تواجه سوق العقارات الإسبانية حالة من الحذر مع اقتراب نهاية عام 2026، بعدما دفعت قرارات حكومية جديدة بشأن الإسكان، إلى جانب الدعوة لإجراء انتخابات عامة في 29 نوفمبر المقبل، المستثمرين إلى إعادة تقييم صفقاتهم وتأجيل بعضها، رغم التوقعات السابقة بتحقيق مستوى قياسي للاستثمارات العقارية يتجاوز 20 مليار يورو خلال العام.
وذكرت صحيفة «إل باييس» الإسبانية أن البلاد أصبحت وجهة جذابة لرؤوس الأموال الكبرى في القطاع العقاري، لكن التطورات التشريعية والسياسية الأخيرة دفعت المستثمرين إلى التريث خلال الربع الأخير من العام، وسط مخاوف من تأثير القواعد الجديدة على الاستثمارات السكنية المخصصة للإيجار.
ونقلت الصحيفة عن رابطة الاستشارات العقارية الإسبانية (ACI) أن المؤشرات الأولية تكشف عن زيادة الحذر وتشديد مراجعة الصفقات، خصوصًا في القطاع السكني المخصص للتأجير، بما في ذلك عمليات بيع الوحدات المؤجرة بالفعل.
وتضم الرابطة ثماني شركات استشارات عقارية كبرى، هي «بي إن بي باريبا ريال إستيت» و«كاتيلا» و«سي بي آر إي» و«كوليرز» و«كوشمان آند ويكفيلد» و«جيه إل إل» و«نايت فرانك» و«سافيلز»، وتعتمد السوق على تقديرات هذه الشركات في قياس حجم الاستثمارات، في ظل غياب بيانات رسمية موحدة.
12.4 مليار يورو استثمارات خلال النصف الأول
وبحسب بيانات شركة «سافيلز»، بلغت قيمة الصفقات العقارية في إسبانيا 12.4 مليار يورو خلال النصف الأول من العام، وشملت الفنادق والمكاتب والمستودعات اللوجستية والمجمعات السكنية المخصصة للإيجار ومراكز التسوق وسكن الطلاب، إلى جانب أصول عقارية أخرى.
وكانت تقديرات القطاع تشير إلى إمكانية وصول إجمالي الاستثمارات إلى مستوى قياسي يبلغ 20 مليار يورو بنهاية 2026، إلا أن التطورات الأخيرة أثارت تساؤلات بشأن توقيت إتمام الصفقات وحجم الاستثمارات التي قد تنتقل إلى العام المقبل.
وأكدت رابطة الاستشارات العقارية أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية للجزم بأن الإجراءات الجديدة ستؤثر في إجمالي الاستثمارات المستهدف خلال العام، في ضوء قوة النشاط المسجل خلال الأشهر التسعة الأولى.
لكنها أشارت إلى رصد صفقات تخضع للمراجعة واحتمالات لتأجيل إتمام بعضها، بما قد ينقل جانبًا من النشاط إلى عام 2027، محذرة من أن استمرار الغموض التشريعي قد يؤدي إلى تراجع المشروعات الجديدة والاستثمارات في الإسكان المخصص للإيجار.
المستثمرون يطالبون بوضوح التشريعات
من جانبه، قال كارلوس جارسيا ريدوندو، الرئيس التنفيذي لشركة «ديلز إسبانيا سي آر إي»، إن إسبانيا تنافس أسواقًا أوروبية أخرى على جذب رؤوس الأموال الدولية، وهو ما يجعل وضوح القواعد التنظيمية واستقرارها وتوفير ضمانات قانونية عناصر أساسية للحفاظ على ثقة المستثمرين.
وأضاف أن المستثمرين المؤسسيين يتخذون قراراتهم وفق آفاق زمنية متوسطة وطويلة الأجل، ويمكنهم التعامل مع التغييرات التشريعية، لكنهم يحتاجون إلى رؤية واضحة للقواعد التي ستنظم تنفيذ مشروعاتهم وتشغيلها.
وأشار إلى أن التعديلات التنظيمية قد تدفع بعض المستثمرين إلى تأجيل قراراتهم حتى تتضح الصورة، لا سيما في الاستراتيجيات المرتبطة بالعقارات السكنية المؤجرة.
وأوضح ريدوندو أنه لا يتوقع أن يؤدي إجراء حكومي واحد بمفرده إلى تغيير اتجاه الاستثمارات العقارية خلال 2026، لكنه حذر من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يحول دون استغلال الفرصة الحالية لتحويل جاذبية إسبانيا إلى تحول مستدام في نظرة رؤوس الأموال المؤسسية إلى السوق.
وبعد مشاركته في معرض «إكسبو ريال» بمدينة ميونخ الألمانية، أحد أبرز المعارض العقارية في أوروبا، أكد أن الاهتمام بإسبانيا لا يزال مرتفعًا، وإن كانت الاستفسارات بشأن مستقبل القواعد التنظيمية قد ازدادت.
ويرجح أن تتركز المخاوف بصورة أكبر على الاستثمارات السكنية، مقارنة بالمكاتب والمستودعات اللوجستية ومراكز التجزئة والفنادق، التي تعتمد قرارات الاستثمار فيها بدرجة أكبر على النمو الاقتصادي وأسعار الفائدة وتكاليف التمويل وظروف كل سوق.
تمديد عقود الإيجار يثير مخاوف الصناديق
وتتركز المخاوف الرئيسية حول مرسومين حكوميين بشأن الإسكان تعتزم الحكومة عرضهما على اللجنة الدائمة لمجلس النواب الإسباني، ويتضمن أحدهما تمديد عقود الإيجار تلقائيًا لمدة عامين إذا قرر المستأجر تجديدها.
وتقول الحكومة إن الإجراءات تستهدف ضمان الحق في السكن، المنصوص عليه في الدستور، ومكافحة المضاربة العقارية، إلى جانب تعزيز الأمان والاستقرار في العلاقات بين الملاك والمستأجرين.
لكن مسؤولًا متخصصًا في العقارات لدى إحدى شركات الاستشارات الكبرى المعروفة باسم «الأربع الكبرى» يرى أن عمليات شراء المحافظ السكنية المخصصة للإيجار قد تتوقف بصورة شبه كاملة، في انتظار اتضاح أثر القواعد الجديدة على السوق.
وأضاف أن الانتخابات العامة المقررة في 29 نوفمبر تمثل عاملًا إضافيًا يدفع المستثمرين إلى تبني سياسة «الانتظار والترقب»، إذ قد تختلف سياسة الإسكان بصورة كبيرة تبعًا للكتلة السياسية التي ستفوز، سواء اليسار أو اليمين.
وقد يضطر المستثمرون، وفقًا لهذا التقدير، إلى المطالبة بتخفيضات كبيرة في أسعار الأصول العقارية لتعويض المخاطر المرتبطة بعدم اليقين التنظيمي والسياسي.
وتشير التوجهات التشريعية الجديدة إلى رغبة الحكومة في الحد من التعامل مع السكن باعتباره أصلًا ماليًا يهدف إلى تحقيق الأرباح، مع ارتباط هذه التوجهات بمقترحات تشريعية يناقشها الاتحاد الأوروبي ضمن إطار توجيه الإسكان الميسور التكلفة.
صفقة بـ530 مليون يورو تنتظر نتائج الانتخابات
وتثير هذه التطورات شكوكًا بشأن إتمام إحدى الصفقات الكبرى المطروحة حاليًا في سوق الإسكان المؤجر، والمتعلقة ببيع صندوق «جرايستار» وشركة التطوير العقاري «فيا سيليير» محفظة تضم 1900 وحدة سكنية مؤجرة، بقيمة تبلغ 530 مليون يورو.
وبحسب الخبراء الذين استطلعت الصحيفة آراءهم، فمن المرجح أن ينتظر المشتري المحتمل، وهو تحالف يضم صندوق الثروة السيادي النرويجي «نورجس بنك» وشركة «أزورا»، اتضاح نتائج الانتخابات العامة المقررة في 29 نوفمبر قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن الصفقة.
وتعكس هذه التطورات مفارقة في السوق العقارية الإسبانية؛ فبينما لا تزال البلاد تحظى باهتمام المستثمرين الدوليين، باتت استدامة هذا الزخم مرتبطة بمدى وضوح السياسات الحكومية وقدرة السوق على التكيف مع التغييرات التنظيمية المقبلة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض