاحترازية أسهمت في دعم الأداء السليم للبنوك والحفاظ على مستويات ملاءة وسيولة تتجاوز المتطلبات الرقابية للبنك المركزي ولجنة بازل.
ومن هنا يمكن قراءة سنوات حسن عبدالله من زاوية لا تتعلق بقرار فردي أو مؤشر واحد، فخلال فترة شهدت صدمات متتالية ظل القطاع المصرفي يسجل توسعًا في الأصول والودائع مع استمرار كفاية رأس المال عند مستويات مرتفعة وتراجع نسبة القروض غير المنتظمة والحفاظ على سيولة أعلى من الحدود الرقابية، وهي الصورة التي وصفها البنك المركزي نفسه في مارس 2026 بأنها تعكس مرونة القطاع المصرفي وقدرته على دعم الاقتصاد.
من الحساب المصرفي إلى التمكين الاقتصادي.. الشمول المالي يصل إلى 77.6 %
يضع البنك المركزي المصري الشمول المالي على رأس أولوياته بهدف إتاحة الخدمات المالية لمختلف فئات المجتمع من خلال القنوات الرسمية بجودة وتكلفة مناسبة مع حماية حقوق المستفيدين وتمكينهم من إدارة أموالهم بصورة سليمة، وخلال السنوات الأخيرة انتقل هذا الملف من مجرد زيادة عدد الحسابات إلى استراتيجية متكاملة تستهدف استخدام الخدمات المالية والوصول إلى الفئات التي كانت أقل تعاملًا مع القطاع الرسمي، وفي مقدمتها المرأة والشباب وذوو الهمم وأصحاب الحرف ورواد الأعمال والمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة.
وتظهر أحدث مؤشرات البنك المركزي حجم التحول الذي تحقق، فقد ارتفع معدل الشمول المالي في مصر إلى 77.6 % بنهاية 2025، ووصل عدد المواطنين الذين يمتلكون حسابات نشطة تمكنهم من إجراء معاملات مالية إلى 54.7 مليون مواطن من إجمالي 70.5 مليون مواطن في الفئة العمرية 15 عامًا فأكثر، وتشمل هذه الحسابات الحسابات المصرفية وحسابات البريد المصري ومحافظ الهاتف المحمول والبطاقات المدفوعة مقدمًا.
وتكتسب هذه الأرقام أهميتها عند العودة إلى نقطة البداية التي يقيس البنك المركزي على أساسها تطور الشمول المالي، فقد سجل معدل نمو الشمول المالي 219 % خلال الفترة من 2016 إلى 2025، وأكد المركزي أن استراتيجية الشمول المالي الأولى للفترة 2022 ـ 2025 حققت أهدافها وأسهمت في وصول المعدل إلى مستواه الحالي.
وكانت النسبة قد بلغت 70.7 % بنهاية 2023 ثم ارتفعت إلى 74.8 % بنهاية 2024 قبل أن تصل إلى 77.6 % بنهاية 2025، وارتفع عدد المواطنين الذين يمتلكون ويستخدمون حسابات نشطة من نحو 52 مليون مواطن في 2024 إلى 54.7 مليون في 2025، ويؤكد البنك المركزي أن احتساب معدل الشمول المالي لا يقتصر على مجرد امتلاك الحساب وإنما يشمل المواطنين الذين يستخدمون حساباتهم بالفعل في إجراء معاملاتهم المالية.
ومن أبرز التحولات التي تسجلها بيانات المركزي ما تحقق في الشمول المالي للمرأة، فقد ارتفع معدل الشمول المالي بين السيدات من 19.1 % في 2016 إلى 71.4 % بنهاية 2025، وبلغ معدل النمو خلال هذه الفترة 316 %، وهي قفزة كبيرة تعكس المساحة التي خصصها البنك المركزي للمرأة داخل استراتيجية الشمول المالي وبرامجه المختلفة.
وكان عدد السيدات اللاتي يستخدمن حسابات مالية قد وصل في نهاية 2024 إلى 23.3 مليون سيدة من إجمالي 33.9 مليون سيدة في الفئة العمرية المستهدفة، وسجل معدل الشمول المالي للمرأة في ذلك الوقت 68.8 % قبل أن يرتفع إلى 71.4 % في العام التالي.
ولم يعتمد البنك المركزي في هذا الملف على فتح الحسابات فقط، فقد أطلق منذ 2019 فعالية الشمول المالي للمرأة التي تبدأ سنويًا في الثامن من مارس بالتزامن مع اليوم العالمي للمرأة وتستمر حتى نهاية الشهر، وأعلن المركزي أن الفعالية أتاحت حتى مارس 2024 نحو 1.4 مليون منتج مالي للسيدات، وتضمنت فتح 664 ألف حساب مصرفي ونحو 196 ألف محفظة إلكترونية وإصدار 530 ألف بطاقة مدفوعة مقدمًا.
كما أصدر البنك المركزي تعليمات لتيسير إجراءات فتح الحسابات للأفراد وأصحاب الأنشطة الاقتصادية باستخدام بطاقة الرقم القومي، وأسفرت تعليمات الشمول المالي خلال الفترة من 2022 إلى 2024 عن فتح نحو مليون حساب شمول مالي للأفراد إلى جانب نحو 400 ألف حساب نشاط اقتصادي، وأوضح المركزي أن هذه الإجراءات ساعدت المواطنين وأصحاب الأنشطة على إجراء معاملاتهم المالية داخل القطاع الرسمي.
وامتدت الإجراءات إلى تخفيض السن الذي يسمح عنده للشباب بفتح الحسابات المصرفية من 16 عامًا إلى 15 عامًا بما يتوافق مع تعديل سن إصدار بطاقة الرقم القومي، ورغم اتساع قاعدة المواطنين الذين أصبح من حقهم فتح الحسابات استمر معدل الشمول المالي في الارتفاع.
الشباب.. أكثر من نصف الفئة العمرية داخل المنظومة
تظهر مؤشرات البنك المركزي تحولًا مهمًا أيضًا في تعامل الشباب مع الخدمات المالية، فقد ارتفع معدل الشمول المالي للفئة العمرية من 15 إلى 35 عامًا من 36.3 % في 2020 إلى 56.8 % بنهاية 2025، وبلغ معدل النمو في الشمول المالي للشباب خلال هذه الفترة 79 %.
وكان المعدل قد وصل إلى 53.1 % بنهاية 2024 مقابل 56.8 % بعد عام واحد، وبذلك استمر إدخال شرائح جديدة من الشباب إلى المنظومة المالية الرسمية بالتوازي مع توسيع نطاق الخدمات التي يمكن استخدامها من خلال الحسابات والمحافظ والبطاقات.
ويضع البنك المركزي التثقيف المالي للشباب ضمن أدواته في هذا المجال، وفي 2026 أكد استمرار الاهتمام ببناء الوعي المالي منذ المراحل العمرية المبكرة من خلال مبادرات من بينها مشروع «بنك المدرسة» الذي يستهدف تعريف الطلاب بأساسيات الادخار وإدارة الأموال وريادة الأعمال بما يساعد على تنمية مهاراتهم المالية.
«تحويشة».. التكنولوجيا تصل إلى المرأة في الريف
ومن المشروعات التي أبرزها البنك المركزي في ملف تمكين المرأة مشروع مجموعات الادخار والإقراض الرقمية «تحويشة» الذي يرعاه المركزي ويستهدف السيدات في القرى والريف المصري وتشجيعهن على الادخار والحصول على التمويل لإنشاء مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر.
وبنهاية ديسمبر 2024 وصل عدد السيدات المشاركات في التطبيق الإلكتروني للمشروع إلى نحو 246.4 ألف سيدة، كما استفادت نحو 209 آلاف سيدة داخل مجموعات الادخار ونحو 102.5 ألف سيدة من خارج المجموعات من حملات التوعية والثقافة المالية المرتبطة بالمشروع.
وتكشف هذه التجربة جانبًا آخر من استراتيجية البنك المركزي، فالوصول إلى المواطن لا يعني بالضرورة انتظار وصوله إلى الفرع المصرفي، يمكن أن تصل الخدمة إليه من خلال التكنولوجيا أو من خلال نموذج مالي يناسب طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه.
البنك يخرج من الفرع إلى المواطن
وفي سبتمبر 2025 اتخذ البنك المركزي خطوة جديدة لتوسيع الانتشار الجغرافي للخدمات المصرفية عندما أصدر تعليمات تسمح للبنوك بإنشاء وحدات لتقديم الخدمات المصرفية خارج نطاق الفروع التقليدية، وحدد المركزي ثلاثة أنواع لهذه الوحدات، وحدات متنقلة مثل الأتوبيسات والسيارات المجهزة، وحدات ثابتة في صورة منافذ مصرفية صغيرة منخفضة التكلفة يمكن إنشاؤها داخل مراكز الشباب أو الجمعيات الزراعية أو المنافذ التجارية، ووحدات مؤقتة تستخدم في أنشطة التثقيف المالي والترويج للخدمات وبعض الخدمات المصرفية الأخرى.
ولا تقتصر الخدمات التي يمكن لهذه الوحدات تقديمها على التعريف بالبنوك، فقد سمح المركزي لها باستقبال طلبات فتح الحسابات وتحديث بيانات العملاء ومنح القروض وإصدار وتسليم البطاقات وإجراء التحويلات وتقديم الخدمات المالية الرقمية، كما تشمل خدمات السحب والإيداع من خلال ماكينات الصراف الآلي والاستشارات المالية والتثقيف المالي واستقبال الشكاوى.
ويستهدف هذا النموذج بصورة خاصة المناطق التي لا توجد بها فروع مصرفية، كما يستهدف المواطنين والمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال، وأكد البنك المركزي أن هذه الخطوة تأتي في إطار توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المالية في مختلف المحافظات وتشجيع الأنشطة الموجودة خارج الاقتصاد الرسمي على الانتقال إلى القطاع الرسمي.
المشروعات الصغيرة.. الشمول المالي يصل إلى النشاط الاقتصادي
ويتسع مفهوم الشمول المالي لدى البنك المركزي ليشمل المشروعات إلى جانب الأفراد، ووفق بيانات المركزي بلغ معدل نمو محافظ البنوك التمويلية الموجهة إلى المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة 381 % خلال الفترة من 2016 إلى 2024، ثم أشار البنك المركزي في ديسمبر 2025 إلى وصول معدل النمو إلى نحو 395 % مقارنة بعام 2016.
كما تظهر مبادرة رواد النيل جانبًا آخر من دعم هذه المشروعات لا يعتمد على التمويل وحده، فقد أعلن البنك المركزي في فبراير 2026 أن مراكز خدمات تطوير الأعمال العاملة تحت مظلة المبادرة قدمت أكثر من 1.16 مليون خدمة غير مالية واستشارية لنحو 502 ألف مستفيد من الشباب ورواد الأعمال والشركات الناشئة والمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وكان من بين المستفيدين 210 آلاف سيدة.
ووصل عدد مراكز خدمات تطوير الأعمال إلى 132 مركزًا موزعة على 25 محافظة، كما ساعدت هذه المراكز في إتاحة تمويلات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 19 مليار جنيه لأكثر من 14 ألف مشروع بمشاركة 18 بنكًا، وتشمل الخدمات مساعدة أصحاب المشروعات في اختيار الأفكار القابلة للتنفيذ وإعداد دراسات الجدوى والتثقيف المالي والتدريب على إدارة الأعمال وإعداد الملفات الائتمانية.
من استراتيجية 2022 ـ 2025 إلى استراتيجية 2026 ـ 2030
ومع انتهاء الاستراتيجية الأولى أعلن البنك المركزي في فبراير 2026 بدء إعداد الاستراتيجية الثانية للشمول المالي 2026 ـ 2030، ويتم إعدادها بالتنسيق مع عدد كبير من الوزارات والهيئات المعنية، كما تعتمد على نتائج مسح جديد للطلب على الخدمات المالية بهدف تحديد مستويات استخدام الخدمات والعوائق والفجوات التي ما زالت تحول دون وصول بعض الشرائح إليها.
وحدد البنك المركزي مجموعة من الأولويات للاستراتيجية الجديدة، تشمل زيادة استخدام المنتجات والخدمات المالية من خلال الحلول الرقمية والابتكار، وتشمل دعم التحول إلى الاقتصاد الأخضر من خلال أدوات التمويل المستدام، كما تشمل رفع الوعي والثقافة المالية وحماية حقوق العملاء وتعزيز الثقة في القطاع المالي ودعم نمو واستدامة المشروعات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتطوير البنية التحتية المالية والتكنولوجية.
وهنا يظهر التطور في فلسفة الشمول المالي نفسها، فالمرحلة الأولى وسعت قاعدة الوصول إلى الخدمات، أما الاستراتيجية الجديدة التي يعدها البنك المركزي فتضع استخدام الخدمات ضمن أولوياتها، أي أن امتلاك الحساب ليس نهاية المهمة، فالمطلوب أن يصبح الحساب أداة يستخدمها المواطن في الادخار والدفع والحصول على الخدمات المالية بصورة فعلية، وهذا الاتجاه وارد بوضوح ضمن أولويات الاستراتيجية الثانية التي أعلنها المركزي.
كما يواصل البنك المركزي تنظيم ست فعاليات للشمول المالي على مدار العام في محافظات الجمهورية، وخلال هذه الفعاليات يسمح للبنوك بالتواجد خارج الفروع وفتح الحسابات دون مصروفات فتح ودون اشتراط حد أدنى للرصيد مع تشجيع استخدام المحافظ الإلكترونية وتنفيذ أنشطة التوعية والتثقيف المالي، ويضع المركزي الشباب والمرأة والمزارعين وذوي الهمم ضمن الشرائح ذات الأولوية في هذه الفعاليات.
وبذلك فإن حصيلة الشمول المالي في سنوات حسن عبد الله لا تختصر في رقم واحد، فالبنك المركزي سجل 77.6 % معدلًا للشمول المالي، و54.7 مليون مواطن يمتلكون حسابات نشطة، و71.4 % معدلًا للشمول المالي للمرأة، و56.8 % بين الشباب، ومليون حساب شمول مالي للأفراد ونحو 400 ألف حساب نشاط اقتصادي خلال الفترة من 2022 إلى 2024، و132 مركزًا لخدمات تطوير الأعمال في 25 محافظة قدمت أكثر من 1.16 مليون خدمة وساعدت في إتاحة 19 مليار جنيه تمويلات لأكثر من 14 ألف مشروع.
والمرحلة التالية بدأت بالفعل، فقد انتقل البنك المركزي من استراتيجية 2022 ـ 2025 إلى إعداد استراتيجية 2026 ـ 2030 وهي مرحلة يضع فيها إلى جانب الوصول إلى الخدمات زيادة استخدامها والابتكار الرقمي والثقافة المالية وحماية العملاء ودعم المشروعات وتطوير البنية المالية والتكنولوجية.
وبالأرقام التي أعلنها البنك المركزي نفسه، انتقل الشمول المالي في مصر من مرحلة توسيع قاعدة الحسابات إلى مرحلة تستهدف تعميق استخدام الخدمات المالية، وبعد وصول 54.7 مليون مواطن إلى حسابات نشطة بنهاية 2025 أصبح التحدي الذي ترسمه استراتيجية 2026 ـ 2030 هو جعل هذه الخدمات أكثر استخدامًا وانتشارًا وقدرة على الوصول إلى مختلف فئات المجتمع.
من البنك التقليدي إلى البنك الرقمي.. «المركزي» يبني بنية تكنولوجية تحمي السرعة والثقة
لم يعد التحول الرقمي في الجهاز المصرفي المصري مجرد إضافة خدمات إلكترونية إلى نموذج العمل التقليدي، فقد أصبح جزءًا من استراتيجية أوسع يتبناها البنك المركزي لتطوير البنية التحتية للمدفوعات وتوسيع الخدمات الرقمية وتشجيع الابتكار المالي وفي الوقت نفسه رفع مستوى الحماية ضد المخاطر السيبرانية والاحتيال، وتظهر بيانات البنك المركزي أن هذا التحول سار في اتجاهين متوازيين، الأول يتعلق بتسريع انتقال الأموال وتوسيع استخدام القنوات الإلكترونية، والثاني يتعلق ببناء إطار رقابي وتقني قادر على حماية هذه المنظومة مع اتساع حجمها وتعقيدها.
وتأتي شبكة المدفوعات اللحظية IPN في قلب البنية الرقمية الجديدة، ويوضح البنك المركزي أن الشبكة القومية للمدفوعات اللحظية تربط البنوك العاملة في مصر وتتيح إجراء التحويلات بصورة لحظية وعلى مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وكانت الشبكة قد أطلقت في مارس 2022 قبل تولي حسن عبد الله المسؤولية، لكن السنوات التالية شهدت توسعًا ضخمًا في استخدامها من خلال تطبيق InstaPay والخدمات المرتبطة بها، ومن هنا فإن ما يحسب لفترة حسن عبد الله ليس إطلاق الشبكة نفسها وإنما التوسع الكبير في استخدامها وتطوير الخدمات التي تعمل من خلالها.
وتكشف أرقام البنك المركزي حجم هذا التوسع، ففي عام 2024 وحده نفذت شبكة المدفوعات اللحظية ما يقرب من 1.5 مليار معاملة بقيمة اقتربت من 2.9 تريليون جنيه، كما بلغ عدد المستخدمين المسجلين على تطبيق InstaPay نحو 12.5 مليون مستخدم بنهاية العام، وهي أرقام تعكس انتقال المدفوعات اللحظية من خدمة جديدة إلى قناة رئيسية ضمن منظومة المدفوعات الرقمية في مصر.
وكان البنك المركزي قد قرر في ديسمبر 2024 مد إعفاء الأفراد من رسوم وعمولات التحويل عبر شبكة المدفوعات اللحظية وتطبيق InstaPay لفترة جديدة، وربط المركزي هذا القرار باستمرار جهوده لتعزيز استراتيجية التحول الرقمي وتشجيع المواطنين على استخدام الخدمات المالية الرقمية، ويظهر هنا أن السياسة لم تقتصر على بناء البنية التكنولوجية وإنما امتدت إلى تشجيع الاستخدام الفعلي لها.
كما توسعت الشبكة في الخدمات المرتبطة بتحويل الأموال من الخارج، ففي ديسمبر 2024 أعلن البنك المركزي إتاحة استقبال التحويلات الواردة من الخارج بصورة لحظية إلى الحسابات المصرفية للعملاء، وأوضح أن خدمات الشبكة تمثل بديلًا فعالًا للمدفوعات النقدية وتتيح التحويلات على مدار الساعة لجميع عملاء البنوك المشاركين.
ولم يتوقف التطوير عند التحويلات اللحظية، فقد أعلن البنك المركزي عن المنصة الوطنية لترميز البطاقات التي أتاحت تفعيل خدمات الدفع اللاتلامسية من خلال الهواتف الذكية، ووفق بيان رسمي صادر في نوفمبر 2025 جاء إطلاق Apple Pay في ديسمبر 2024 ضمن الخدمات التي أصبحت ممكنة من خلال هذه المنصة، ويضع البنك المركزي هذه التطورات ضمن مسار تحديث البنية الأساسية للمدفوعات وتعزيز استخدام الأدوات الرقمية.
كما تحرك البنك المركزي باتجاه نموذج أكثر تطورًا في تقديم الخدمات المصرفية عندما أصدر في يوليو 2023 قواعد ترخيص وتسجيل البنوك الرقمية والرقابة والإشراف عليها، وأوضح المركزي أن القواعد جاءت استكمالًا لجهود الدولة في دعم الابتكار والتحول إلى الاقتصاد الرقمي وأنها تمثل خطوة لمواكبة التطورات العالمية في صناعة التكنولوجيا المالية وتلبية احتياجات العملاء في السوق المصرية.
وتفتح البنوك الرقمية مساحة مختلفة عن مجرد تحويل خدمة تقليدية إلى تطبيق إلكتروني، فالقواعد التي أصدرها المركزي أنشأت إطارًا تنظيميًا لمؤسسات مصرفية تعتمد في نموذجها بصورة أساسية على التكنولوجيا، ولذلك أصبح التحول الرقمي جزءًا من هيكل الصناعة المصرفية نفسها وليس مجرد قناة إضافية داخل البنك التقليدي.
ويظهر التطور نفسه في مشروع التعرف على هوية العملاء إلكترونيًا eKYC فقد أكد البنك المركزي في نوفمبر 2025 أنه قطع شوطًا كبيرًا في تنفيذ المشروع، ويستهدف النظام تمكين العملاء من إتمام إجراءات التعرف على الهوية بصورة إلكترونية بما يدعم تقديم الخدمات المالية عن بعد ويخفض الحاجة إلى الاعتماد الكامل على الحضور الفعلي للعميل داخل الفرع.
ويمتد الابتكار إلى البيئة الرقابية الخاصة بالتكنولوجيا المالية، فقد أنشأ البنك المركزي البيئة الرقابية التجريبية Regulatory Sandbox لتجربة الحلول والخدمات المالية المبتكرة في إطار رقابي قبل طرحها بصورة أوسع، وتشمل المجالات التي تناولتها البيئة التجريبية حلول التعرف الإلكتروني على العملاء وعمليات الانضمام الرقمي لمحافظ الهاتف المحمول وغيرها من نماذج التكنولوجيا المالية.
لكن توسع الخدمات الرقمية رفع في الوقت نفسه مستوى المخاطر التي يجب على البنك المركزي والجهاز المصرفي التعامل معها، وهنا يظهر الوجه الثاني لاستراتيجية التكنولوجيا، فقد أعلن البنك المركزي نجاحه في إصدار وتعميم أول إطار للأمن السيبراني المالي في مصر Financial Cybersecurity Framework بهدف تعزيز جاهزية واستمرارية القطاع المالي والمصرفي في مواجهة المخاطر السيبرانية.
وتطور هذا الإطار خلال السنوات التالية، ففي يوليو 2026 أعلن البنك المركزي أثناء استضافة وفود من بنك غانا المركزي أن العمل جار على إعداد النسخة الثانية المطورة من الإطار المصري للأمن السيبراني المالي EG-FinCSF ويؤكد ذلك أن الأمن السيبراني لا يتعامل معه المركزي باعتباره مجموعة قواعد ثابتة وإنما إطارًا يحتاج إلى التطوير مع تطور طبيعة التهديدات والتكنولوجيا المستخدمة داخل القطاع.
كما أنشأ البنك المركزي إطارًا للتعامل مع الحوادث السيبرانية على مستوى القطاع المالي، وفي يناير 2024 أعلن حصول فريق الاستجابة لطوارئ الحاسب الآلي للقطاع المالي EG-FinCIRT على عضوية منظمة OIC-CERT، ووصف المركزي الفريق بأنه أول فريق قطاعي متخصص للأمن السيبراني في مصر بهدف دعم منظومة متكاملة لتعزيز الأمن السيبراني في القطاعين المالي والمصرفي.
ولم تعد الحماية الرقمية مقتصرة على منع الاختراق التقني المباشر، فالبنك المركزي يفرد مساحة للتوعية بمخاطر التصيد الإلكتروني والاحتيال الرقمي ويشير إلى أن القطاع المالي يعد من القطاعات المستهدفة بعمليات الاحتيال والهندسة الاجتماعية نتيجة استغلال ضعف وعي بعض المستخدمين، ولذلك يضع المركزي التدريب والتوعية ضمن منظومة الأمن السيبراني إلى جانب الحلول التقنية.
وفي 2026 انتقل ملف مكافحة الاحتيال إلى مستوى تنظيمي أكثر وضوحًا، فقد أصدر البنك المركزي في 2 أبريل 2026 كتابًا دوريًا بشأن إنشاء إدارة متخصصة لإدارة ومكافحة الاحتيال بالبنوك، كما أصبح دليل التعليمات الرقابية يتضمن بابًا مستقلًا لمكافحة الاحتيال يتناول إنشاء هذه الإدارة المتخصصة داخل البنوك.
وتحدث حسن عبد الله نفسه في يناير 2026 عن العلاقة بين التكنولوجيا والمخاطر خلال افتتاح القمة العربية الثانية لمكافحة الاحتيال، وأكد أن التقنيات الحديثة بما فيها الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي توفر فرصًا كبيرة لتطوير الخدمات المالية وتحسين كفاءتها، وفي الوقت نفسه أشار إلى ما يصاحب هذه التطورات من تحديات ومخاطر تتطلب تعزيز آليات مكافحة الاحتيال وحماية المعاملات المالية.
وهنا دخل الذكاء الاصطناعي بصورة مباشرة إلى استراتيجية تطوير الكفاءات المصرفية، ففي يناير 2026 شهد حسن عبد الله توقيع مذكرة تفاهم لإطلاق أول دبلومة متخصصة في الذكاء الاصطناعي للقطاع المصرفي، وأوضح البنك المركزي أن الخطوة تأتي في إطار رؤية تستهدف تعزيز القدرات التكنولوجية والابتكارية للعاملين بالقطاع المصرفي بما يتواكب مع التطورات العالمية المتسارعة.
وكان البنك المركزي قد بدأ قبل ذلك في بناء معرفة مؤسسية أوسع حول استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي، ففي أغسطس 2023 استضاف برنامجًا تدريبيًا حول تحليل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وأثرهما على البنوك المركزية بمشاركة ممثلين من دول الكوميسا، ويأتي ذلك ضمن اهتمام المركزي بتطبيقات البيانات والذكاء الاصطناعي داخل العمل المصرفي والرقابي.
وفي ديسمبر 2025، نظم البنك المركزي بالتعاون مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية فعاليات تتعلق بتطبيق الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي، وتناول البرنامج الدور الذي يمكن أن تلعبه أدوات الذكاء الاصطناعي في تطوير القطاع وتحسين الأداء والابتكار.
كما تكشف بيانات تقرير الاستقرار المالي عن استمرار توسع استخدام الخدمات الرقمية على مستوى العملاء، فقد سجلت حسابات محافظ الهاتف المحمول نموًا سنويًا بلغ 26 % في مارس 2025، وأرجع تقرير البنك المركزي ذلك إلى كفاءة وسلامة الحلول الرقمية، ويضع التقرير هذا التطور إلى جانب نمو الشمول المالي باعتباره أحد عناصر التحول الذي يشهده النظام المالي المصري.
وتتيح محافظ الهاتف المحمول وفق البنك المركزي خدمات متعددة تشمل السحب والإيداع والتحويل بين المحافظ واستقبال الأموال من الخارج وإصدار بطاقات افتراضية للاستخدام في المشتريات الإلكترونية وربط الحساب أو البطاقة بالمحفظة، وهو ما يوسع دور الهاتف المحمول من وسيلة اتصال إلى قناة متكاملة للحصول على الخدمات المالية.
وتتكامل هذه الخدمات مع البنية الأوسع لنظم الدفع التي يدير البنك المركزي ويشرف عليها، ويخصص المركزي قسمًا مستقلًا لنظم وخدمات الدفع يتناول البنية القومية التي تعمل من خلالها المعاملات المالية، كما تستمر عملية تحديث هذه النظم وفق التطورات التقنية والمعايير الدولية.
وفي يونيو 2026 دخل التطوير مرحلة جديدة عندما أعلن البنك المركزي أن البنوك العاملة في مصر بدأت تطبيق المعيار الدولي ISO 20022 للتحويلات المالية، ويأتي تطبيق هذا المعيار ضمن تحديث البنية التحتية لنظم المدفوعات وتوحيد شكل الرسائل المالية بما يتوافق مع المعايير الدولية الحديثة.
وبذلك يظهر أن التحول الرقمي في عهد حسن عبد الله لا يقوم على مشروع واحد، هناك شبكة المدفوعات اللحظية التي توسع استخدامها إلى مليارات العمليات، وهناك البنوك الرقمية، وهناك التعرف الإلكتروني على العملاء، وهناك المنصة الوطنية لترميز البطاقات والدفع عبر الهواتف، وهناك محافظ الهاتف المحمول، وفي الخلفية يوجد إطار للأمن السيبراني وفريق متخصص للاستجابة للحوادث وإدارات لمكافحة الاحتيال وبرامج للذكاء الاصطناعي وتطوير الكفاءات.
والأرقام التي ينشرها البنك المركزي توضح حجم التحول 1.5 مليار معاملة بقيمة 2.9 تريليون جنيه على شبكة المدفوعات اللحظية خلال 2024، ونحو 12.5 مليون مستخدم لـInstaPay بنهاية العام نفسه، ونمو 26 % في حسابات محافظ الهاتف المحمول حتى مارس 2025، وقواعد مستقلة للبنوك الرقمية ومشروع eKYC وإطار مصري للأمن السيبراني المالي يجري تطوير نسخته الثانية، وإدارة متخصصة لمكافحة الاحتيال داخل البنوك.
وهذه المنظومة تفسر كيف ينظر البنك المركزي إلى التكنولوجيا، فهي ليست مجرد وسيلة لجعل الخدمة أسرع، وهي ليست أيضًا ملف أمن منفصلًا عن التطوير، المساران يتحركان معًا داخل البيانات والقرارات الرسمية للمركزي، توسيع الخدمات الرقمية من ناحية وبناء قواعد الحماية والرقابة ومكافحة الاحتيال من ناحية أخرى.
10.7 تريليون جنيه ترسم خريطة الائتمان.. القطاع الخاص يقترب من 3 تريليونات والأسر من 1.5 تريليون
كشف البنك المركزي المصري عن اتساع غير مسبوق في حجم التمويل الذي يضخه الجهاز المصرفي إلى الاقتصاد خلال فترة حسن عبد الله، فقد ارتفعت أرصدة التسهيلات الائتمانية الممنوحة من البنوك إلى 10.692 تريليون جنيه بنهاية فبراير 2026 مقابل 10.377 تريليون جنيه في ديسمبر 2025 لتضيف البنوك نحو 314.8 مليار جنيه خلال شهرين فقط بمعدل نمو 3 %، ولا تقف أهمية الرقم عند حجمه وإنما في خريطة توزيعه بين الحكومة وقطاع الأعمال الخاص وقطاع الأعمال العام والقطاع العائلي ثم في اتجاه هذه الأموال إلى الصناعة والخدمات والتجارة والزراعة.
واستحوذت الحكومة على 53.7 % من إجمالي التسهيلات الائتمانية بعدما وصل رصيد التمويل الموجه إليها إلى نحو 5.744 تريليون جنيه بنهاية فبراير 2026 مقابل 5.506 تريليون جنيه في ديسمبر 2025، وبذلك أضافت البنوك نحو 237.8 مليار جنيه إلى التمويل الحكومي خلال أول شهرين من العام بمعدل نمو يقارب 4.3 %، وتوزع الرصيد بين 3.479 تريليون جنيه بالعملة المحلية وما يعادل 2.264 تريليون جنيه بالعملات الأجنبية.
وفي المقابل بلغ إجمالي التسهيلات الائتمانية الموجهة إلى القطاعات غير الحكومية 4.949 تريليون جنيه بنهاية فبراير 2026 مقابل 4.872 تريليون جنيه في ديسمبر 2025 بزيادة تقترب من 77 مليار جنيه خلال شهرين، وهنا تظهر بوضوح الأوزان الحقيقية للقطاع الخاص والأسر داخل محفظة التمويل المصرفي.
القطاع الخاص يقترب من 3 تريليونات جنيه
حصل قطاع الأعمال الخاص على 59.4 % من إجمالي التسهيلات الائتمانية غير الحكومية بنهاية فبراير 2026، وبحساب هذه النسبة على الرصيد غير الحكومي البالغ 4.949 تريليون جنيه يصل حجم التسهيلات الموجهة إلى شركات القطاع الخاص إلى نحو 2.94 تريليون جنيه أي أن القطاع الخاص وحده أصبح يستحوذ على ما يقرب من 27.5 % من إجمالي التسهيلات الائتمانية للجهاز المصرفي البالغة 10.692 تريليون جنيه.
والرقم يحمل دلالة أكبر عند مقارنته بنهاية 2025، فقد كان قطاع الأعمال الخاص يستحوذ على 59.9 % من التسهيلات غير الحكومية في ديسمبر 2025، ومع بلوغ هذه التسهيلات نحو 4.872 تريليون جنيه، كان رصيد القطاع يدور حول 2.92 تريليون جنيه، وبذلك ظل القطاع الخاص قريبًا من مستوى الـ 3 تريليونات جنيه مع بداية 2026 وحافظ على النصيب الأكبر من التمويل الموجه إلى القطاعات غير الحكومية.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية لأنها تأتي بالتوازي مع تحسن النمو الحقيقي للائتمان الخاص الذي يتابعه البنك المركزي ضمن تقارير السياسة النقدية، وبالتالي لم تعد قراءة تمويل الشركات خلال فترة حسن عبد الله قائمة فقط على ارتفاع القيمة الاسمية للقروض وإنما امتدت إلى قياس قدرة الائتمان على النمو بعد استبعاد أثر ارتفاع الأسعار.
1.48 تريليون جنيه للقطاع العائلي
أما القطاع العائلي فقد أصبح يمثل كتلة تمويلية تقترب من تريليون ونصف التريليون جنيه، فقد ارتفعت التسهيلات الائتمانية الموجهة للأسر والأفراد إلى نحو 1.48 تريليون جنيه بنهاية فبراير 2026 مقابل نحو 1.44 تريليون جنيه في ديسمبر 2025 بمعدل نمو بلغ 2.78 % خلال شهرين.
وتكشف تركيبة هذه المحفظة عن اعتماد شبه كامل على الجنيه المصري، فقد بلغ رصيد التسهيلات الائتمانية للقطاع العائلي بالعملة المحلية نحو 1.45 تريليون جنيه بينما سجل التمويل بالعملات الأجنبية ما يعادل 26.68 مليار جنيه فقط، وبذلك استحوذ القطاع العائلي على نحو 29.9 % من إجمالي التسهيلات غير الحكومية وعلى ما يقرب من 13.8 % من إجمالي الائتمان المصرفي.
والأهم أن نمو تمويل الأسر لم يكن وليد الشهور الأخيرة، فقد بلغ رصيد التسهيلات الموجهة إلى القطاع العائلي 940.2 مليار جنيه بنهاية 2023 ثم ارتفع إلى 1.153 تريليون جنيه بنهاية 2024 بزيادة 213.3 مليار جنيه ونمو 22.7 % خلال عام واحد، ثم وصل إلى 1.439 تريليون جنيه بنهاية 2025 قبل أن يقترب من 1.48 تريليون جنيه في فبراير 2026.
وبذلك أضاف القطاع العائلي نحو 540 مليار جنيه إلى رصيده بين نهاية 2023 وفبراير 2026 بما يعادل نموًا يقارب 57 % خلال هذه الفترة، وهذه الزيادة تكشف حجم التوسع الذي شهده التمويل الموجه للأفراد والأسر داخل سنوات حسن عبد الله.
5.7 تريليون للحكومة و4.9 تريليون للقطاعات غير الحكومية
وتقدم هذه الأرقام صورة أكثر وضوحًا لخريطة الائتمان، فمن إجمالي 10.692 تريليون جنيه في فبراير 2026 حصلت الحكومة على نحو 5.744 تريليون جنيه، بينما حصلت القطاعات غير الحكومية مجتمعة على نحو 4.949 تريليون جنيه، وداخل الكتلة غير الحكومية استحوذ قطاع الأعمال الخاص على 59.4 % فيما استحوذ القطاع العائلي على 29.9 %.
الصناعة في الصدارة بـ32.5 % من التمويل غير الحكومي
وفقًا لأحدث توزيع للبنك المركزي حسب النشاط الاقتصادي، حصل قطاع الصناعة على 32.5 % من إجمالي التسهيلات الائتمانية غير الحكومية بنهاية فبراير 2026، وبالقياس إلى إجمالي قدره 4.949 تريليون جنيه يعادل ذلك نحو 1.61 تريليون جنيه من التمويلات المرتبطة بالنشاط الصناعي.
وتأتي الخدمات في المرتبة التالية بحصة بلغت 28.1 % بما يعادل نحو 1.39 تريليون جنيه ثم استحوذت التجارة على 7.8 % بما يعادل قرابة 386 مليار جنيه وحصلت الزراعة على 1.5 % بما يوازي نحو 74 مليار جنيه، أما القطاعات غير الموزعة فاستحوذت على 30.1 %، وكان القطاع العائلي يمثل الغالبية الساحقة منها بحصة 29.9 %.
وهنا تظهر بوضوح قوة النشاطين الصناعي والخدمي داخل التمويل المصرفي غير الحكومي، فالصناعة والخدمات معًا استحوذتا على 60.6 % من إجمالي التسهيلات غير الحكومية أي ما يعادل نحو 3 تريليونات جنيه وفق رصيد فبراير 2026.
واللافت أن ترتيب القطاعات حافظ على قدر كبير من الاستقرار مع تغير الأوزان ففي ديسمبر 2025 كانت الصناعة تستحوذ على 33.1 % من التسهيلات غير الحكومية والخدمات على 27.6 % والتجارة على 8.1 % والزراعة على 1.5 %، وفي فبراير 2026 أصبحت النسب 32.5 % للصناعة و28.1 % للخدمات و7.8 % للتجارة و1.5 % للزراعة.
وبذلك لا يصبح الرقم الأهم في سنوات حسن عبد الله هو وصول الائتمان إلى 10.7 تريليون جنيه فقط، الأهم هو ما يكشفه هذا الرقم من اتساع قدرة الجهاز المصرفي على التمويل حيث تم منح 5.744 تريليون جنيه للحكومة ونحو 2.94 تريليون جنيه لقطاع الأعمال الخاص ونحو 1.48 تريليون جنيه للقطاع العائلي وعلى مستوى النشاط الاقتصادي نحو 1.61 تريليون جنيه للصناعة و1.39 تريليون جنيه للخدمات ونحو 386 مليار جنيه للتجارة ونحو 74 مليار جنيه للزراعة وفق تحويل النسب التي نشرها المركزي إلى قيم تقريبية.
وهذه الأرقام ترسم بصورة أكثر دقة حركة الأموال داخل الجهاز المصرفي خلال فترة حسن عبد الله، فالائتمان لم يتسع في حجمه فقط بل أصبح موزعًا على قاعدة واسعة من المقترضين والأنشطة، وبينما استحوذت الحكومة على أكثر من نصف المحفظة الإجمالية اقترب تمويل القطاع الخاص من 3 تريليونات جنيه واقترب تمويل الأسر من تريليون ونصف التريليون، وفي خريطة النشاط تصدرت الصناعة التمويل غير الحكومي وتلتها الخدمات ثم التجارة والزراعة.
وبذلك أصبحت الـ10.692 تريليون جنيه التي سجلها الائتمان المصرفي في فبراير 2026 أكثر من مجرد رقم قياسي، إنها خريطة للأموال التي تحركت بين الدولة والشركات والأسر وقطاعات الإنتاج والخدمات وتعكس حجم الدور التمويلي الذي وصل إليه الجهاز المصرفي خلال الـ 4 سنوات التي قاد فيها حسن عبدالله البنك المركزي المصري.
47.3 مليار دولار تحويلات المصريين بالخارج.. طفرة قياسية في عهد حسن عبد الله
احتل المصريون العاملون بالخارج موقعًا مهمًا في استراتيجية البنك المركزي خلال سنوات حسن عبد الله، باعتبار تحويلاتهم أحد أهم روافد النقد الأجنبي وشريحة رئيسية من عملاء الجهاز المصرفي، وتحرك المركزي على مسارين متوازيين استعادة التدفقات إلى القنوات الرسمية وتطوير الخدمات المصرفية والرقمية المرتبطة بتحويل الأموال من الخارج.
وتكشف أرقام البنك المركزي حجم التحول، فقد ارتفعت تحويلات المصريين بالخارج من 21.9 مليار دولار في 2023/2024 إلى 36.5 مليار دولار في 2024/2025 بنمو 66.2 % ثم واصلت طفرتها لتسجل رقمًا قياسيًا بلغ 47.3 مليار دولار خلال 2025/2026 بزيادة 29.6 %، وبذلك أضافت التحويلات 25.4 مليار دولار خلال عامين فقط، لتتجاوز ضعف مستواها المسجل في 2023/2024.
وجاء التحول بالتزامن مع إجراءات مارس 2024 التي أسهمت في استعادة تدفقات النقد الأجنبي إلى القنوات الرسمية، واستمر الزخم حتى نهاية الفترة، ففي يونيو 2026 وحده سجلت التحويلات نحو 4.2 مليار دولار مقابل 3.6 مليار دولار في يونيو 2025، بزيادة 15.6 %، كما ارتفع المتوسط الشهري للتحويلات من نحو 1.8 مليار دولار في 2023/2024 إلى قرابة 4 مليارات دولار في 2025/2026.
وبالتوازي مع استعادة التدفقات عمل البنك المركزي على تطوير الخدمات المقدمة لهذه الشريحة، وفي ديسمبر 2024 أتاح استقبال التحويلات الواردة من الخارج بصورة لحظية وإضافتها إلى الحسابات المصرفية للعملاء في مصر عبر شبكة المدفوعات اللحظية بما سرّع وصول الأموال وربط التحويلات الخارجية بالبنية الرقمية للجهاز المصرفي.
وبذلك لم يتعامل المركزي مع المصريين بالخارج باعتبارهم مصدرًا للعملة الأجنبية فقط، وإنما كشريحة مصرفية رئيسية تحتاج إلى قنوات أسرع وخدمات أكثر تطورًا، وكانت الحصيلة واضحة من تحويلات قفزت من 21.9 مليار دولار إلى مستوى تاريخي بلغ 47.3 مليار دولار خلال عامين بزيادة 25.4 مليار دولار ونمو تجاوز 116 % لتصبح واحدة من أبرز طفرات موارد النقد الأجنبي خلال سنوات حسن عبد الله.
«المركزي» يوسع مظلة التمويل.. الصناعة والزراعة والمشروعات الصغيرة في قلب دعم النشاط الاقتصادي
لم يقتصر دور البنك المركزي خلال فترة حسن عبد الله على إدارة التضخم وسوق الصرف بل امتد إلى توجيه الجهاز المصرفي نحو تمويل النشاط الاقتصادي مع الحفاظ على قواعد منح الائتمان وإدارة المخاطر، وتظهر خريطة المركزي أن منظومة التمويل تشمل قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات والمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة إلى جانب التمويل العقاري ضمن أطر ومبادرات وقواعد تنظيمية يتابعها البنك المركزي، كما يتيح السجل المركزي للائتمان متابعة التمويلات على مستوى العميل والبنك والنشاط الاقتصادي بما يدعم القرارات الائتمانية ويراقب تركزات المخاطر.
وتكشف أحدث أرقام فبراير 2026 حجم الأموال التي وصلت بالفعل إلى النشاط الاقتصادي، فمن إجمالي تسهيلات ائتمانية غير حكومية بلغت نحو 4.949 تريليون جنيه، استحوذت الصناعة على 32.5 % بما يعادل نحو 1.61 تريليون جنيه بينما حصلت الخدمات على 28.1 % بما يقارب 1.39 تريليون جنيه، وبلغ نصيب التجارة نحو 386 مليار جنيه بحصة 7.8 % مقابل نحو 74 مليار جنيه للزراعة بحصة 1.5 %، وهي أرقام تعكس اتساع دور البنوك في تمويل قطاعات الإنتاج والنشاط الاقتصادي إلى جانب تمويل الأفراد والشركات.
ويحتل تمويل المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة مساحة أساسية في هذه السياسة مع استمرار البنك المركزي في تنظيم ومتابعة التمويلات الموجهة إليها وربطها بالشمول المالي وتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المصرفية، كما يدعم السجل المركزي للائتمان هذه المنظومة من خلال توفير بيانات تفصيلية عن مديونيات العملاء وتسهيلاتهم وتصنيف أنشطتهم الاقتصادية بما يساعد البنوك عند منح تمويل جديد أو زيادة وتجديد التسهيلات القائمة.
ويمتد الدور إلى التمويل العقاري الذي يحتفظ بإطار تنظيمي مستقل داخل قواعد البنك المركزي إلى جانب أنواع أخرى من التمويل للأفراد تشمل القروض الشخصية وقروض السيارات وبطاقات الائتمان والقروض العقارية، وتوضح قواعد المركزي بصورة محددة طبيعة هذه التسهيلات وتصنيفها داخل محافظ البنوك.
وتبرز الصناعة بصورة خاصة في أحدث خريطة للائتمان، إذ تجاوز التمويل الموجه إليها 1.6 تريليون جنيه في فبراير 2026 لتحتل المركز الأول بين الأنشطة الاقتصادية في التسهيلات غير الحكومية تليها الخدمات بنحو 1.39 تريليون جنيه، وبذلك استحوذ النشاطان معًا على 60.6 % من الائتمان غير الحكومي بما يقارب 3 تريليونات جنيه.
وتكتمل هذه السياسة مع منظومة رقابية تسمح للبنك المركزي بمتابعة التمويل على مستوى القطاعات والعملاء، فالسجل المركزي للائتمان لا يرصد أرصدة المديونية فقط وإنما يتضمن النشاط الاقتصادي وفق التصنيف الدولي والحدود الائتمانية والأرصدة القائمة والتصنيف الائتماني وبيانات الشركات بما يساعد على متابعة حركة التمويل وتركزاته داخل الاقتصاد.
