أسعار الغاز العالمية مهددة بالارتفاع مع اقتراب الشتاء ونقص الإمدادات


الجريدة العقارية الاحد 18 أكتوبر 2026 | 04:39 مساءً
الغاز
الغاز
أحمد رجب

تزداد المخاوف بشأن مستقبل سوق الغاز الطبيعي العالمية مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل استمرار تعطل جزء كبير من إمدادات الغاز الطبيعي المسال القطري عبر مضيق هرمز، وتراجع مخزونات الغاز في أوروبا إلى مستويات أقل من المعتاد. وتأتي هذه التطورات رغم زيادة الصادرات من الولايات المتحدة وأستراليا، التي لم تنجح حتى الآن في تعويض النقص بالكامل.

وتشير تقديرات معهد أكسفورد لدراسات الطاقة إلى احتمال تجاوز العقود الآجلة للغاز الأوروبي مستوى 30 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية بحلول مارس 2027، إذا استمر تعثر المسار الدبلوماسي ولم تعد إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط قبل دخول الشتاء.

في المقابل، يرى المعهد أن تحسن الإمدادات العالمية خلال السنوات المقبلة، إلى جانب احتمالات اعتدال الطقس في أوروبا، قد يسهم في تخفيف الضغوط السعرية، رغم استمرار المخاطر التي تهدد توازن السوق على المدى القريب.

مضيق هرمز يعيد مخاوف ارتفاع أسعار الغاز

شهدت أسعار الغاز العالمية ارتفاعات قوية خلال الربع الثالث من عام 2026، بعد تعثر الاتفاق الذي أُعلن في يونيو بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الصراع وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة البحرية، بالتزامن مع تراجع فرص التوصل إلى تسوية سياسية دائمة.

وخلال معظم الربع الثاني، تحرك المؤشر الأوروبي المرجعي «TTF» ضمن نطاق يتراوح بين 13.50 و17.50 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. لكن عودة العمليات العسكرية وتراجع المساعي الدبلوماسية دفعت العقود الآجلة لأقرب شهر إلى الصعود، لتسجل نحو 28 دولارًا في منتصف سبتمبر، مقارنة بذروة بلغت 21 دولارًا في منتصف مارس.

ورغم تراجع الأسعار نسبيًا خلال النصف الثاني من سبتمبر، لا تزال السوق معرضة لتقلبات جديدة، خاصة مع صعوبة إعادة مخزونات الغاز الأوروبية إلى متوسطاتها التاريخية. ويزيد ذلك من حساسية الأسعار أمام موجات البرد أو تراجع إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح خلال الشتاء.

وفي المقابل، هبطت العقود الآجلة للغاز المقرر تسليمه في الربع الثاني من عام 2028 إلى نحو 12 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في الأول من أكتوبر. ويعكس هذا المستوى توقعات بتحسن العرض والطلب مع زيادة إمدادات الغاز الطبيعي المسال مستقبلًا، لكنه لا يعني انتهاء المخاطر التي تواجه السوق خلال الأشهر القريبة.

تعافي صادرات النفط لا يعني عودة إمدادات الغاز القطري

يفصل معهد أكسفورد لدراسات الطاقة بين تطورات سوق النفط والغاز في ظل أزمة مضيق هرمز، موضحًا أن صادرات النفط اقتربت من مستوياتها الطبيعية في أواخر سبتمبر، بينما لا تزال صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال متوقفة إلى حد كبير.

وفي هذا السياق، مددت شركة قطر للطاقة حالة القوة القاهرة لبعض التزاماتها التعاقدية حتى نوفمبر، ما يعكس استمرار الغموض بشأن موعد عودة الشحنات إلى طبيعتها. ورغم توقعات بإمكانية إعادة تشغيل وحدات تسييل الغاز غير المتضررة في رأس لفان خلال وقت قصير، فإن استقرار الإمدادات يظل مرتبطًا بالتوصل إلى اتفاق سياسي مستدام مع إيران.

وتكمن صعوبة الأزمة في أن الغاز الطبيعي المسال يختلف عن النفط من حيث التخزين والنقل؛ إذ لا تتوافر له مرونة مماثلة في التخزين، كما أن شحناته تواجه قيودًا في إيجاد مسارات بديلة لتجاوز الممرات البحرية الحيوية. وبالتالي، فإن تحسن حركة الملاحة وحده لا يضمن عودة الإمدادات إلى مستوياتها السابقة.

وبحسب تقديرات المعهد، تجاوزت صادرات قطر قليلًا ملياري متر مكعب شهريًا، يتجه نحو نصفها إلى دول داخل الشرق الأوسط، بينما يذهب النصف الآخر إلى أسواق خارج المنطقة. ويظل هذا المستوى أقل بكثير من أكثر من 10 مليارات متر مكعب شهريًا قبل الأزمة، في حين توقفت الشحنات المتجهة إلى أوروبا منذ اندلاع الصراع مع إيران.

الإمدادات الأمريكية والأسترالية تحد من نقص الغاز العالمي

ساعد ارتفاع إنتاج وصادرات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وأستراليا على تخفيف تداعيات تراجع الإمدادات القطرية، لكن الكميات المتاحة عالميًا لا تزال أقل من مستوياتها المسجلة قبل عام.

وبلغ إجمالي إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميًا نحو 127.7 مليار متر مكعب خلال الربع الثالث من عام 2026، مقارنة بـ125.1 مليار متر مكعب في الربع الثاني. ومع ذلك، بقيت الإمدادات دون مستوى 135 مليار متر مكعب المسجل خلال الربع الثالث من عام 2025.

وفي أمريكا الشمالية، ارتفعت صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى 47.3 مليار متر مكعب خلال الربع الثالث، بزيادة سنوية بلغت 22%، بما يعادل 8.5 مليار متر مكعب إضافية.

وتوضح هذه الأرقام الدور المتزايد للإمدادات الأمريكية في الحد من نقص المعروض، لكنها تشير أيضًا إلى أن زيادة الإنتاج لا تكفي وحدها لسد الفجوة الناتجة عن تعطل الشحنات القادمة من الشرق الأوسط.

مصر ترفع واردات الغاز المسال لتلبية احتياجات السوق المحلية

في ظل التغيرات التي تشهدها سوق الغاز العالمية، ارتفعت واردات مصر من الغاز الطبيعي المسال إلى أعلى مستوى لها خلال الربع الثالث من العام الجاري، مع زيادة احتياجات السوق المحلية من الغاز، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير.

واستقبلت مصر نحو 55 شحنة من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي خلال هذه الفترة، في إطار جهود تأمين احتياجات البلاد من الوقود، خاصة مع ارتفاع الطلب على الغاز المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء.

وعادت مصر إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال في أبريل 2024، لمواجهة نمو الاستهلاك المحلي وتقليل انقطاعات الكهرباء. ومع بداية عام 2025، توسعت وزارة البترول في استيراد الشحنات، بالتزامن مع إبرام تعاقدات لاستئجار أربع وحدات لتغويز الغاز.

وتؤدي هذه الوحدات دورًا أساسيًا في استقبال الغاز المسال المستورد وتحويله من الحالة السائلة إلى الغازية، قبل ضخه في شبكة الغاز القومية، بما يسمح باستخدامه في تلبية احتياجات قطاعات الكهرباء والصناعة والاستهلاك المحلي.

مخزونات الغاز الأوروبية تزيد المخاوف قبل الشتاء

تواجه أوروبا تحديات متزايدة مع اقتراب موسم الشتاء، نتيجة تراجع واردات الغاز الطبيعي المسال وانخفاض مستويات التخزين مقارنة بالعام الماضي.

وانخفضت واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 37% مقارنة بالربع الأول من عام 2026، كما تراجعت بنسبة 17% على أساس فصلي، بما يعادل نحو 6 مليارات متر مكعب، لتصل إلى أدنى مستوياتها خلال عامين.

وفي نهاية الربع الثالث، سجلت مخزونات الغاز الأوروبية نحو 75.8 مليار متر مكعب، بما يعادل 71.6% من إجمالي السعة التخزينية، بانخفاض سنوي قدره 12.2 مليار متر مكعب.

ويتوقع معهد أكسفورد لدراسات الطاقة أن تدخل أوروبا شهر نوفمبر بمستويات تخزين قد تقل عن 75%، في ظل انخفاض المخزونات عند بداية موسم الحقن وتراجع إمدادات الغاز المسال، إلى جانب ضعف الحوافز الموسمية لتخزين كميات إضافية.

وتجعل هذه الظروف القارة الأوروبية أكثر اعتمادًا على الإمدادات عبر خطوط الأنابيب، إذ بلغت وارداتها من الغاز النرويجي 29.3 مليار متر مكعب خلال الربع الثالث، مقابل 28.7 مليار متر مكعب في الفترة نفسها من العام السابق. وفي الوقت نفسه، ظلت الإمدادات القادمة من شمال أفريقيا إلى إسبانيا وإيطاليا مستقرة نسبيًا.

ارتفاع الأسعار يدفع المستهلكين إلى خفض استهلاك الغاز

لم تقتصر آثار اضطرابات سوق الغاز على نقص الإمدادات، بل امتدت إلى مستويات الطلب، مع اتجاه بعض الأسواق إلى تقليل الاستهلاك نتيجة ارتفاع الأسعار.

وفي آسيا، تراجعت واردات الغاز الطبيعي المسال بنحو 3 مليارات متر مكعب، بما يعادل 3.5% على أساس سنوي، رغم تحسنها مقارنة بالربع الثاني من العام. وجاء هذا الانخفاض مع تراجع الطلب في الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة وبنغلاديش وباكستان، بينما سجلت تايوان والهند وتايلاند وفيتنام زيادات في الواردات.

أما في أوروبا، فقد انخفض الطلب على الغاز بنسبة 1.7% على أساس سنوي خلال الربع الثالث، فيما بلغ التراجع نحو 5% خلال سبتمبر.

وأسهم اعتدال الطقس في تقليل الحاجة إلى التدفئة، لكن ارتفاع الأسعار أضاف ضغطًا جديدًا على الاستهلاك، مع سعي المستهلكين إلى ترشيد استخدام الغاز في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن الإمدادات خلال الشتاء.

ظاهرة النينيو قد تخفف الطلب الأوروبي على الغاز

في مواجهة المخاوف المتعلقة بنقص الإمدادات، قد تلعب الظروف المناخية دورًا مهمًا في تحديد اتجاه سوق الغاز الأوروبية خلال الشتاء المقبل.

ويرى معهد أكسفورد لدراسات الطاقة أن احتمالات تأثر الطقس بظاهرة النينيو قد تسهم في جعل الأجواء أكثر اعتدالًا ورطوبة في مناطق واسعة من أوروبا، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى استخدام الغاز لأغراض التدفئة.

كما يمكن أن يساعد ارتفاع مستويات الرياح وتحسن الظروف المائية على زيادة إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، بما يخفف الضغط على محطات الكهرباء التي تعتمد على الغاز الطبيعي.

ومع ذلك، يظل تأثير الطقس عاملًا غير مضمون، إذ ستتوقف تطورات الأسعار على مدى استمرار تعطل الإمدادات القطرية، وسرعة تعافي المعروض العالمي، ومستويات المخزونات الأوروبية مع دخول الشتاء.