ارتفاع عوائد السندات يفاقم ضغوط الديون في أوروبا وسط تصاعد الاحتجاجات


الجريدة العقارية الخميس 22 أكتوبر 2026 | 10:52 مساءً
عوائد السندات
عوائد السندات
محمد عاطف

تواجه الاقتصادات الأوروبية المثقلة بالديون ضغوطًا متزايدة مع اتساع موجة بيع السندات الحكومية وارتفاع تكاليف الاقتراض، في وقت تتصاعد فيه الاضطرابات الاجتماعية بسبب غلاء المعيشة والسكن.

وتجاوز العائد على السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات مستوى 5% يوم الخميس، مسجلًا أعلى مستوياته في 24 عامًا. كما اتسع الفارق بين عائدها وعائد السندات الألمانية القياسية إلى نحو 180 نقطة أساس، بما يعادل 1.8%، وهو المستوى الأعلى منذ ذروة أزمة ديون منطقة اليورو عام 2011.

وتأتي هذه التطورات في ظل عجز مالي فرنسي كبير تفاقمت تداعياته بفعل الجمود السياسي في باريس، بالتزامن مع اضطرابات اجتماعية تُعد من الأشد التي شهدتها البلاد منذ سنوات.

ضغوط تمتد إلى إيطاليا وبلجيكا

لم تقتصر تداعيات تراجع السندات الفرنسية على باريس، إذ كثف المستثمرون ضغوطهم على دول أخرى، من بينها إيطاليا وبلجيكا واليونان، وسط مخاوف من ارتفاع تكلفة تمويل الديون الحكومية.

وفي بلجيكا، خرج طلاب إلى الشوارع خلال عطلة نهاية الأسبوع احتجاجًا على ارتفاع تكاليف السكن، بينما شهدت إيطاليا احتجاجات أيضًا.

وصعد العائد على السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات بمقدار 14 نقطة أساس خلال الأسبوع الجاري، ليصل إلى 4.616%، مقتربًا من أعلى مستوى له في ثلاث سنوات، والمسجل في مطلع أكتوبر.

وفي بلجيكا، ارتفع الفارق بين عائد السندات لأجل 10 سنوات ونظيرتها الألمانية إلى 109 نقاط أساس، وهو أعلى مستوى في 14 عامًا.

وقال مايك بيل، رئيس استراتيجية الأسواق لدى شركة «بلو باي» لإدارة الأصول، إن المستثمرين ينظرون إلى المستقبل ويقيّمون تداعيات استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض، مشيرًا إلى أن الحكومات ستضطر في نهاية المطاف إلى إعادة تمويل ديونها بأسعار فائدة أعلى.

ورغم أن بيل لا يتوقع اتساع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى المستويات التي سجلها الفارق بين السندات الإيطالية والإسبانية ونظيرتها الألمانية خلال أزمة الديون، عندما بلغ 6% و5% على التوالي، فإنه لم يستبعد تجاوزه مستوى 2%.

وأضاف أن مخاوف المستثمرين من عدم اتخاذ السياسيين الفرنسيين الإجراءات اللازمة لوضع الدين العام على مسار مستدام قد تزيد الضغوط، خصوصًا مع تصاعد الاحتجاجات.

تكاليف الاقتراض البلجيكية عند أعلى مستوى منذ 2012

شهدت عوائد السندات البلجيكية ارتفاعًا تدريجيًا خلال العام الجاري، بالتزامن مع زيادات مماثلة في دول أخرى، مدفوعة جزئيًا بصعود أسعار الطاقة. لكن وتيرة الارتفاع تسارعت مؤخرًا.

وزادت عوائد السندات البلجيكية لأجل 10 سنوات بما يصل إلى 12 نقطة أساس يوم الخميس، لتبلغ 4.54%، وهو أعلى مستوى منذ مطلع عام 2012.

وفي إشارة أخرى إلى تزايد قلق المستثمرين، ارتفعت تكلفة التأمين ضد مخاطر تعثر بلجيكا عن سداد ديونها إلى نحو 39 نقطة أساس يوم الخميس، مسجلة أعلى مستوى منذ أبريل 2020.

ورغم أن هذه المستويات لا تزال أقل بكثير من تلك المسجلة خلال أزمة ديون منطقة اليورو عام 2012، فإن سرعة ارتفاع عقود مبادلة مخاطر الائتمان البلجيكية تضاهي نظيرتها الفرنسية، بعدما تجاوزت الزيادة في كليهما الضعف خلال الشهر الماضي.

وقال كريس سكيلونا، رئيس الأبحاث لدى «دايوا كابيتال ماركتس»، إن مستويات الدين في بلجيكا مرتفعة منذ فترة طويلة، كما أن البلاد لديها تاريخ من الجمود السياسي وتعطل عمل الحكومة، وهي عوامل لا تساعد على خفض العجز المالي.

وأضاف أن هذه الظروف تثير قلق المستثمرين، لكنه أوضح أن الوضع البلجيكي لا يصل إلى مستوى الحالة الفرنسية.

الانتخابات المقبلة تزيد الشكوك بشأن الدين الإيطالي

وعادت إيطاليا إلى دائرة اهتمام المستثمرين، رغم الأداء القوي لسنداتها خلال السنوات الأخيرة، والذي دفع عوائدها إلى الانخفاض دون نظيرتها الفرنسية في سبتمبر من العام الماضي، للمرة الأولى منذ أزمة الديون.

ويرى محللون أن الانتخابات المقررة العام المقبل تثير تساؤلات بشأن قدرة الحكومة الإيطالية على تنفيذ خطط للحد من ارتفاع الدين العام.

وعقب اضطرابات شهدتها مدن في شمال إيطاليا خلال عطلة نهاية الأسبوع، من بينها ميلانو، العاصمة المالية للبلاد، أقرت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إجراءات أكثر تشددًا لمكافحة أعمال الشغب.

وقال مارك أوستوالد، كبير الاقتصاديين العالميين لدى «إيه إس إم إنفستور سيرفيسز»، إن أسعار الوقود والضغوط الناجمة عن ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن لا تزال من أبرز أسباب الاستياء الشعبي.

وأضاف أن هذه التطورات تظهر أنه رغم استمرار تمتع العديد من الاقتصادات المتقدمة بقدر ملحوظ من المرونة، فإن غالبية السكان لا يشعرون بتحسن ملموس في أوضاعهم المعيشية.