77.6 % شمولًا ماليًا في 2025.. «المركزي» يوسع قاعدة المتعاملين ويضع الأسرة المصرية في قلب الجهاز المصرفي
دخل البنك المركزي المصري 2026 بقاعدة أوسع من المواطنين داخل القطاع المالي الرسمي، فوفق أحدث مؤشرات الشمول المالي المتاحة بنهاية 2025 بلغ عدد المواطنين البالغين الذين يمتلكون ويستخدمون حسابات نشطة في البنوك والبريد المصري ومحافظ الهاتف المحمول والبطاقات مسبقة الدفع نحو 54.7 مليون مواطن من إجمالي 70.5 مليون مواطن بالغ لترتفع نسبة الشمول المالي إلى 77.6 % مقابل 64.8 % في 2022 بزيادة 12.8 نقطة مئوية خلال فترة حسن عبد الله.
وامتد التحسن إلى الشرائح الأكثر أهمية في المجتمع، فقد ارتفع معدل الشمول المالي للمرأة إلى 71.4 % بنهاية 2025 بينما وصل بين الشباب في الفئة العمرية من 16 إلى 35 عامًا إلى 56.8 %، وتعكس هذه المؤشرات اتساع قاعدة استخدام الحسابات والمحافظ والبطاقات والخدمات المالية الرسمية بدلًا من قصر التعامل المصرفي على الشرائح التقليدية.
وجاء التوسع بالتوازي مع انتشار الخدمات خارج الفروع التقليدية، فقد دعم البنك المركزي استخدام محافظ الهاتف المحمول والبطاقات مسبقة الدفع والخدمات الرقمية ونقاط تقديم الخدمات المالية إلى جانب برامج التثقيف المالي وفعاليات الشمول المالي التي تسمح للبنوك بالوصول إلى شرائح جديدة وفق الضوابط التي يحددها المركزي.
كما واصل البنك المركزي دعم أصحاب المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر ورواد الأعمال من خلال مراكز خدمات تطوير الأعمال ضمن مبادرة «رواد النيل»، ووصل عدد المراكز إلى 132 مركزًا في 25 محافظة، وقدمت أكثر من مليون خدمة لنحو نصف مليون مستفيد بما وسع الوصول إلى الخدمات غير المالية المرتبطة بإنشاء المشروعات وتطويرها والحصول على التمويل.
ولا تنفصل هذه السياسة عن الأسرة المصرية، فالتوسع في الشمول المالي تزامن مع وصول التسهيلات الائتمانية الموجهة إلى القطاع العائلي إلى نحو 1.48 تريليون جنيه في فبراير 2026 مقابل 940.2 مليار جنيه بنهاية 2023 بزيادة تقارب 540 مليار جنيه ونمو نحو 57 %، وبلغ التمويل بالعملة المحلية وحدها نحو 1.45 تريليون جنيه بما يعكس الوزن المتزايد للأفراد والأسر داخل محافظ البنوك.
وتجمع هذه الأرقام بين جانبي السياسة التي اتبعها البنك المركزي خلال سنوات حسن عبد الله. فمن ناحية اتسعت قاعدة المواطنين داخل النظام المالي الرسمي إلى 54.7 مليون مواطن ووصل الشمول المالي إلى 77.6 %، ومن ناحية أخرى اقترب التمويل المصرفي للقطاع العائلي من 1.5 تريليون جنيه في 2026 بالتوازي مع توسع الحسابات والمحافظ والبطاقات والقنوات الرقمية.
وبذلك دخل الجهاز المصرفي 2026 بقاعدة عملاء أوسع وتمويل أكبر للأسر: 77.6 % شمولًا ماليًا، و71.4 % للمرأة، و56.8 % للشباب، و1.48 تريليون جنيه تسهيلات ائتمانية للقطاع العائلي، أرقام تعكس اتساع وصول الخدمات المصرفية إلى شرائح أكبر من المجتمع خلال فترة حسن عبد الله.
2.9 تريليون جنيه معاملات لحظية.. «المركزي» يبني بنية رقمية حديثة ويحصّن أموال العملاء ضد الاحتيال
تحرك البنك المركزي المصري خلال سنوات حسن عبد الله على مسارين متوازيين لبناء جهاز مصرفي يواكب التطور التكنولوجي ويحافظ في الوقت نفسه على أموال العملاء وسلامة معاملاتهم، فمع التوسع في التحول الرقمي والمدفوعات اللحظية والخدمات المصرفية عبر الهاتف، عزز المركزي البنية التكنولوجية والرقابية والأمن السيبراني ووضع مكافحة الاحتيال ورفع وعي العملاء ضمن أولويات حماية المنظومة المصرفية.
وتكشف الأرقام حجم التحول الرقمي، فقد وصل عدد مستخدمي «إنستاباي» إلى نحو 12.5 مليون مستخدم، فيما نفذت شبكة المدفوعات اللحظية نحو 1.5 مليار معاملة بقيمة تقترب من 2.9 تريليون جنيه، وهي كتلة ضخمة من الأموال تتحرك إلكترونيًا وتفرض بالتوازي تطوير مستويات الحماية والرقابة وتأمين البيانات والمعاملات.
وامتدت البنية الرقمية إلى التحويلات القادمة من الخارج، إذ أتاح البنك المركزي في ديسمبر 2024 استقبال التحويلات الواردة من الخارج بصورة لحظية وإضافتها إلى حسابات العملاء في مصر عبر شبكة المدفوعات اللحظية، كما وضع قواعد ترخيص وتسجيل البنوك الرقمية والرقابة والإشراف عليها بما يفتح المجال أمام تقديم خدمات مصرفية أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا وأقل ارتباطًا بالفروع التقليدية.
وفي الجانب الآخر من المعادلة، عزز البنك المركزي اهتمامه بحماية أموال المودعين والعملاء من مخاطر الاحتيال المالي والإلكتروني، ولم يكتفِ بتحصين الأنظمة المصرفية بل اتجه إلى بناء وعي مستمر لدى العملاء باعتبارهم أحد خطوط الدفاع الأساسية أمام محاولات سرقة البيانات والأموال.
وأطلق المركزي حملة توعوية موحدة لمكافحة مخاطر الاحتيال على مستوى القطاع المصرفي المصري تحت شعار «معًا نكافح الاحتيال» وبمشاركة كافة البنوك العاملة في مصر، واستمرت رسائل التوعية والتحذير من صور الاحتيال المختلفة، فيما شاركت البنوك في نشر الرسائل والحملات الموجهة لعملائها بما وسع نطاق التوعية على مستوى الجهاز المصرفي.
وركزت الحملة على أكثر أساليب الاحتيال انتشارًا، وفي مقدمتها المكالمات التي ينتحل أصحابها صفة موظفي البنوك أو الجهات المالية للحصول على البيانات البنكية والشخصية إلى جانب الرسائل الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني والروابط المجهولة، وشدد المركزي بصورة متكررة على الحفاظ على سرية البيانات وعدم الإفصاح عنها وعدم الضغط على أي رابط مجهول يصل عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني أو غيرهما من القنوات.
وبذلك أصبحت مكافحة الاحتيال جزءًا ملازمًا للتحول الرقمي وليس تحركًا منفصلًا عنه، فكلما اتسعت قاعدة المستخدمين وزادت قيمة المعاملات الإلكترونية، توسعت في المقابل الحاجة إلى حماية العميل وبياناته وأمواله، ومن هنا جمع البنك المركزي بين التكنولوجيا والأمن السيبراني والرقابة والتوعية المستدامة في منظومة واحدة.
وتكتسب هذه الحماية وزنًا أكبر مع وصول معدل الشمول المالي إلى 77.6 % بنهاية 2025 ووجود نحو 54.7 مليون مواطن بالغ داخل المنظومة المالية الرسمية، فالمسألة لم تعد حماية عدد محدود من مستخدمي الخدمات الإلكترونية وإنما تأمين قاعدة واسعة من المواطنين أصبحت الحسابات والبطاقات والمحافظ والمدفوعات الرقمية جزءًا من معاملاتها اليومية.
وهكذا دخل الجهاز المصرفي 2026 ببنية رقمية أكثر اتساعًا وحماية أكثر تشددًا 12.5 مليون مستخدم لإنستاباي، ونحو 1.5 مليار معاملة لحظية بقيمة 2.9 تريليون جنيه، وفي المقابل حملة مصرفية موحدة ومستدامة لمكافحة الاحتيال وحماية بيانات العملاء وأموالهم، معادلة وضع فيها البنك المركزي التطور التكنولوجي وأمن المودع على المسار نفسه خلال سنوات حسن عبد الله.
1.48 تريليون جنيه تمويلًا للقطاع العائلي.. «المركزي» يوسع المساندة المصرفية للأسر ومحدودي ومتوسطي الدخل
وسع البنك المركزي المصري خلال سنوات حسن عبد الله قاعدة الخدمات المصرفية الموجهة للأسر والأفراد بالتوازي مع ارتفاع معدلات الشمول المالي وانتشار الحسابات والبطاقات والمحافظ الإلكترونية، وتظهر أحدث بيانات فبراير 2026 أن التسهيلات الائتمانية الموجهة إلى القطاع العائلي بلغت نحو 1.48 تريليون جنيه مقابل 1.44 تريليون جنيه بنهاية 2025 لتستحوذ الأسر على نحو 29.9 % من إجمالي الائتمان الموجه للقطاعات غير الحكومية.
وتكشف المقارنة مع السنوات السابقة حجم التوسع، فقد بلغ رصيد التسهيلات الائتمانية للقطاع العائلي نحو 940.2 مليار جنيه بنهاية 2023 ثم ارتفع إلى 1.153 تريليون جنيه بنهاية 2024 قبل أن يصل إلى 1.439 تريليون جنيه بنهاية 2025 ونحو 1.48 تريليون جنيه في فبراير 2026، وبذلك أضافت محافظ تمويل الأسر والأفراد نحو 540 مليار جنيه منذ نهاية 2023 بنمو يقارب 57 %.
ويعتمد تمويل القطاع العائلي بصورة أساسية على الجنيه المصري، فقد بلغت التسهيلات بالعملة المحلية نحو 1.45 تريليون جنيه في فبراير 2026 بينما سجلت التسهيلات بالعملات الأجنبية ما يعادل نحو 26.7 مليار جنيه، ويعكس هذا الهيكل طبيعة التمويلات المرتبطة باحتياجات الأفراد داخل السوق المحلية.
ولم تقتصر مساندة الأسرة على الائتمان، فقد اتسعت قاعدة المواطنين الذين يستخدمون الخدمات المالية الرسمية إلى 54.7 مليون مواطن بالغ بنهاية 2025، ليرتفع معدل الشمول المالي إلى 77.6 % مقابل 64.8 % في 2022، كما وصل المعدل بين السيدات إلى 71.4 % وبين الشباب إلى 56.8 % بما وسع وصول شرائح أكبر إلى الحسابات والبطاقات والمحافظ والخدمات المالية.
وامتد الاهتمام إلى أصحاب الأنشطة والمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر من خلال توسيع الوصول إلى التمويل والخدمات المصرفية وغير المالية، كما واصلت مراكز خدمات تطوير الأعمال ضمن مبادرة «رواد النيل» انتشارها لتصل إلى 132 مركزًا في 25 محافظة، وقدمت أكثر من مليون خدمة لنحو نصف مليون مستفيد من رواد الأعمال وأصحاب المشروعات.
وتكامل ذلك مع التحول الرقمي الذي سهّل على الأسر إدارة الأموال وإجراء التحويلات والمدفوعات دون الاعتماد الكامل على الفروع، وهو ما جعل الشمول المالي والتمويل والرقمنة أجزاء مترابطة في توسيع قاعدة المستفيدين من الجهاز المصرفي.
وتقدم أرقام 2026 خلاصة واضحة لهذا المسار 1.48 تريليون جنيه تمويلًا للقطاع العائلي منها 1.45 تريليون جنيه بالعملة المحلية، ونمو يقارب 57 % منذ نهاية 2023 بالتوازي مع وصول 54.7 مليون مواطن إلى المنظومة المالية الرسمية، وهي مؤشرات تعكس اتساع حضور الأسرة المصرية داخل الجهاز المصرفي خلال سنوات حسن عبد الله سواء كمقترض أو مدخر أو مستخدم للخدمات المالية والمصرفية.
19.6 % كفاية رأس المال و1.9 % قروضًا غير منتظمة.. جهاز مصرفي أكثر صلابة وربحية في عهد حسن عبد الله
دخل الجهاز المصرفي المصري 2026 بمؤشرات سلامة مالية قوية، بعدما حافظ خلال سنوات حسن عبد الله على التوازن بين التوسع في التمويل والحفاظ على جودة الأصول والملاءة والسيولة، ووفق أحدث مؤشرات البنك المركزي المنشورة في 2026، ارتفع معدل كفاية رأس المال إلى 19.6% بنهاية الربع الرابع من 2025 بزيادة 0.4 نقطة مئوية مقابل حد رقابي أدنى يبلغ 12.5 % بما يضع البنوك بفارق مريح فوق المتطلبات الرقابية.
وتزامنت قوة القاعدة الرأسمالية مع تحسن واضح في جودة محافظ القروض، إذ تراجعت نسبة القروض غير المنتظمة إلى 1.9% من إجمالي القروض فيما بلغت نسبة تغطيتها بالمخصصات 90.2%، وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر مع تجاوز إجمالي التسهيلات الائتمانية 10 تريليونات جنيه بما يعكس قدرة البنوك على زيادة التمويل مع الحفاظ على مستويات منخفضة من التعثر.
وحافظت البنوك كذلك على مستويات سيولة مرتفعة بالعملتين المحلية والأجنبية، فقد سجلت نسبة السيولة بالعملة المحلية 40.3 % مقابل حد رقابي 20% بينما بلغت السيولة بالعملات الأجنبية 79.5 % مقابل حد أدنى 25 %، كما وصلت نسبة القروض إلى الودائع إلى 66.4 % بنهاية 2025 بما يعكس زيادة توظيف موارد البنوك في الائتمان مع استمرار مستويات السيولة أعلى من الحدود الرقابية.
وتكشف مؤشرات الربحية عن جانب آخر من قوة الجهاز المصرفي، فقد بلغ العائد على حقوق الملكية 39 % بنهاية العام المالي 2024 وفق البيانات التي أعاد البنك المركزي تأكيدها ضمن مؤشرات السلامة المالية المنشورة في مارس 2026، وكان العائد على متوسط الأصول قد بلغ 2.6 % في العام نفسه بما يعكس قدرة البنوك على تحقيق ربحية مرتفعة بالتوازي مع تكوين المخصصات والحفاظ على رؤوس الأموال.
ولا تعتمد صلابة الجهاز المصرفي على المؤشرات المالية وحدها، إذ يطبق البنك المركزي منظومة رقابية تتابع مخاطر الائتمان والسيولة والسوق والتركيز والعدوى بين المؤسسات إلى جانب اختبارات الضغوط التي تقيس قدرة البنوك على تحمل سيناريوهات اقتصادية ومالية شديدة الصعوبة، ويشير المركزي إلى أن عينة اختبارات الضغوط الكلية تمثل أكثر من 80 % من المركز المالي للقطاع المصرفي.
وتكتسب هذه الرقابة أهمية خاصة مع النمو الكبير الذي شهدته ميزانيات البنوك، فقد سجلت أصول القطاع المصرفي نموًا سنويًا قدره 45.8 % في مارس 2025، واستحوذت البنوك على 93.5 % من إجمالي أصول النظام المالي، بينما نمت الودائع بنسبة 25.3 % مدعومة بالودائع المستقرة للقطاع العائلي.
وبذلك دخل الجهاز المصرفي 2026 بمجموعة متوازنة من مؤشرات القوة 19.6 % كفاية لرأس المال، و1.9 % فقط قروض غير منتظمة، و90.2 % تغطية بالمخصصات، وسيولة 40.3 % بالجنيه و79.5 % بالعملات الأجنبية، وعائد على حقوق الملكية بلغ %39، وهي مؤشرات تؤكد وفق تقييم البنك المركزي، صلابة القطاع وقدرته على تمويل الاقتصاد مع الحفاظ على مستويات مرتفعة من الملاءة والسيولة وجودة الأصول.
من «قيادات المستقبل» إلى الذكاء الاصطناعي.. «المركزي» يبني جيلاً جديدًا من الكفاءات المصرفية
وضع البنك المركزي المصري خلال فترة حسن عبد الله رأس المال البشري في قلب عملية تطوير الجهاز المصرفي، بالتوازي مع تحديث التكنولوجيا وزيادة تعقيد الخدمات والمخاطر، واعتبر المحافظ أن العنصر البشري هو الركيزة التي يُبنى عليها مستقبل القطاع لترتكز السياسة على إعداد قيادات الصف الثاني وتأهيل المصرفيين للتكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي إلى جانب بناء قاعدة جديدة من الخريجين المؤهلين للعمل المصرفي.
وفي أحدث خطوات إعداد القيادات، شهد حسن عبد الله تخريج 4 دفعات جديدة من برنامج «قيادات المستقبل» بالمعهد المصرفي المصري الذراع التدريبي للبنك المركزي، وهي الدفعات 32 و33 و34 و35 بإجمالي 93 قيادة مصرفية شابة، ويكمل البرنامج مسيرة تمتد لنحو 30 عامًا في إعداد صف ثانٍ من القيادات، مع الجمع بين العلوم المصرفية والقيادة والتكنولوجيا المالية والتطبيقات العملية والزيارات للمؤسسات المالية الدولية.
وانتقلت عملية بناء الكوادر في 2025/2026 إلى مرحلة تبدأ قبل الالتحاق بالبنوك نفسها، مع إطلاق البنك المركزي بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات والمعهد المصرفي المصري أول بكالوريوس متخصص في العلوم المصرفية بعدد من كليات التجارة، ويجمع البرنامج بين الدراسة الأكاديمية والتدريب العملي داخل البنوك، ويشمل الشمول المالي والخدمات المصرفية الرقمية والتكنولوجيا المالية وإدارة المخاطر واللوائح المصرفية والاستدامة والحوكمة.
وتوسع البرنامج ليشمل جامعتي القاهرة وسوهاج بدءًا من العام الدراسي 2025/2026 بما يضيف بعدًا جغرافيًا إلى عملية إعداد الكفاءات، وأكد حسن عبد الله أن مشاركة جامعة سوهاج تدعم توسيع التعليم المصرفي في محافظات الصعيد، بينما تتيح الشراكة مع البنوك تدريبًا عمليًا يربط الدراسة باحتياجات سوق العمل.
وفي يناير 2026 أضاف المركزي مسارًا أكثر تخصصًا بإطلاق أول دبلومة للذكاء الاصطناعي للمصرفيين تحت مظلة الأكاديمية الرقمية التابعة لـ«فينتك إيجيبت»، بالتعاون مع المعهد المصرفي المصري وجامعة الجيزة الجديدة، وتتكون الدبلومة من 5 برامج تدريبية متكاملة تجمع بين دراسات الحالة والأدوات والتطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي.
ويأتي ذلك امتدادًا للأكاديمية الرقمية التي أطلقها البنك المركزي في يناير 2023 بالشراكة مع المعهد المصرفي، والتي قدمت 4 برامج متخصصة في الذكاء الاصطناعي التوليدي في التمويل منذ 2024، ويستهدف هذا المسار إعداد كوادر تستطيع استخدام التقنيات الجديدة في تحليل البيانات وصناعة القرار وتطوير الخدمات ورفع الكفاءة التشغيلية ومستويات الأمان.
وبذلك دخل ملف تنمية الكفاءات المصرفية 2026 على أكثر من مستوى متزامن 93 قيادة شابة في 4 دفعات جديدة من «قيادات المستقبل»، وأول بكالوريوس للعلوم المصرفية في العام الدراسي 2025/2026، وأول دبلومة متخصصة للذكاء الاصطناعي تضم 5 برامج إلى جانب 4 برامج للذكاء الاصطناعي التوليدي منذ 2024، وهي منظومة تربط إعداد القيادات الحالية بصناعة جيل جديد من المصرفيين القادرين على قيادة التحول التكنولوجي للجهاز المصرفي.
إدارة بالشراكة وتمكين القيادات.. حسن عبدالله يعزز الحوكمة وصناعة القرار داخل الجهاز المصرفي
اعتمد حسن عبد الله خلال قيادته للبنك المركزي على تعزيز العمل المؤسسي داخل الجهاز المصرفي، بالتوازي مع الدور الرقابي للمركزي واستقلال مجالس إدارات البنوك في إدارة مؤسساتها وفق الأطر والقواعد المنظمة، وبرز الحوار المستمر مع قيادات القطاع المصرفي كأحد أدوات التعامل مع الملفات الكبرى خاصة في الفترات التي تطلبت تنسيقًا سريعًا بين البنك المركزي والبنوك.
ويستند هذا النهج إلى منظومة حوكمة واضحة وضعها البنك المركزي لتنظيم عمل البنوك ومجالس إداراتها ولجانها الداخلية وتحديد المسؤوليات والصلاحيات بما يعزز الفصل بين الرقابة والتنفيذ ويمنح المؤسسات المصرفية القدرة على اتخاذ القرارات داخل حدود السياسات والقواعد الرقابية.
وفي سنوات شهدت تحولات استثنائية في سعر الصرف والفائدة والتضخم والسيولة والنقد الأجنبي، حافظ البنك المركزي على قنوات التواصل مع رؤساء البنوك وقيادات القطاع لمتابعة حركة الأسواق وتنفيذ القرارات النقدية والرقابية، وظهر ذلك بصورة خاصة خلال إجراءات مارس 2024 وما تلاها من تحركات لاستعادة انتظام سوق النقد الأجنبي وتلبية احتياجات العملاء عبر القنوات الرسمية.
كما ارتبط تمكين القيادات بإعداد صف ثانٍ قادر على تحمل المسؤولية، وفي أحدث نتائج هذا المسار تخرج 93 مصرفيًا من 4 دفعات لبرنامج «قيادات المستقبل»، وهي الدفعات 32 و33 و34 و35 بما يدعم انتقال الخبرة وصناعة كوادر مؤهلة للمشاركة في إدارة المؤسسات المصرفية.
وعزز البنك المركزي بالتوازي قواعد الحوكمة وإدارة المخاطر والالتزام والرقابة الداخلية، وهي منظومة تظهر نتائجها في مؤشرات سلامة القطاع. فقد دخلت البنوك 2026 بمعدل كفاية رأس مال بلغ 19.6 %، بينما انخفضت القروض غير المنتظمة إلى 1.9 % وبلغت تغطيتها بالمخصصات 90.2 %، وهي مؤشرات تعكس قوة المؤسسات التي تعمل داخل الإطار الرقابي للمركزي.
ولا يعني العمل المؤسسي تخفيف الرقابة، فالمركزي يحتفظ بدوره الكامل في وضع الضوابط ومتابعة المخاطر واختبارات الضغوط والسلامة المالية بينما تتحمل مجالس إدارات البنوك مسؤولية قراراتها وإدارة مواردها ومخاطرها وفق هذه القواعد، وبذلك تقوم العلاقة على رقابة مركزية قوية وإدارة تنفيذية تتحمل مسؤوليتها داخل كل بنك.
ويمكن قراءة هذا النهج كذلك في قدرة الجهاز المصرفي على استيعاب نمو كبير في حجم الأعمال دون تراجع مؤشرات السلامة، فالتسهيلات الائتمانية تجاوزت 10.6 تريليون جنيه في فبراير 2026، بينما ظلت نسبة القروض غير المنتظمة عند مستويات محدودة في الوقت الذي حافظت فيه البنوك على مستويات رأسمال وسيولة أعلى من الحدود الرقابية.
وهكذا ارتبطت إدارة الجهاز المصرفي خلال سنوات حسن عبد الله بثلاث دوائر متكاملة حوكمة تحدد المسؤوليات، وقيادات مصرفية تتحمل القرار، ورقابة مركزية تحافظ على سلامة المنظومة، ومع 93 قيادة جديدة في «قيادات المستقبل»، وكفاية رأسمال 19.6 % وقروض غير منتظمة عند 1.9 %، دخل القطاع 2026 بقاعدة مؤسسية تجمع بين مساحة الإدارة والانضباط الرقابي.
من صندوق النقد إلى مجلس الاستقرار المالي وأفريكسيم بنك.. «المركزي» يعزز حضور مصر المالي دوليًا في 2026
عزز البنك المركزي المصري خلال فترة حسن عبد الله حضوره في دوائر صنع القرار المالي والنقدي الدولية، وتحولت 2026 إلى عام كثيف في التواصل مع المؤسسات العالمية والبنوك المركزية، فحسن عبد الله لا يشغل فقط منصب محافظ البنك المركزي، وإنما يمثل مصر أيضًا بصفته محافظ جمهورية مصر العربية لدى صندوق النقد الدولي، وهو ما وضع البنك المركزي في قلب المناقشات المتعلقة ببرنامج الإصلاح والسياسة النقدية وسعر الصرف والتضخم ومواجهة الصدمات الخارجية.
وفي أبريل 2026، شارك عبد الله في اجتماع محافظي البنوك المركزية ووزراء مالية مجموعة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان MENAP ضمن اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، وعرض أمام المؤسسات الدولية حصيلة الإصلاحات منذ 2024، وفي مقدمتها تراجـــع التضــخم من ذروة بلـــغت 38 % إلى 11 % في يناير 2026 وارتفاع الاحتياطيات الدولية إلى مستوى قياسي بلغ 53 مليار دولار بنهاية مارس 2026، مؤكدًا استمرار سياسة سعر الصرف المرن ودور التعاون الدولي في توفير السيولة اللازمة لمواجهة الصدمات الخارجية.
وامتد الحضور إلى مجلس الاستقرار المالي FSB حيث ترأس حسن عبد الله ونظيره التركي في أبريل 2026 اجتماع المجموعة التشاورية الإقليمية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحضور محافظين ومسؤولين من 11 دولة إلى جانب الأمين العام للمجلس ومسؤولي صندوق النقد الدولي، وهو مسار يضع مصر داخل المناقشات الإقليمية المتعلقة بالاستقرار المالي والمخاطر التي تواجه الأنظمة المصرفية.
وفي فبراير 2026 شارك المحافظ في المنتدى العاشر للمالية العامة في الدول العربية بدبي، الذي جمع صندوق النقد الدولي وصندوق النقد العربي ومحافظي البنوك المركزية ووزراء المالية. وعقد على هامشه لقاءً مع كريستالينا جورجيفا المديرة العامة لصندوق النقد الدولي لبحث تطورات المؤشرات الكلية وبرنامج الإصلاح الاقتصادي، إلى جانب لقاء مع المدير العام ورئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي لتعزيز التعاون وتبادل الرؤى حول التطورات الاقتصادية.
وعلى المستوى الإفريقي، واصل البنك المركزي توسيع دوره من التعاون النقدي إلى دعم التجارة والاستثمار. واستضافت مصر في يونيو 2026 الاجتماعات السنوية الثالثة والثلاثين لأفريكسيم بنك بمدينة العلمين، في إطار الشراكة مع البنك لدعم التجارة والاستثمار والتكامل الاقتصادي الإفريقي وتمويل التنمية، وأكد حسن عبد الله أن الاجتماعات تستهدف أيضًا طرح قضايا تمويل التجارة وإصلاح النظام المالي العالمي بما يعكس احتياجات الاقتصادات الناشئة.
واستمر هذا المسار في يوليو 2026 عندما عقد البنك المركزي اجتماعًا مع وزارة الخارجية وأفريكسيم بنك لبحث تيسير دخول الشركات المصرية إلى الأسواق الإفريقية وتوفير أدوات التمويل للتجارة والاستثمار وزيادة مشاركة القطاع الخاص المصري في المشروعات التنموية بالقارة، إلى جانب تطوير آليات التمويل وضمان الاستثمار.
كما استضاف البنك المركزي في يناير 2026 الاجتماع التاسع للجنة التنسيقية لبرنامج دعم البنوك المركزية الإفريقية بالتعاون مع نظيراتها الأوروبية، وهو برنامج ممول من الاتحاد الأوروبي بدأ في ديسمبر 2023 وجرى تمديده عامين إضافيين حتى ديسمبر 2027. ويركز البرنامج على بناء القدرات والاستقرار المالي وصلابة القطاع المصرفي والحوكمة وتبادل الخبرات بين البنوك المركزية الإفريقية والأوروبية.
واتسعت شبكة التعاون المباشر مع البنوك المركزية العربية والإقليمية. ففي يونيو 2026 بحث حسن عبد الله مع محافظ البنك المركزي التونسي تبادل الخبرات في السياسة النقدية والاستقرار المالي، كما استضاف البنك المركزي لقاءً مصرفيًا مصريًا يمنيًا بمشاركة قيادات البنوك في البلدين لبحث التعاون في السياسات النقدية والرقابية وتسهيل التحويلات ودعم الأنشطة الاقتصادية والتجارية.
وبذلك دخل البنك المركزي المصري 2026 بحضور دولي يتحرك على أكثر من جبهة في الوقت نفسه من صندوق النقد والبنك الدوليان، ومجلس الاستقرار المالي، وصندوق النقد العربي، وأفريكسيم بنك، والاتحاد الأوروبي، إلى جانب شبكة من البنوك المركزية العربية والإفريقية. ولم يقتصر هذا الحضور على المشاركة في الاجتماعات بل ارتبط بعرض نتائج الإصلاح المصري وتبادل الخبرات وبناء القدرات ودعم الاستقرار المالي وفتح مسارات لتمويل التجارة والاستثمار والتكامل الإفريقي.
وتلخص أرقام 2026 قوة هذا الحضور: 53 مليار دولار احتياطيات دولية عُرضت أمام المؤسسات العالمية، وتراجع التضخم من 38 % إلى 11 %، ومشاركة 11 دولة في اجتماع إقليمي لمجلس الاستقرار المالي برئاسة مشتركة مصرية، واستضافة الدورة الـ33 لاجتماعات أفريكسيم بنك، وتمديد برنامج التعاون بين البنوك المركزية الإفريقية والأوروبية حتى 2027، وهي تحركات عززت موقع البنك المركزي المصري كشريك فاعل في دوائر التعاون المالي والنقدي الإقليمي والدولي خلال قيادة حسن عبد الله.
من الصعيد إلى المحافظات.. «المركزي» يوسع الخريطة المصرفية ويقرب الخدمات من المواطن
دخل البنك المركزي المصري 2026 بقاعدة جغرافية أوسع للخدمات المالية، بعد أن ارتبطت سياسة الشمول المالي خلال سنوات حسن عبد الله بالوصول إلى المواطنين خارج المراكز المصرفية التقليدية، خاصة في محافظات الصعيد والقرى والمناطق الأقل حصولًا على الخدمات، وتظهر النتيجة في وصول معدل الشمول المالي إلى 77.6 % بنهاية 2025 بما يعادل 54.7 مليون مواطن بالغ داخل المنظومة المالية الرسمية، مقابل 64.8 % في 2022.
ولم يعتمد هذا الانتشار على افتتاح الفروع وحده، فقد اتجه البنك المركزي إلى نموذج أوسع يجمع بين الفروع وماكينات الصراف الآلي ونقاط البيع ومحافظ الهاتف المحمول والبطاقات والخدمات الرقمية ومقدمي خدمات الدفع بما يسمح بوصول الخدمات المصرفية إلى المواطن حتى في المناطق التي لا توجد بها كثافة مرتفعة من الفروع التقليدية.
ويظهر البعد الجغرافي بصورة واضحة في شبكة مراكز خدمات تطوير الأعمال ضمن مبادرة «رواد النيل» التي وصلت إلى 132 مركزًا موزعة على 25 محافظة وقدمت أكثر من مليون خدمة لنحو نصف مليون مستفيد، ولم تقتصر هذه المراكز على القاهرة والإسكندرية، وإنما امتدت إلى محافظات الصعيد والدلتا بما يتيح لأصحاب المشروعات ورواد الأعمال الوصول إلى خدمات تأسيس المشروعات والاستشارات والتدريب والتأهيل للحصول على التمويل.
وفي 2025/2026 انتقل الاهتمام بالصعيد إلى مرحلة أخرى تتجاوز تقديم الخدمة المصرفية إلى إعداد الكوادر نفسها داخل المحافظات، فقد دخلت جامعة سوهاج ضمن الجامعات المشاركة في برنامج بكالوريوس العلوم المصرفية الذي أطلقه البنك المركزي بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات والمعهد المصرفي المصري ليجمع البرنامج بين الدراسة الأكاديمية والتدريب العملي داخل البنوك.
ويكتسب التوسع في الصعيد أهمية خاصة مع ارتفاع معدلات الشمول المالي بين الشرائح التي يستهدفها المركزي. فقد وصل المعدل بين الســـيدات إلى 71.4 % وبيــــن الشــــباب إلى 56.8 % بنهاية 2025 بالتوازي مع انتشار المحافظ الإلكترونية والبطاقات والحسابات الرقمية التي تقلل أثر المسافة الجغرافية بين العميل والفرع.
كما سمح التوسع في شبكة المدفوعات اللحظية والخدمات الرقمية بوصول المعاملات المصرفية إلى المواطنين على مدار الساعة، ومع وصول مستخدمي «إنستاباي» إلى نحو 12.5 مليون مستخدم وتنفيذ نحو 1.5 مليار معاملة بقيمة تقترب من 2.9 تريليون جنيه، أصبح الانتشار المصرفي يقاس كذلك بقدرة العميل في أي محافظة على تنفيذ معاملاته إلكترونيًا وليس فقط بعدد الفروع القريبة منه.
وتكشف هذه المنظومة تغير مفهوم الانتشار المصرفي خلال سنوات حسن عبد الله، فبدلًا من الاعتماد على الفرع وحده أصبح الوصول إلى المواطن قائمًا على شبكة متكاملة من الخدمات المصرفية والرقمية ومراكز تطوير الأعمال وقنوات الدفع والتثقيف المالي، مع اهتمام أكبر بالمحافظات والصعيد والشباب والمرأة وأصحاب المشروعات.
وبذلك دخل الجهاز المصرفي 2026 بخريطة وصول أكثر اتساعًا: 54.7 مليون مواطن داخل المنظومة المالية، و77.6 % معدل شمول مالي، و132 مركزًا لخدمات تطوير الأعمال في 25 محافظة، ونحو نصف مليون مستفيد من «رواد النيل»، إلى جانب 12.5 مليون مستخدم لإنستاباي، أرقام تعكس انتقال الخدمات المصرفية من تمركزها التقليدي إلى قاعدة جغرافية واجتماعية أكثر انتشارًا خلال سنوات حسن عبد الله.
ثقة دولية تعيد مصر إلى أسواق التمويل.. تدفقات أجنبية وأدوات دين تعزز موارد النقد الأجنبي
شهدت فترة حسن عبد الله عودة قوية لتدفقات الاستثمار الأجنبي غير المباشر إلى السوق المصرية، بالتوازي مع استعادة انتظام سوق النقد الأجنبي وتحسن عدد من المؤشرات الكلية، ودخل هذا المسار 2026 بقاعدة أقوى بعدما أصبح المستثمر الأجنبي يتعامل مع سوق صرف أكثر مرونة وسياسة نقدية تستهدف خفض التضخم، وهو ما انعكس على تدفقات المحافظ المالية وأدوات الدين الحكومية.
وتكشف بيانات البنك المركزي عن حجم التحول في ميزان المدفوعات خلال السنة المالية 2024/2025، إذ سجلت الاستثمارات الأجنبية في محفظة الأوراق المالية في مصر صافي تدفق للداخل بلغ نحو 13.7 مليار دولار مقابل تدفقات أكبر في العام السابق تأثرت بصورة استثنائية بتحولات سوق الصرف وعودة استثمارات الأجانب إلى أدوات الدين المحلية.
ويمثل هذا النوع من الاستثمار أحد المصادر المهمة لتدفقات النقد الأجنبي، لكنه يختلف بطبيعته عن الاستثمار الأجنبي المباشر، لذلك حافظ البنك المركزي في تقاريره على الفصل بين الاستثمار المباشر واستثمارات المحافظ المالية عند قراءة الحساب المالي والرأسمالي بما يسمح بقياس طبيعة التدفقات واستدامتها بصورة أدق.
وفي 2026 استمر ارتباط جاذبية أدوات الدين المحلية بمسار السياسة النقدية والتضخم وسعر الصرف. ومع تراجع التضخم السنوي من المستويات الاستثنائية التي بلغها خلال السنوات السابقة، أصبح العائد الحقيقي المتوقع على الأدوات المحلية عنصرًا مهمًا في قرارات المستثمرين بالتوازي مع مرونة سعر الصرف وقدرة السوق على دخول وخروج التدفقات.
ولا تتحرك هذه التدفقات بمعزل عن قوة الموارد الخارجية الأخرى. فقد سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج 47.3 مليار دولار خلال 2025/2026، بينما تجاوز الاحتياطي من النقد الأجنبي 53 مليار دولار في مارس 2026، وهو ما منح السوق قاعدة أكبر من السيولة الأجنبية بالتوازي مع تدفقات المحافظ والاستثمار.
وعلى المستوى الدولي، واصل البنك المركزي خلال 2026 عرض تطورات السياسة النقدية والقطاع الخارجي أمام المؤسسات المالية العالمية، وفي اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين عرض حسن عبد الله تراجع التضخم إلى 11 % في يناير 2026 وارتفاع الاحتياطيات الدولية إلى 53 مليار دولار بنهاية مارس، مؤكدًا استمرار مرونة سعر الصرف باعتبارها إحدى ركائز برنامج الإصلاح.
وتبرز أهمية هذا المسار في أنه أعاد وضع السوق المصرية على خريطة المستثمرين الدوليين في أدوات الدين والمحافظ المالية بعد سنوات من الاضطراب، لكن البنك المركزي ظل يتعامل مع هذه التدفقات باعتبارها جزءًا من منظومة أوسع لموارد النقد الأجنبي وليس بديلًا عن المصادر الأكثر استدامة مثل الاستثمار المباشر والصادرات والسياحة وتحويلات العاملين بالخارج.
وتلخص الأرقام هذا التحول: نحو 13.7 مليار دولار صافي تدفقات إلى استثمارات المحافظ المالية خلال 2024/2025، و47.3 مليار دولار تحويلات للمصريين بالخارج في 2025/2026، واحتياطي دولي تجاوز 53 مليار دولار في مارس 2026، وهي مؤشرات أعادت بناء قاعدة أوسع لموارد النقد الأجنبي ورسخت عودة السوق المصرية إلى اهتمام المستثمرين الدوليين خلال سنوات حسن عبد الله.
من إدارة الأزمة إلى تثبيت الاستقرار.. حسن عبد الله يعيد بناء ركائز السياسة النقدية والجهاز المصرفي
بعد 4 سنوات من تولي حسن عبد الله مسؤولية البنك المركزي المصري، تكشف حصيلة المؤشرات عن مرحلة انتقلت فيها الأولوية من التعامل مع ضغوط استثنائية في التضخم والنقد الأجنبي وسوق الصرف إلى بناء قاعدة أكثر استقرارًا للسياسة النقدية والجهاز المصرفي، ومع دخول 2026 أصبحت الصورة تجمع بين تراجع التضخم وتحسن موارد النقد الأجنبي واتساع الائتمان وقوة مؤشرات السلامة المالية، وهي الملفات التي شكلت مجتمعة مسار إدارة المركزي خلال الفترة.
وفي سوق الصرف، استقر العمل منذ مارس 2024 على مرونة سعر الصرف وفق قوى العرض والطلب، وهو التوجه الذي استمر خلال 2026، وأظهرت بيانات البنك المركزي في أغسطس 2026 تداول الدولار الرسمي حول مستوى 49.75 جنيه للشراء و49.89 جنيه للبيع، في سوق أصبحت آليات التسعير فيه أكثر ارتباطًا بحركة العرض والطلب.
وتزامن ذلك مع تحسن كبير في موارد النقد الأجنبي. فقد سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج 47.3 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026 مقابل 36.5 مليار دولار في العام السابق بنمو 29.6 %، بعدما كانت 21.9 مليار دولار في 2023/2024، وفي الوقت نفسه تجاوز الاحتياطي الدولي 53 مليار دولار خلال 2026 لتدخل إدارة السياسة النقدية العام بقاعدة أقوى من الموارد الأجنبية.
وعلى مستوى التمويل، تجاوز إجمالي التسهيلات الائتمانية بالبنوك 10.69 تريليون جنيه بنهاية فبراير 2026، منها نحو 4.95 تريليون جنيه للقطاعات غير الحكومية، واقتربت تسهيلات قطاع الأعمال الخاص من 2.94 تريليون جنيه فيما بلغ تمويل القطاع العائلي نحو 1.48 تريليون جنيه. وهي توسعات تضع أمام المركزي معادلة مستمرة بين إتاحة الائتمان للنشاط الاقتصادي والحفاظ على جودة المحافظ وإدارة المخاطر، ويتيح السجل المركزي للائتمان للمركزي متابعة التمويلات والعملاء والقطاعات وتركزات المخاطر بصورة تفصيلية لدعم القرارات الرقابية والائتمانية.
وحافظ الجهاز المصرفي بالتوازي على مؤشرات صلابة مرتفعة، فقد سجل معدل كفاية رأس المال 19.6 % بنهاية 2025 بينما بلغت القروض غير المنتظمة 1.9 % فقط من إجمالي القروض ووصلت تغطيتها بالمخصصات إلى 90.2 %، وهنا تظهر واحدة من أهم معادلات الـ 4 سنوات نمو كبير في حجم الائتمان والأعمال دون التخلي عن متطلبات الملاءة وجودة الأصول.
كما اتسعت قاعدة التعامل المصرفي لتصل نسبة الشمول المالي إلى 77.6 % بنهاية 2025 بما يعادل 54.7 مليون مواطن بالغ داخل المنظومة المالية الرسمية، وتزامن ذلك مع توسع المدفوعات اللحظية ووصول مستخدمي «إنستاباي» إلى نحو 12.5 مليون مستخدم بما جعل الرقمنة أحد المكونات الرئيسية لإعادة هيكلة طريقة تقديم الخدمات المصرفية.
ومع هذا الاتساع رفع البنك المركزي مستوى الاهتمام بالأمن السيبراني ومكافحة الاحتيال، وتضم منظومته قطاعًا مستقلًا للأمن السيبراني ومركز EG-FinCIRT للاستجابة للحوادث الإلكترونية إلى جانب أطر لقياس جاهزية المؤسسات المالية ومراجعة تأمين التطبيقات والمنظومات قبل اعتمادها.
وتكتمل الصورة برأس المال البشري، فقد توسعت برامج إعداد القيادات المصرفية والتأهيل للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع إطلاق مسارات أكاديمية جديدة للعلوم المصرفية، وبذلك لم يكن تطوير الجهاز قائمًا على زيادة الأصول والائتمان وحدهما، وإنما امتد إلى التكنولوجيا والكوادر والرقابة وإدارة المخاطر.
تجديد الثقة.. استحقاق صنعته 4 سنوات من النتائج
في المحصلة، جاء تجديد الثقة في حسن عبد الله محافظًا للبنك المركزي المصري عن استحقاق تؤيده حصيلة 4 سنوات من العمل والقرارات والنتائج. فقد تولى المسؤولية في أغسطس 2022 في واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا، وسط ضغوط حادة على سوق الصرف والنقد الأجنبي والتضخم، وأدار مرحلة فرضت قرارات صعبة قبل أن تتحول تدريجيًا إلى مؤشرات أكثر قوة واستقرارًا.
ومع 2026 تجاوز الاحتياطي الدولي 53 مليار دولار، وسجلت تحويلات المصريين بالخارج رقمًا تاريخيًا بلغ 47.3 مليار دولار وتجاوز الائتمان المصرفي 10.69 تريليون جنيه فيما حافظت البنوك على معدل كفاية رأس مال بلغ 19.6 % وتراجعت القروض غير المنتظمة إلى 1.9 %، ووصل الشمول المالي إلى 77.6 %، ولم تتوقف الحصيلة عند المؤشرات النقدية، بل امتدت إلى تحديث الجهاز المصرفي ورقمنته وحماية أموال المودعين وإعداد جيل جديد من القيادات وتعزيز الحوكمة وتوسيع قاعدة المستفيدين وترسيخ حضور البنك المركزي المصري إقليميًا ودوليًا، لذلك فإن تجديد الثقة في حسن عبد الله لا يُقرأ باعتباره امتدادًا لمدة جديدة بقدر ما يمثل استحقاقًا لمسار قاد فيه البنك المركزي من قلب الأزمة إلى مساحة أكبر من الاستقرار، وحافظ خلاله على صلابة البنوك واستعاد الثقة في سوق النقد وأعاد بناء موارد النقد الأجنبي؛ لتكون الأرقام والنتائج هي الشهادة الأقوى على استحقاق الثقة من جديد.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض