حذر الدكتور يوسف بطرس غالي، الخبير الاقتصادي ووزير المالية الأسبق، من أن الاقتصاد العالمي يواجه ضغوطًا متزامنة تشمل أسعار الطاقة وأعباء الديون وتجزئة التجارة الدولية، مرجعًا ذلك إلى خلل هيكلي ظهر بعد الأزمة المالية عام 2008 وتتصدر الصين أسبابه بفائضها التجاري الضخم.
ودعا الدكتور يوسف بطرس غالي خلال قمة الصلب العربي الـ19 في القاهرة، الدول العربية والنامية إلى التحدث بصوت واحد وحماية أسواقها بصورة جماعية، مشيرًا إلى أن القضية الثانية التي تضغط على الاقتصاد العالمي هي الطاقة، موضحًا أن الافتراض السائد أن مضيق هرمز سيُفتح في مارس.
وأضاف أن النفط سيبقى عند 130 دولارًا للبرميل أيًا كان ما سيحدث في سوق البترول، وهو ما يهدد بانهيار كبير في معدل نمو الاقتصاد العالمي، موضحًا أنه وفقًا لحسابات صندوق النقد الدولي، سينخفض النمو العالمي بنسبة 1.1%، إن لم يكن أكثر.
وأوضح أن القضية الثالثة هي الديون، إذ اضطرت الحكومات خلال العامين أو الثلاثة الماضية إلى مواجهة ارتفاع أسعار الطاقة وتصاعد القوى الانكماشية في اقتصاداتها، فلجأت إلى الاقتراض، مشيرًا إلى أنه مع التضخم ترتفع تكلفة الاقتراض وتلتهم جزءًا أكبر من الميزانيات، فلا يتبقى سوى القليل لاستثمارات البنية التحتية وإقامة الصناعات وإنشاء الطرق والجسور، وبالتالي سيكون استهلاك الحديد والصلب محدودًا، ليس بسبب التعريفات الجمركية وغيرها من العوامل فحسب، بل أيضًا بسبب الميزانيات المقيدة.
وأشار غالي إلى أن التخوف الرابع هو التجزئة، فالعالم ممزق بسبب التعريفات الجمركية والحصص، والدول تنغلق على بعضها وترفض استيراد السلع وتنشئ برامج تصنيع متنافسة، قائلاً إن الاقتصاد حين كان منفتحًا نسبيًا كان هناك تنسيق، وكانت مصادر التوريد تُوزع حول العالم على أساس الكفاءة، أما الآن فتُوزع على أساس الأمن، موضحًا أنه إذا كانت دولة ما كفؤة لكنها غير آمنة، فلن توضع فيها مصادر المدخلات، مضيفًا أن ذلك يدفع الكتل الاستهلاكية الكبرى للصلب إلى الانغلاق.
وتساءل غالي عن سبب ما يحدث للاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى أنه يعاني من خلل هيكلي مهم ظهر بعد الأزمة المالية عام 2008، وأنه ترأس اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية حين وقعت الأزمة، حيث تولى الرئاسة في 5 أكتوبر 2008 بعد 15 يومًا من انهيار بنك «ليمان براذرز» الذي جرّ معه أسواق المال كلها، موضحًا أنهم أدركوا حينها أن قوة اقتصادية واحدة تضغط على النظام الدولي، هي الصين، التي بنت تقدمها وانتعاشها الكبيرين على الصادرات، وما زال نموها يعتمد أساسًا عليها، وأصبحت الصين القوة المهيمنة في التصنيع العالمي، كما أن الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة في التمويل العالمي، ولذلك يؤثر أي إجراء صيني في الاقتصاد العالمي.
وأوضح أن الناتج المحلي الإجمالي الصيني يمثل نحو 16% من الناتج العالمي، مقابل نحو 26% للناتج الأمريكي، لكن الصين تنتج 30% من السلع المصنعة في العالم، ولا يُستهلك منها داخلها سوى 13%، أي أن بقية العالم يتلقى الباقي سواء أراد ذلك أم لا، مشيرًا إلى أن الصين أنشأت لتحقيق ذلك نظام دعم متقنًا يجعل منتجاتها تنافسية ويدمّر في الوقت نفسه أي منتج ينافسها، ووضعت كذلك نظامًا موسعًا لتقييم عملتها بأقل من قيمتها الحقيقية، لافتًا إلى أن تقديرات صندوق النقد الدولي ومنظمات أخرى تشير إلى أن اليوان مقوّم بأقل من قيمته بنسبة تتراوح بين 35% و50%، وهو ما يجعل منافسة السلع الصينية مستحيلة.
وأضاف أن الفائض التجاري للصين بلغ العام الماضي 1.2 تريليون دولار، وبلغ خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي 938 مليار دولار، بزيادة 36% عن العام الماضي، معتبرًا ذلك مصدر الخلل الأساسي في الاقتصاد العالمي، لأنه سيخلق الانقسام الذي سيدفع بقية العالم إلى الانغلاق وفرض الحصص والتعريفات الجمركية وبناء بنية تحتية كاملة لحماية نفسه، وهو ما سيولّد قوى انكماشية تحد من نموه.
وأكد غالي أن الصينيين يدركون المشكلة وأنهم ليسوا غير مسؤولين، إذ تستهدف خطتهم الخمسية المقبلة رفع المبيعات المحلية إلى 60 تريليون يوان بحلول 2030، قائلاً إن هذا الرقم لا يعني له الكثير بمفرده، لكن المبيعات المحلية تبلغ اليوم 50 تريليون يوان، والانتقال إلى 60 تريليونًا في السنوات الأربع المقبلة يتطلب نموًا سنويًا نحو 3.7%، في حين لم تزد المبيعات المحلية حتى الآن سوى 1.1% سنويًا، مؤكدًا أنه لا توجد طريقة لتحقيق ذلك ضمن خطتهم الخمسية.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض