3 مليارات دولار فقط للدول منخفضة الدخل.. البنك الدولي يكشف خريطة تدفقات الاستثمار


الجريدة العقارية الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 | 07:03 مساءً
أجاي بانجا رئيس البنك الدولي
أجاي بانجا رئيس البنك الدولي
مصطفى محمد

استبعد أجاي بانجا، رئيس مجموعة البنك الدولي، أن يؤدي التوسع في تمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي إلى تقليص قدرة المجموعة على جذب مزيد من رؤوس الأموال الخاصة إلى الاقتصادات النامية، مؤكدًا أن فرص زيادة التدفقات الاستثمارية لا تزال واسعة، رغم وصول التمويلات الخاصة التي نجحت المجموعة في حشدها إلى مستويات قياسية خلال السنة المالية 2026.

وأوضح بانجا، في مقابلة مع «الشرق بلومبرج» على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، أن حجم الأموال المتاحة لدى القطاع الخاص يفوق بكثير ما يُوجَّه إلى مشروعات الذكاء الاصطناعي، مشددًا على أن الاستثمارات المخصصة لإنشاء مراكز البيانات وتطوير هذه التكنولوجيا لا تمثل بالضرورة منافسًا لتمويل المشروعات في الاقتصادات النامية.

وتمكنت مجموعة البنك الدولي من حشد 112 مليار دولار من رؤوس الأموال الخاصة خلال السنة المالية 2026، التي انتهت في يونيو الماضي، مقابل نحو 35 مليار دولار في عام 2022، بما يعكس نموًا ملحوظًا في قدرتها على تعبئة التمويل الخاص لدعم التنمية.

وتأتي تصريحات بانجا في ظل تصاعد المخاوف من استحواذ شركات الذكاء الاصطناعي على حصة متزايدة من التمويلات الخاصة، بالنظر إلى احتياجاتها الاستثمارية الضخمة التي تُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات.

البنية التحتية أساس جذب الاستثمارات

ويرى رئيس مجموعة البنك الدولي أن قدرة الاقتصادات الناشئة ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على جذب مزيد من الاستثمارات ترتبط بتوفير بيئة مواتية لممارسة الأعمال، وفي مقدمتها تطوير البنية التحتية الأساسية، بما يشمل الطرق والجسور والمطارات وشبكات الكهرباء والمياه والبنية الرقمية، إلى جانب تحسين منظومات التعليم والتدريب والرعاية الصحية.

واستشهد بانجا بخبرته السابقة في إدارة إحدى شركات القطاع الخاص، موضحًا أن المستثمرين يميلون إلى توجيه أموالهم نحو الدول التي تستثمر في بنيتها التحتية وتوفر المقومات اللازمة لممارسة الأعمال بكفاءة، مقارنة بالاقتصادات التي لا تمنح هذه الجوانب الاهتمام نفسه.

وأضاف أن تحسين مناخ الاستثمار يتطلب كذلك تطوير الأطر القانونية والإجرائية المنظمة للأراضي والعمل والإفلاس وتأسيس الشركات، مع ضمان وضوح القواعد التنظيمية واستقرارها، بما يمنح المستثمرين رؤية أكثر قابلية للتنبؤ بطبيعة البيئة التي يعملون فيها.

وأشار بانجا إلى أن توافر هذه المقومات يتيح للبنك الدولي توسيع دوره في الحد من المخاطر التي تعوق تدفق الاستثمارات الخاصة إلى الأسواق النامية، لافتًا إلى أن المجموعة أصدرت ضمانات تجاوزت قيمتها 25 مليار دولار خلال السنة المالية 2026، متخطية مستهدفها السنوي البالغ 20 مليار دولار بحلول عام 2030، وذلك قبل الموعد المحدد بأربع سنوات.

فجوة التمويل تتسع في الدول منخفضة الدخل

ورغم النمو القياسي في حجم التمويل الخاص الذي تنجح مجموعة البنك الدولي في حشده، أقر بانجا بأن هذه التدفقات لا تصل بالقدر الكافي إلى المناطق الهشة والمتأثرة بالنزاعات، التي تعتمد فرص نموها الاقتصادي بدرجة كبيرة على المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة.

وتكشف بيانات البنك الدولي عن تفاوت واضح في توزيع التمويلات بحسب مستويات الدخل؛ إذ ارتفعت رؤوس الأموال الخاصة التي جرى حشدها لصالح البلدان متوسطة الدخل من الشريحة العليا إلى 50 مليار دولار خلال السنة المالية 2026، مقابل 37 مليار دولار للبلدان متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا.

في المقابل، ظلت التدفقات الموجهة إلى البلدان منخفضة الدخل عند نحو 3 مليارات دولار فقط، دون زيادة تُذكر مقارنة بمستويات عام 2022، وهو ما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بتوجيه التمويل إلى الاقتصادات الأكثر احتياجًا.

وفي هذا السياق، كشف بانجا عن استراتيجية جديدة تستهدف توسيع قدرة المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة على الوصول إلى التمويل والأسواق والتجارة، وتعزيز اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتكتسب هذه المنشآت أهمية كبيرة في الاقتصادات النامية، إذ تمثل نحو 90% من إجمالي الشركات، وتوفر فرص عمل لنحو ثلاثة أرباع العاملين، وفقًا للبيانات التي استند إليها رئيس مجموعة البنك الدولي.

الذكاء الاصطناعي فرصة للتنمية وليس سباقًا تكنولوجيًا

وفيما يتعلق بفرص استفادة الاقتصادات النامية من الذكاء الاصطناعي، دعا بانجا إلى التركيز على التطبيقات العملية لهذه التكنولوجيا في قطاعات الصحة والزراعة والتعليم والتدريب، بدلًا من محاولة منافسة الاقتصادات المتقدمة في تطوير النماذج اللغوية الكبيرة، التي تتطلب قدرات حوسبة هائلة وكميات ضخمة من الكهرباء والبيانات ورؤوس الأموال.

وأشار إلى تجارب لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم بالسلفادور، والرعاية الصحية بإندونيسيا، والزراعة في الهند، مؤكدًا أن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تمتلك بدورها فرصًا للاستفادة من التطبيقات العملية لهذه التكنولوجيا في تحسين الخدمات وزيادة الإنتاجية.

وضرب بانجا مثالًا بمزارعة في إحدى الولايات الهندية لا تجيد القراءة والكتابة، لكنها تستطيع توجيه هاتفها المحمول نحو ورقة نبات مصابة، ليحدد التطبيق المشكلة ويقترح المبيد المناسب، ثم يتيح لها شراءه عبر الهاتف من خلال ربط الخدمة بالنظام المصرفي.

وأوضح أن مثل هذه التطبيقات يمكن أن تحقق مكاسب ملموسة في الإنتاجية وتحسن حياة المستخدمين، دون الحاجة إلى امتلاك البنية التكنولوجية الضخمة والاستثمارات الهائلة اللازمة لتطوير النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي.

مبادلات الديون بالتنمية وتعزيز الموارد المحلية

وفي ملف المديونية، أشار بانجا إلى أن البنك الدولي يعمل على مساعدة الدول في تنفيذ مبادلات الديون بالتنمية، إلى جانب تعزيز قدرتها على تعبئة الموارد المحلية، بما يسهم في تمويل أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية.

وشدد على أهمية الحفاظ على إيجابية صافي التدفقات المالية إلى الدول النامية، بحيث تتجاوز الأموال الجديدة المتدفقة إليها حجم الأموال الخارجة منها، بما يضمن توجيه التمويلات والاستثمارات نحو دعم النمو والتنمية، بدلًا من أن تقابلها تحويلات مالية أكبر إلى الخارج.