تتزايد حدة الاحتجاجات في فرنسا وسط تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه فئات واسعة من المجتمع، في مقدمتها المتقاعدون والطلاب والعمال، مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتوجه الحكومة نحو خفض الإنفاق العام لمواجهة التحديات المالية.
وقال الدكتور حسن عبيد، مدير قسم الاقتصاد والعلاقات الدولية في Paris School of Business، إن التحركات الاحتجاجية الحالية تعكس تراكم أزمات معيشية واجتماعية، في وقت تواجه فيه الحكومة صعوبة في تحقيق التوازن بين الاستجابة لمطالب المواطنين والسيطرة على عجز الموازنة وارتفاع الدين العام.
وأضاف عبيد، أن مناقشة الموازنة الفرنسية الجديدة وما تتضمنه من إجراءات تقشفية محتملة تصل قيمتها إلى 45 مليار يورو تزيد المخاوف بشأن الأوضاع المعيشية، خاصة لدى الفئات التي تعتمد على المعاشات والدخول المحدودة.
ارتفاع تكاليف المعيشة يضع المتقاعدين والطلاب تحت الضغط
يُعد المتقاعدون من أبرز الفئات المتأثرة بالضغوط الاقتصادية في فرنسا، خصوصًا مع تراجع القدرة الشرائية وعدم مواكبة المعاشات لمعدلات التضخم، إلى جانب المخاوف من انعكاسات إجراءات خفض الإنفاق الحكومي على دخولهم.
كما امتدت الاحتجاجات إلى طلاب المدارس الثانوية، الذين أثاروا مخاوف بشأن تراجع ظروف التعليم، لا سيما بعد موجات الحرارة الشديدة التي شهدها الصيف الماضي، والتي كشفت عن مشكلات في تجهيز بعض المباني التعليمية وقدرتها على توفير بيئة مناسبة للدراسة.
وتشمل أسباب الاعتراضات أيضًا نظام القبول الجامعي الفرنسي المعروف باسم «باركور سوب» (Parcoursup)، إذ يرى بعض الطلاب أن آليات الالتحاق بالتعليم الجامعي قد لا تحقق تكافؤ الفرص بصورة كافية بين الطلاب القادمين من المناطق الفقيرة ونظرائهم في المناطق الأكثر ثراءً.
وفي الوقت نفسه، يفاقم ارتفاع أسعار السلع والخدمات والوقود الأعباء على الأسر الفرنسية، خاصة أصحاب الدخول المحدودة، ما يزيد من حدة الاستياء الاجتماعي ويجعل المطالب الاقتصادية في صدارة التحركات الاحتجاجية.
الانتخابات الرئاسية المقبلة تزيد حدة التوتر السياسي
لا تقتصر دوافع الاحتجاجات الفرنسية على الأوضاع الاقتصادية، بل تتداخل معها حسابات سياسية مرتبطة بالانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027.
وبحسب عبيد، يسعى المحتجون إلى إيصال رسائل مبكرة إلى القوى السياسية بشأن رفض استمرار بعض السياسات الحالية، والتأكيد على ضرورة إشراك المواطنين في تحديد التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد خلال المرحلة المقبلة.
ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه حساسية النقاش العام حول الإنفاق الحكومي والإصلاحات الاقتصادية، مع تصاعد المطالب المتعلقة بحماية القدرة الشرائية وتحسين الخدمات العامة وضمان العدالة في فرص التعليم.
هل تقدم الحكومة الفرنسية تنازلات لاحتواء الاحتجاجات؟
يرى عبيد أن الاحتجاجات الشعبية لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير كامل في السياسات الحكومية، لكنها قد تدفع السلطات إلى مراجعة بعض القرارات أو تقديم تنازلات محددة لاحتواء الغضب العام.
واستشهد باحتجاجات «السترات الصفراء» التي اندلعت عام 2018، مشيرًا إلى أنها دفعت الحكومة الفرنسية آنذاك إلى تخصيص مبالغ تراوحت بين 10 و15 مليار دولار للاستجابة لبعض المطالب الاجتماعية.
وأوضح أن التجربة الفرنسية تُظهر إمكانية التوصل إلى حلول جزئية تحت ضغط الشارع، لكنها لا تعني قدرة الحكومة على تلبية جميع المطالب في وقت واحد، خصوصًا عندما تتطلب بعض الملفات تغييرات هيكلية طويلة الأجل.
ويبرز إصلاح التعليم مثالًا على هذه التحديات، حيث يحتاج تطوير منظومة القبول الجامعي والتمويل وتحسين البنية التحتية للمدارس إلى خطط ممتدة وموارد مالية، وليس مجرد قرارات سريعة يمكن تنفيذها خلال أيام أو أسابيع.
الدين العام يحد من قدرة الحكومة على تلبية المطالب
يمثل ارتفاع الدين العام الفرنسي أحد أبرز العوائق أمام توسيع الإنفاق الاجتماعي، إذ تجاوزت نسبته 118% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقًا للأرقام التي أشار إليها عبيد.
ويؤدي هذا الوضع إلى تضييق الخيارات المتاحة أمام الحكومة، خاصة مع ارتفاع تكاليف خدمة الدين والحاجة إلى توفير التمويل اللازم للخدمات العامة، بالتزامن مع المطالب بزيادة الإنفاق على التعليم والحماية الاجتماعية وتحسين مستويات المعيشة.
وأكد عبيد أن التعامل مع الأزمة لا يعتمد على حل مالي سريع، بل يتطلب حوارًا بين الحكومة ومختلف فئات المجتمع للوصول إلى تسوية توازن بين الاحتياجات الاجتماعية والقدرات المالية للدولة.
وتزداد صعوبة المهمة مع اقتراب مناقشة مشروع الموازنة في البرلمان الفرنسي، في ظل انقسام المشهد السياسي بين قوى اليسار واليمين واليمين المتطرف، ما يعقد فرص التوصل إلى توافق بشأن الإجراءات المالية المقترحة.
المادة 49.3 تضع الموازنة الفرنسية أمام سيناريوهات معقدة
في حال تمسكت الحكومة بمشروع الموازنة بصيغته الحالية ولم تتمكن من تأمين الدعم البرلماني اللازم، فقد تلجأ إلى المادة 49.3 من الدستور الفرنسي، التي تتيح تمرير بعض مشروعات القوانين دون تصويت نهائي عليها، مع إمكانية إسقاط الحكومة إذا نجحت المعارضة في تمرير مذكرة حجب الثقة وفق الإجراءات الدستورية.
وحذر عبيد من أن استخدام هذه المادة قد يؤدي إلى زيادة التوتر السياسي وتوسيع نطاق الاحتجاجات، خاصة إذا اعتبر المحتجون أن الحكومة تتجاوز الاعتراضات البرلمانية والشعبية على الإجراءات التقشفية.
وفي المقابل، يمكن للسلطات مراجعة بعض بنود الموازنة أو تقديم تنازلات محددة لتسهيل تمريرها والحد من الاحتقان الاجتماعي.
لكن قدرة الحكومة على تقديم دعم مالي واسع تظل محدودة، في ظل ارتفاع الدين وتكاليف الاقتراض، إذ إن اللجوء إلى مزيد من الديون لتمويل المطالب الاجتماعية قد يزيد الأعباء المالية على المدى الطويل.
خسائر الاحتجاجات الفرنسية قد تصل إلى 3 مليارات يورو
يصعب تحديد التكلفة الاقتصادية الدقيقة للاحتجاجات في فرنسا، إذ تتوقف على مدة التحركات وحجم انتشارها والقطاعات التي تتأثر بها، فضلًا عن اختلاف الخسائر المباشرة، مثل تعطل الأنشطة التجارية والنقل، عن التداعيات غير المباشرة التي قد تمتد إلى الاستثمار والاستهلاك.
وأشار عبيد إلى أن التقديرات المستندة إلى تجارب احتجاجية سابقة تضع التكلفة الاقتصادية المحتملة في نطاق يتراوح بين ملياري و3 مليارات يورو، مع اختلاف القيمة الفعلية بحسب تطورات الأحداث واتساع نطاق الاضطرابات.
وتعكس هذه التقديرات حجم المخاطر التي قد تواجه الاقتصاد الفرنسي إذا استمرت الاحتجاجات لفترة طويلة وأثرت في النشاط التجاري والخدمي.
وفي النهاية، ستتوقف قدرة فرنسا على احتواء الأزمة على مدى نجاح الحكومة والقوى السياسية والاجتماعية في التوصل إلى تفاهمات تخفف أعباء المعيشة، من دون زيادة الضغوط على المالية العامة أو تعميق مشكلة الدين.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض