كيف واجه الاقتصاد المصري التحديات الإقليمية ونجح في تجاوز تداعياتها؟


الجريدة العقارية الخميس 22 أكتوبر 2026 | 12:37 مساءً
الاقتصاد المصري
الاقتصاد المصري
عبدالله محمود

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وما تفرضه من تحديات على الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية وتكاليف التمويل، أظهر الاقتصاد المصري مؤشرات تعكس قدرته على التكيف مع المتغيرات الخارجية وتعزيز الاستقرار المالي. وجاء تحسن معدلات النمو الاقتصادي، وتراجع التضخم والبطالة والعجز الكلي للموازنة، إلى جانب الارتفاع الملحوظ في الاحتياطيات الدولية، ليعزز من قدرة الدولة على مواجهة الصدمات الاقتصادية. وانعكست هذه التطورات على تقييمات مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية، التي رصدت تقدمًا في مسار الإصلاحات الاقتصادية وتحسنًا في المؤشرات المالية والخارجية لمصر.

نمو اقتصادي وتحسن في المؤشرات الرئيسية

سجل الاقتصاد المصري أداءً إيجابيًا خلال العام المالي 2025/2026، محققًا معدل نمو بلغ 5.1%، وهو الأعلى خلال ثلاث سنوات، مقارنة بنحو 4.4% في العام المالي السابق، بما يعكس تحسن النشاط الاقتصادي وقدرة القطاعات الإنتاجية على دعم النمو رغم استمرار التحديات الخارجية.

وعلى صعيد سوق العمل، انخفض معدل البطالة إلى 5.8% خلال الربع الثاني من عام 2026، مقابل 6.1% خلال الفترة نفسها من عام 2025، في مؤشر على التحسن النسبي في فرص التشغيل. كما تراجع العجز الكلي للموازنة العامة إلى 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2025/2026، مقارنة بـ7.1% في العام السابق، بما يشير إلى تقدم جهود ضبط المالية العامة وتحسين إدارة موارد الدولة.

وفيما يتعلق بمستويات الأسعار، انخفض معدل التضخم العام في المدن إلى 13.3% خلال العام المالي 2025/2026، مقابل 20.4% خلال العام المالي السابق. كذلك ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية إلى مستوى قياسي بلغ 57.3 مليار دولار في سبتمبر 2026، مقارنة بنحو 49.5 مليار دولار في الشهر نفسه من عام 2025، وهو ما يوفر دعمًا إضافيًا لقدرة الاقتصاد على الوفاء بالتزاماته الخارجية واحتواء التقلبات في الأسواق الدولية.

«موديز» ترفع التصنيف الائتماني لمصر

وعلى مستوى تقييم المؤسسات الدولية، عكست قرارات وكالات التصنيف الائتماني تطورات الأداء الاقتصادي والمالي المصري. فقد رفعت وكالة «موديز» التصنيف الائتماني السيادي لمصر من Caa1 إلى B3 في أكتوبر 2026، مع الإبقاء على النظرة المستقبلية الإيجابية، استنادًا إلى تحسن المؤشرات المالية والخارجية واستمرار تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية.

وأشارت الوكالة إلى تراجع الدين الحكومي إلى 81.8% من الناتج المحلي الإجمالي في يونيو 2026، مع توقع استمرار انخفاض أعباء الفوائد، فضلًا عن ارتفاع الفائض الأولي للموازنة إلى 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2025/2026، مدعومًا بتحسن تحصيل الإيرادات وترشيد الإنفاق الحكومي.

كما ساهم تبني سعر صرف مرن وتشديد السياسة النقدية في دعم الاحتياطيات الدولية وتعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات. ويأتي هذا التطور بعد فترة من الضغوط، خفضت خلالها «موديز» تصنيف مصر من B3 إلى Caa1 في عام 2023، قبل أن تعيد النظرة المستقبلية إلى إيجابية في مارس 2024، مع تثبيت التصنيف حتى أبريل 2026.

«ستاندرد آند بورز» و«فيتش» تؤكدان استقرار التقييم

من جانبها، أبقت وكالة «ستاندرد آند بورز» على التصنيف الائتماني السيادي لمصر عند B في أكتوبر 2026، مع نظرة مستقبلية مستقرة، مستندة إلى تحسن الأداء الاقتصادي وارتفاع الاحتياطيات الدولية، بما يعزز قدرة البلاد على مواجهة التداعيات المحتملة للتوترات الإقليمية.

ولفتت الوكالة إلى دور تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وإيرادات السياحة، والتعافي النسبي لعائدات قناة السويس في تخفيف الضغوط على الميزان التجاري، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا. كما رصدت انخفاض الاحتياجات التمويلية بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2025/2026، إلى جانب استمرار زخم الإصلاحات الاقتصادية.

وكانت الوكالة قد خفضت تصنيف مصر إلى B- في أكتوبر 2023، قبل أن ترفع التصنيف إلى B في أكتوبر 2025، مع الإبقاء على النظرة المستقبلية المستقرة خلال أبريل وأكتوبر 2026، في تطور يعكس تحسن تقييمها لقدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع المخاطر الخارجية.

وفي السياق ذاته، ثبتت وكالة «فيتش» التصنيف الائتماني لمصر عند B في أكتوبر 2026، مع نظرة مستقبلية مستقرة، مدعومة بتوقعات تحسن أوضاع المالية العامة والحسابات الخارجية. وتوقعت الوكالة انخفاض عجز الموازنة إلى أقل من 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام المالي 2027/2028، مع تراجع عجز الحساب الجاري إلى أقل من 3.5% من الناتج خلال الفترة نفسها.

كما رجحت انخفاض الدين العام إلى نحو 72% من الناتج المحلي الإجمالي، مستفيدة من تراجع أعباء فوائد الدين، والإجراءات الضريبية، وتحسن أداء قطاعي السياحة والصناعات التحويلية الموجهة للتصدير.

وكانت «فيتش» قد خفضت تصنيف مصر من B إلى B- في نوفمبر 2023، قبل أن تعدل النظرة المستقبلية إلى إيجابية في مايو 2024، ثم ترفع التصنيف إلى B في نوفمبر من العام نفسه، وهو المستوى الذي حافظت عليه في تقييماتها اللاحقة.

الإصلاحات الاقتصادية ركيزة لتعزيز الاستقرار

وتعكس المؤشرات الاقتصادية وتطورات التصنيف الائتماني أهمية مواصلة الإصلاحات الهيكلية، وتعزيز كفاءة الإنفاق العام، وتنمية مصادر النقد الأجنبي، وزيادة مساهمة القطاعات الإنتاجية والتصديرية في النشاط الاقتصادي.

ورغم التحسن المسجل، تظل التوترات الإقليمية وتقلبات أسعار الطاقة وتكاليف التمويل الدولية عوامل مؤثرة في آفاق الاقتصاد المصري. ومن ثم، فإن الحفاظ على استقرار المؤشرات المالية والخارجية يتطلب استمرار السياسات الداعمة للنمو، وتحسين مناخ الاستثمار، وتوسيع القاعدة الإنتاجية.

وفي المحصلة، تشير تطورات النمو والتضخم والبطالة والاحتياطيات الدولية، إلى جانب قرارات وكالات التصنيف الائتماني، إلى تحسن نسبي في قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الضغوط الخارجية. ويظل استمرار هذا المسار مرتبطًا بمدى القدرة على تحويل نتائج الإصلاحات إلى نمو مستدام، وفرص عمل أوسع، وتحسن ملموس في مستويات المعيشة، مع الحفاظ على الاستقرار المالي وتعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية.