تعيش أسواق النفط العالمية حالة من الترقب الشديد، في ظل تداخل عاملين متناقضين يحددان مسار الأسعار خلال الفترة المقبلة؛ أولهما الآمال في التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بما قد يسمح بعودة جزء من الإمدادات إلى الأسواق، والثاني استمرار القيود على حركة النفط عبر مضيق هرمز وتراجع المخزونات العالمية بوتيرة متسارعة.
وتأتي هذه التطورات في وقت وصلت فيه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى أدنى مستوياتها خلال نحو شهرين، بينما تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار اضطراب الإمدادات لفترة أطول إلى انتقال السوق من مرحلة القلق إلى نقص فعلي في المعروض، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة بصورة حادة.
سيناريوهان متعارضان يحكمان السوق
منذ عدة أشهر، يتحرك المتعاملون في سوق النفط بين احتمالين رئيسيين. يتمثل الأول في استمرار المواجهة العسكرية وما يترتب عليها من اضطراب واسع في حركة شحن النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة عالمياً.
أما السيناريو الثاني فيقوم على إمكانية التوصل إلى تفاهم أميركي إيراني يخفف التوترات ويسمح بتدفق كميات كبيرة من النفط والمشتقات الموجودة في منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية.
هذا التباين جعل أسعار النفط تشهد تحركات حادة صعوداً وهبوطاً على مدار الأشهر الماضية، مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الإمدادات وحركة الناقلات.
تراجع الملاحة يثير مخاوف جديدة
وأظهرت حركة السفن عبر مضيق هرمز خلال الأسبوع الماضي تراجعاً إلى أدنى مستوياتها في شهرين، وهو تطور يثير قلق المتعاملين، خصوصاً مع استمرار انخفاض المخزونات النفطية العالمية.
وبحسب تقرير لموقع «أويل برايس»، فإن المخزونات آخذة في الانخفاض، بما في ذلك الكميات التي جرى سحبها من الاحتياطيات الاستراتيجية، في الوقت الذي بدأت فيه الصين، التي ساهم انخفاض وارداتها خلال مايو ويونيو في الحد من ارتفاع أسعار النفط، في العودة تدريجياً إلى زيادة مشترياتها من الخام.
ويرى محللون أن استمرار الوضع الحالي لعدة أسابيع إضافية قد يدفع سوق النفط الفعلية إلى مرحلة حرجة، تتمثل في تحول المخاوف بشأن الإمدادات إلى نقص حقيقي، وهو ما قد ينعكس سريعاً على أسعار العقود الآجلة.
لماذا لم تقفز الأسعار إلى مستويات قياسية؟
رغم حجم الاضطرابات التي شهدتها تجارة النفط، لم تسجل العقود الآجلة ارتفاعات قياسية، وهو ما يرجعه محللون إلى عدة عوامل، أبرزها انخفاض الطلب الصيني على الخام خلال الربع الثاني، واللجوء إلى المخزونات الاستراتيجية في عدد من الدول، إضافة إلى وجود كميات كبيرة من النفط مخزنة على متن الناقلات البحرية عند اندلاع الحرب.
لكن هذه العوامل قد تفقد تأثيرها تدريجياً إذا طال أمد اضطراب حركة الملاحة، خاصة مع استمرار استنزاف المخزونات وعودة الصين إلى السوق بقوة أكبر.
عودة الصين إلى الشراء تزيد الضغوط
وتعد عودة الصين إلى زيادة مشترياتها من النفط أحد أبرز المتغيرات التي تراقبها الأسواق حالياً، بعدما ساهم تراجع وارداتها في شهري مايو ويونيو في تخفيف الضغوط على الأسعار.
ويرى محللون أن استمرار الطلب الصيني في التحسن، بالتزامن مع تراجع المعروض المتاح في الأسواق، قد يزيد احتمالات ارتفاع الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، خصوصاً إذا لم تستعد حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز مستوياتها المعتادة.
برنت يتجاوز 89 دولاراً
وفي ظل تضارب التصريحات بشأن مستقبل المضيق، ارتفع سعر خام برنت في وقت مبكر من يوم الأربعاء متجاوزاً مستوى 89 دولاراً للبرميل.
وكانت إيران قد أكدت في وقت سابق أن مضيق هرمز سيظل مغلقاً ما لم تتوقف العمليات العسكرية الأمريكية وتُلبى مطالب طهران، بينما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاحقاً أن الولايات المتحدة تتمتع بما وصفه بـ«سيطرة كاملة» على المضيق.
هذا التباين في المواقف يزيد حالة الضبابية التي تحيط بأسواق الطاقة، ويجعل أي تطور سياسي أو عسكري مرتبط بالمضيق قادراً على تحريك أسعار النفط بصورة سريعة.
توقعات بارتفاعات حادة إذا طال الإغلاق
وترى أمريتا سين، مؤسسة ومديرة الأبحاث في شركة «إنيرجي أسبكتس»، أن العوامل الأساسية للسوق أصبحت تميل بشكل متزايد إلى دعم ارتفاع أسعار النفط.
وفي السياق ذاته، حذر كيران تومبكينز، كبير الاقتصاديين المتخصصين في المناخ والسلع لدى «كابيتال إيكونوميكس»، من أن استمرار إغلاق المضيق بالتزامن مع استنزاف مخزونات النفط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد يدفع السوق إلى نقطة تحول بحلول بداية الربع الرابع.
وبحسب تقديراته، فإن الوصول إلى هذه المرحلة قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 120 و140 دولاراً للبرميل، استناداً إلى أنماط تاريخية لحركة الأسواق خلال فترات نقص الإمدادات.
المنتجات النفطية تواجه ضغوطاً أكبر
ولا تقتصر المخاوف على النفط الخام، إذ يرى أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في «ساكسو بنك»، أن سوق المنتجات النفطية المكررة تواجه ضغوطاً أكبر من سوق الخام نفسها.
وأوضح أن الاضطرابات التي طالت بعض المصافي في الشرق الأوسط وروسيا دفعت هوامش التكرير والفوارق السعرية بين الخام والمنتجات المكررة إلى مستويات مرتفعة بصورة استثنائية.
وأشار إلى أن الأخبار المرتبطة بمضيق هرمز تظل المحرك الرئيسي لتحركات العقود الآجلة للنفط الخام، لكن الضغوط الأكثر حدة تظهر في سوق المنتجات المكررة، وخاصة الديزل وزيت الغاز ووقود الطائرات.
السوق تترقب نقطة الحسم
وبين الآمال المرتبطة باستئناف المفاوضات الأمريكية الإيرانية والمخاوف المتزايدة من استمرار اضطراب حركة الملاحة، تقف أسواق النفط أمام مرحلة شديدة الحساسية.
فإذا عادت حركة الناقلات عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، فقد تتراجع علاوة المخاطر التي أضيفت إلى أسعار النفط. أما استمرار الإغلاق واستنزاف المخزونات بالتزامن مع عودة الطلب الصيني، فقد يدفع السوق إلى مواجهة نقص فعلي في الإمدادات، بما يفتح الباب أمام موجة صعود قوية للأسعار.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض