تتجه سوق العمل الأمريكية نحو تغييرات واسعة خلال السنوات المقبلة، مع التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، إذ توقع تقرير صادر عن معهد ماكينزي العالمي تراجع الحاجة إلى أعمال تعادل 36 مليون وظيفة بحلول عام 2035، ما قد يدفع ملايين العاملين إلى البحث عن مسارات مهنية جديدة.
ورغم المخاوف المرتبطة بفقدان الوظائف، أشار التقرير إلى أن انتشار هذه التقنيات قد يسهم أيضًا في توفير أكثر من 40 مليون فرصة عمل جديدة خلال العقد المقبل. لكن الاستفادة من هذه الفرص لن تكون متساوية بين جميع القطاعات، في ظل اختلاف قدرة المهن على التكيف مع التطور التكنولوجي، وفقًا لما نقلته شبكة «CNBC».
وأوضح التقرير أن نحو 25 مليون عامل قد يستمرون في وظائفهم الحالية، مع حدوث تغييرات جوهرية في طبيعة المهام التي يؤدونها، بينما قد يحتاج نحو 7% من القوى العاملة الأمريكية إلى الانتقال إلى مهن أخرى.
الوظائف الإدارية الأكثر عرضة لتأثير الأتمتة
تتصدر الوظائف المكتبية وأعمال الدعم الإداري قائمة المهن الأكثر تأثرًا بالتطور التكنولوجي، إذ يمكن أن تطال الأتمتة نحو 81% من ساعات العمل الحالية في هذه المجالات، مع توقع انخفاض الطلب على العمالة بنسبة تصل إلى 38%.
ولا تقتصر التأثيرات المحتملة على الأعمال المكتبية، بل تمتد إلى قطاعات متعددة، تشمل الزراعة وصيد الأسماك والغابات، والتكنولوجيا وتحليل البيانات، والتصنيع والإنتاج، فضلًا عن تجارة التجزئة والمبيعات والخدمات المالية.
كما تشمل المهن التي قد تشهد تحولات كبيرة مجالات الأغذية والنقل والخدمات اللوجستية، والفنون والإعلام والترفيه، إلى جانب وظائف التركيب والصيانة والإصلاح، مع اختلاف حجم التأثير المتوقع من قطاع إلى آخر.
الذكاء الاصطناعي يغير طبيعة الوظائف دون إلغائها بالضرورة
أوضح التقرير أن قدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ عدد متزايد من المهام لا تعني بالضرورة اختفاء المهن بالكامل، إذ يمكن أن تظل الوظيفة قائمة مع تغير طبيعة المسؤوليات المطلوبة من العاملين فيها.
وتظهر المهن القانونية مثالًا على ذلك، حيث تستطيع الأنظمة الذكية المساعدة في البحث وجمع المعلومات وتحليل المستندات، بينما تظل المهام التي تحتاج إلى التقدير البشري والتفاوض والخبرة المهنية واتخاذ القرارات أكثر ارتباطًا بدور المحامين.
وبالتالي، قد ينتقل الموظفون تدريجيًا من تنفيذ الأعمال المتكررة إلى التركيز على المهام التي تتطلب التفكير والتحليل والإبداع والتعامل المباشر مع الآخرين، دون الحاجة إلى تغيير المسمى الوظيفي في جميع الحالات.
قرارات الشركات تحدد حجم الوظائف المتأثرة
لفت التقرير إلى أن هناك اختلافًا بين المهام التي تستطيع التكنولوجيا تنفيذها من الناحية النظرية، وبين ما ستطبقه الشركات فعليًا في بيئة العمل.
فامتلاك التكنولوجيا القدرة على إنجاز مهمة معينة لا يعني أن المؤسسات ستعتمد عليها فورًا، إذ ترتبط سرعة التحول بعوامل مثل قرارات الإدارة وتكاليف التطبيق وطبيعة النشاط الاقتصادي.
وبناءً على ذلك، قد يتراوح عدد الأمريكيين الذين يحتاجون إلى تغيير وظائفهم بين 6 ملايين و16 مليون شخص، مقارنة بالتقدير الأساسي البالغ 11 مليون عامل، وهو ما يعكس حالة عدم اليقين بشأن سرعة انتشار الأتمتة وتأثيرها الفعلي على سوق العمل.
انتقال ملايين العمال إلى وظائف جديدة يواجه تحديات
حذر التقرير من أن العثور على وظيفة بديلة لن يكون بالسهولة نفسها لجميع العاملين المتأثرين بالتحول التكنولوجي، خاصة أن بعض المهن الجديدة تتطلب مهارات مختلفة عن تلك التي اكتسبها الموظفون خلال سنوات عملهم.
ووفقًا للتقديرات الواردة في الدراسة، سيتمكن عامل واحد فقط من بين كل سبعة عمال من الانتقال بصورة مباشرة إلى وظيفة بديلة تحتاج إلى مهارات متقاربة وتوفر دخلًا مماثلًا أو أعلى.
في المقابل، قد يواجه نحو 45% من العاملين مسارات انتقال أكثر صعوبة، تتطلب اكتساب مؤهلات إضافية أو الخضوع لبرامج تدريب مكثفة، وربما الانتقال إلى مناطق جغرافية أخرى بحثًا عن فرص مناسبة، مع احتمال الاضطرار إلى قبول أجور أقل من مستويات دخلهم الحالية.
سوق العمل الأمريكي يحتاج إلى برامج تدريب مكثفة
يتطلب انتقال نحو 11 مليون عامل إلى مهن جديدة خلال العقد المقبل توفير مسارات مهنية بديلة بوتيرة أسرع من المعتاد، إذ قدر التقرير الحاجة إلى انتقال نحو 770 ألف شخص سنويًا بين مجموعات مهنية مختلفة.
ويمثل هذا المعدل نحو 3.6 مرة المتوسط التاريخي، ما يبرز حجم التحدي الذي تواجهه سوق العمل الأمريكية في مواكبة التطور التكنولوجي.
ويرى معدو الدراسة أن التعامل مع هذه التغيرات يظل ممكنًا، لكنه يحتاج إلى تعاون بين الحكومات والشركات والمؤسسات التعليمية، من خلال توسيع برامج التدريب وإعادة التأهيل المهني، ومساعدة العاملين على اكتساب المهارات المطلوبة في الوظائف المستقبلية.
مهارات أساسية تعزز فرص العمل في عصر الذكاء الاصطناعي
مع تزايد الاعتماد على الأنظمة الذكية، تبرز أهمية تطوير المهارات التي يصعب استبدالها بالتكنولوجيا، والتي تساعد الموظفين على التعامل مع المشكلات المعقدة والتغيرات المتسارعة في بيئة العمل، ومن أبرز المهارات التي يوصي التقرير بالتركيز عليها:-
- حل المشكلات: التعامل مع التحديات والوصول إلى حلول عملية.
- التفكير النقدي: تقييم المعلومات وتحليلها قبل اتخاذ القرارات.
- التواصل الفعال: توصيل الأفكار بوضوح والتعامل مع الآخرين.
- العمل الجماعي: التعاون مع الزملاء لتحقيق الأهداف المشتركة.
- الفضول والتعلم المستمر: اكتساب معارف جديدة ومواكبة التطورات.
- القدرة على التكيف: الاستجابة للتغيرات في متطلبات الوظائف وسوق العمل.
وتشير نتائج التقرير إلى أن مستقبل الوظائف لن يتحدد فقط بمدى انتشار الذكاء الاصطناعي، بل أيضًا بقدرة العاملين والمؤسسات على التكيف مع استخدامه. وبينما قد تختفي بعض المهام التقليدية أو يتراجع الطلب عليها، ستظهر فرص جديدة تتطلب مهارات مختلفة، ما يجعل التدريب المستمر وتطوير القدرات المهنية عاملين أساسيين للحفاظ على فرص العمل خلال السنوات المقبلة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض