تباطؤ الاقتصاد وأزمة المعيشة يهددان حكومة نيوزيلندا قبل الانتخابات


الجريدة العقارية الاحد 01 نوفمبر 2026 | 10:32 مساءً
نيوزيلندا
نيوزيلندا
أحمد رجب

تواجه حكومة نيوزيلندا، برئاسة كريستوفر لوكسون، تحديات اقتصادية وسياسية متزايدة مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في 7 نوفمبر، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للأسر، بالإضافة إلى تفاوت معدلات التعافي الاقتصادي بين المدن والمناطق الريفية.

ورغم ظهور بعض المؤشرات الإيجابية في قطاعات السياحة والزراعة والصادرات، لا يزال الاقتصاد يواجه صعوبات في استعادة معدلات النمو المطلوبة، بعد سنوات من التباطؤ والضغوط الاقتصادية، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار صعب بشأن قدرتها على إقناع الناخبين بجدوى سياساتها، وفقًا لما أوردته وكالة «رويترز».

وكان الحزب الوطني قد حقق الفوز في انتخابات 2023، مستندًا إلى وعود بخفض التضخم والسيطرة على الدين العام وتحفيز النشاط الاقتصادي، إلا أن استمرار الأعباء المعيشية جعل تقييم الناخبين لأداء الحكومة أكثر ارتباطًا بالنتائج التي يشعرون بها في حياتهم اليومية.

تفاوت التعافي الاقتصادي بين المدن والمناطق الريفية في نيوزيلندا

أظهرت المؤشرات الاقتصادية وجود اختلافات واضحة في أداء المناطق النيوزيلندية، حيث حققت المناطق الريفية، خاصة في الجزيرة الجنوبية، نتائج أفضل نسبيًا بفضل تحسن النشاط السياحي وزيادة الصادرات الزراعية.

وانعكس هذا التحسن على حركة الإنفاق التجاري، حيث ارتفعت مبيعات التجزئة في المناطق الريفية بنسبة 8.6% على أساس سنوي خلال الربع الثاني، في مؤشر على استفادة هذه المناطق من انتعاش بعض الأنشطة الاقتصادية.

وعلى الجانب الآخر، لم تحقق المدن الكبرى مثل أوكلاند وويلينغتون، الواقعتين في الجزيرة الشمالية، المستوى نفسه من التحسن، حيث سجل الإنفاق الاستهلاكي زيادة بلغت 5.8% فقط، ما يعكس استمرار ضعف الطلب داخل المراكز الحضرية.

ارتفاع البطالة في الجزيرة الشمالية يزيد الضغوط الاقتصادية

لم يقتصر التفاوت بين المناطق على مستويات الإنفاق، بل امتد أيضًا إلى سوق العمل، حيث تراجعت البطالة في الجزيرة الجنوبية بنحو 0.6 نقطة مئوية، بينما ارتفعت في الجزيرة الشمالية بمقدار 0.7 نقطة مئوية خلال الفترة نفسها.

وتعكس هذه الأرقام اختلاف الظروف الاقتصادية بين المناطق، خاصة أن المدن الكبرى تواجه ضغوطًا مرتبطة بتراجع النشاط التجاري وضعف الاستهلاك، وهو ما يؤثر على الشركات وفرص العمل.

وفي هذا السياق، أوضح جارود كير، كبير الاقتصاديين في بنك كيوي، أن الاقتصاد النيوزيلندي تعرض لسلسلة من الصدمات المتتالية التي أخرت التعافي المنتظر، مشيرًا إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة لا يزال يمثل عبئًا كبيرًا على الأسر وقطاع الأعمال.

وأضاف أن نحو ثلث الاقتصاد يسجل أداءً جيدًا، بينما لا يزال الجزء الأكبر، الذي يمثل الثلثين، يواجه صعوبات في استعادة نشاطه بصورة طبيعية.

تراجع أسعار المنازل يفاقم أزمة المعيشة في نيوزيلندا

يمثل انخفاض أسعار العقارات أحد أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه الحكومة، خاصة مع تأثيره المباشر على ثروات الأسر ومستويات الإنفاق الاستهلاكي.

وتراجعت أسعار المنازل في العاصمة ويلينغتون بنحو 30% مقارنة بأعلى مستوياتها السابقة، بينما سجلت أوكلاند انخفاضًا بلغ 24.7%، في حين وصلت نسبة التراجع على مستوى البلاد إلى 17%.

وأدى انخفاض قيمة العقارات إلى تراجع ثروات شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة، بالتزامن مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الإنفاق في المدن الكبرى، الأمر الذي انعكس على النشاط التجاري وقدرة الأسر على تحمل الالتزامات المالية.

كما زادت تخفيضات الإنفاق الحكومي من حدة الضغوط في العاصمة، بعدما تسببت في إلغاء وظائف للمتعاقدين وتقليص حجم الأعمال لدى عدد من الشركات المحلية، ما أضاف تحديات جديدة أمام الحكومة في محاولتها تنشيط الاقتصاد.

سياسات كريستوفر لوكسون الاقتصادية تواجه اختبارًا قبل الانتخابات

تجد الحكومة النيوزيلندية نفسها أمام مهمة صعبة لإقناع المواطنين بأن إجراءات ضبط الإنفاق العام وزيادة الاستثمارات في مشروعات البنية التحتية ستؤدي إلى تحسن ملموس في الأوضاع الاقتصادية.

ورغم تأكيد الحزب الوطني أن الإصلاحات التي بدأ تنفيذها تحتاج إلى مزيد من الوقت حتى تظهر نتائجها، فإن استمرار الضغوط المعيشية بعد مرور ثلاث سنوات على توليه السلطة يضع هذه الرسالة أمام اختبار حقيقي.

ويرى المحلل السياسي ليام هيهير أن مطالبة الحزب الوطني للناخبين بمنحه فرصة إضافية للاستفادة من نتائج الإصلاحات أصبحت أكثر صعوبة، خاصة مع تكرار التعهدات بتحسن الأوضاع الاقتصادية دون ظهور تغيير كافٍ يشعر به المواطنون.

المعارضة تستغل الأزمة الاقتصادية لاستقطاب الناخبين

في المقابل، تحاول القوى السياسية المعارضة تقديم بدائل اقتصادية تستهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين، حيث يدعو التحالف اليساري إلى توسيع دور الحكومة في دعم الخدمات العامة وتحسين القدرة على تحمل تكاليف السكن.

كما تسعى الأحزاب الصغيرة، ومن بينها حزب الفرصة الوسطي، إلى جذب الناخبين غير الراضين عن المنافسة التقليدية بين التيارات السياسية الرئيسية، مستفيدة من حالة عدم الرضا المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية.

وتضع هذه التحركات الحكومة أمام منافسة أكثر تعقيدًا، خاصة مع تزايد اهتمام الناخبين بالملفات المرتبطة بالدخل والسكن وفرص العمل وجودة الخدمات العامة.

استطلاعات الرأي تزيد الغموض بشأن الحكومة النيوزيلندية المقبلة

تشير استطلاعات الرأي إلى عدم وجود مسار محسوم يضمن لأي من التحالفات السياسية المحتملة القدرة على تشكيل الحكومة المقبلة، ما يجعل نتائج الانتخابات مرتبطة بدرجة كبيرة بمواقف الناخبين من أداء الاقتصاد والسياسات المعيشية.

وتشكل الفجوة بين تحسن أوضاع المناطق الريفية واستمرار الصعوبات في المدن الكبرى أحد أبرز التحديات التي تواجه الحزب الوطني، بالإضافة إلى تراجع أسعار العقارات وارتفاع تكاليف المعيشة.

وبينما يتمسك كريستوفر لوكسون وحزبه بأن خطتهما الاقتصادية بدأت تمهد الطريق لتحقيق نمو أقوى، فإن الناخبين يواجهون واقعًا مختلفًا تحكمه الضغوط المالية وضعف القدرة الشرائية، وهو ما يجعل الانتخابات المقبلة اختبارًا مهمًا لمدى نجاح الحكومة في الحفاظ على ثقة الشارع النيوزيلندي.