أكد المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أن الاقتصاد المصري يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع تكلفة استيراد الغاز الطبيعي المسال، في ظل التقلبات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، مشيرًا إلى أن هذه التطورات تفرض ضرورة إعادة تقييم سياسات تسعير الغاز للقطاعات المستهلكة، ومدى جدوى استمرار دعم الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
أسعار الغاز الطبيعي المسال
وأوضح يوسف، أن أسعار الغاز الطبيعي المسال المستورد ارتفعت، وفقًا للتقديرات المطروحة، إلى نحو 26 دولارًا للمليون وحدة حرارية بريطانية، استنادًا إلى مؤشر «TTF» الهولندي، وهو ما يزيد من تكلفة توفير احتياجات السوق المحلية، سواء لمحطات الكهرباء أو القطاعات الصناعية المختلفة.
اضطرابات أسواق الطاقة تزيد الضغوط على مصر
وأشار إلى أن أسواق الطاقة العالمية تمر بظروف معقدة نتيجة اضطرابات الإمدادات والتوترات الجيوسياسية، إلى جانب التغيرات في أنماط الطلب على الغاز الطبيعي ووقود الديزل، وهو ما قد يفرض ضغوطًا إضافية على الأسعار خلال فصل الشتاء في أوروبا.
وأضاف أن مصر تعتمد في توفير احتياجاتها من الغاز على مزيج من الإنتاج المحلي، وحصص الشركاء الأجانب، والإمدادات الواردة عبر خطوط الأنابيب، فضلًا عن شحنات الغاز الطبيعي المسال المستوردة، لافتًا إلى أن ارتفاع تكلفة بعض مصادر الإمداد ينعكس على متوسط تكلفة توفير الغاز للسوق المحلية.
ووفقًا للتقديرات الواردة، قد يصل متوسط تكلفة الإمدادات إلى نحو 16 دولارًا للمليون وحدة حرارية بريطانية، بما يوسع الفجوة بين تكلفة توفير الغاز وأسعار بيعه لبعض القطاعات المستهلكة.
فجوة الأسعار تضع دعم الطاقة تحت المجهر
ولفت يوسف إلى أن أسعار توريد الغاز تختلف من قطاع إلى آخر، إذ يبلغ السعر الموجه إلى قطاع الكهرباء، وفقًا للأرقام المطروحة، نحو 3.25 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، بينما يصل السعر المشار إليه لصناعة الأسمنت إلى 14 دولارًا، والحديد والصلب والأسمدة غير الأزوتية إلى 7.75 دولار، والأسمدة الأزوتية إلى 8.5 دولار، مع وجود ترتيبات ومعادلات سعرية مختلفة لبعض الشركات.
وتطرح هذه الفوارق، بحسب الطرح، تساؤلًا حول مدى قدرة الدولة على مواصلة تحمل الفارق بين تكلفة توفير الغاز وسعر بيعه، خصوصًا في ظل الضغوط على موارد النقد الأجنبي وارتفاع تكلفة الاستيراد.
وأكد أن تقييم سياسات دعم الطاقة ينبغي ألا يقتصر على حجم الدعم المقدم، بل يجب أن يمتد إلى قياس العائد الاقتصادي الذي تحققه الصناعات المستفيدة، من حيث القيمة المضافة، وزيادة الصادرات، وتوفير فرص العمل، والحصيلة الضريبية، ومدى مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
تفاوت أسعار الغاز بين الشركات يثير تساؤلات
وأشار يوسف إلى أن اختلاف أسعار توريد الغاز بين شركات تعمل في النشاط الصناعي نفسه يثير تساؤلات حول أسس التسعير ومدى ارتباطها بالاتفاقيات والمعادلات السعرية المطبقة.
وضرب مثالًا بقطاع الأسمدة الأزوتية، حيث تشير الأرقام المطروحة إلى حصول بعض الشركات على الغاز بسعر يبلغ نحو 8.5 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، في حين تحصل شركات أخرى على الغاز بسعر يقارب 4.5 دولار، وفقًا لمعادلات ترتبط بالأسعار العالمية لسماد اليوريا.
وأوضح أن هذه الفروق تستدعي إيضاح الأسس التي تحكم تسعير الغاز، مع مراعاة الالتزامات التعاقدية القائمة وطبيعة الاتفاقيات المبرمة، بما يحقق قدرًا أكبر من الشفافية والتوازن بين مصالح الدولة والمستثمرين.
معادلة صعبة بين دعم الصناعة وجذب الاستثمار
وشدد يوسف على أن ملف تسعير الطاقة يرتبط بمعادلة اقتصادية معقدة، تتمثل في الحفاظ على جاذبية السوق المصرية للاستثمارات المحلية والأجنبية، وفي الوقت نفسه الحد من الأعباء المالية الناتجة عن توفير الطاقة بأسعار تقل عن تكلفتها.
وأوضح أن استقرار أسعار الطاقة يمثل عاملًا مؤثرًا في قرارات الاستثمار والتوسع الصناعي، لكن استمرار الفجوة بين تكلفة توفير الغاز وسعر بيعه يتطلب تقييمًا دقيقًا للعائد المتحقق من الدعم، ومدى تناسبه مع الأعباء التي تتحملها الدولة.
وأضاف أن التعامل مع هذه المعادلة يستلزم مراجعة دورية لسياسات تسعير الغاز، مع مراعاة طبيعة كل صناعة وحجم استهلاكها للطاقة ومساهمتها في الإنتاج والتصدير والتشغيل، دون الإخلال بالالتزامات التعاقدية القائمة.
اكتشافات الغاز الحل الأهم لتقليص فاتورة الاستيراد
وأكد يوسف أن زيادة الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي عبر اكتشافات جديدة تمثل أحد المسارات المهمة لتقليص فجوة الإمدادات وخفض الاعتماد على الاستيراد، بما يخفف الضغط على النقد الأجنبي ويحد من تأثر الاقتصاد بتقلبات الأسعار العالمية.
وأشار إلى أن تحقيق أمن الطاقة لا يعتمد على الاكتشافات الجديدة وحدها، بل يتطلب أيضًا ترشيد الاستهلاك، ورفع كفاءة استخدام الطاقة، وتنويع مصادر الإمداد، وتحسين إدارة الطلب، بما يضمن توفير احتياجات الكهرباء والصناعة بأقل تكلفة ممكنة.
واختتم بأن التحدي الأساسي يتمثل في إدارة موارد الغاز الطبيعي بكفاءة، وتحقيق التوازن بين تكلفة توفير الطاقة، ودعم الصناعة، وجذب الاستثمارات، وضمان حصول الدولة على عائد اقتصادي يتناسب مع حجم الموارد التي تتحملها.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض