نادراً ما تبقى التحولات السياسية والاقتصادية في كاليفورنيا محصورة داخل حدود الولاية، وإذا أقر الناخبون الشهر المقبل ضريبة ثروة جديدة تستهدف 246 مليارديراً يقيمون فيها، فقد يدفع ذلك بعض أصحاب الثروات إلى الانتقال إلى ولايات مثل تكساس وفلوريدا، لكن التداعيات الأهم قد تتجاوز قرارات الأفراد لتصل إلى مستقبل السياسة الضريبية في الولايات المتحدة بأكملها.
ووفقا لـ Financial Times، يتمحور الجدل حول «المقترح 40»، الذي يقضي بفرض ضريبة استثنائية لمرة واحدة بنسبة 5% على الثروات التي تتجاوز قيمتها مليار دولار، وقد تتحول كاليفورنيا، إذا أقر الناخبون المقترح، إلى مختبر لسياسة يمكن أن تحاول ولايات أخرى تبنيها لاحقاً.
وهنا تكمن أهمية التصويت، فالقضية لا تتعلق فقط بقدرة كاليفورنيا على جمع نحو 100 مليار دولار من الإيرادات، وإنما بالسؤال الأكبر حول ما إذا كان الصعود المتواصل لثروات أغنى الأمريكيين خلال العقود الماضية سيستمر من دون تدخل سياسي.
ومن الناحية المالية البحتة، تبدو هناك نقاط ضعف واضحة في تصميم «المقترح 40» فالضريبة لمرة واحدة ستخلق تعقيدات محاسبية كبيرة، فيما سيذهب الجزء الأكبر من حصيلتها المتوقعة إلى قطاع الرعاية الصحية، ما يحد من قدرة الولاية على توجيه هذه الإيرادات إلى أولويات أخرى.
وكان من الممكن أن يكون الإصلاح أكثر عمقاً لو استهدف فرض حد أدنى دائم للضريبة على أصحاب الثروات التي تتجاوز، على سبيل المثال، 100 مليون دولار، مثل هذا النظام كان سيعيد توزيع العبء الضريبي بصورة أكثر استدامة، كما كان سيمنح المشرعين مساحة أكبر لتحديد أولويات الإنفاق، لكن «المقترح 40» لا يحقق أياً من هذين الهدفين.
مع ذلك، فإن المعركة المحيطة به تكشف عن محاولة أكثر ذكاءً لإعادة رسم حدود الصراع الضريبي في الولايات المتحدة.
ففي عام 1978، كانت كاليفورنيا نقطة انطلاق لواحدة من أكبر موجات التمرد الشعبي على الضرائب، عندما أقر الناخبون «المقترح 13» الذي وضع قيوداً صارمة على الضرائب العقارية. وبعد عامين فقط، وصل رونالد ريجان، حاكم كاليفورنيا السابق، إلى البيت الأبيض، وساعد صعوده على ترسيخ اتجاه سياسي مناهض للضرائب امتد إلى أنحاء البلاد.
أما «المقترح 40» فيمثل محاولة للسير في الاتجاه المعاكس تماماً: استخدام النظام الضريبي لإعادة توزيع جزء من الثروة المتراكمة لدى الأثرياء. ولهذا السبب، قد تكون نتيجة الاستفتاء ذات أهمية تتجاوز حدود كاليفورنيا بكثير.
وقد دخل عدد من أصحاب المليارات في مواجهة مباشرة مع المقترح، يتقدمهم سيرجي برين، الشريك المؤسس لـ«جوجل»، الذي ضخ، بدعم من بيتر ثيل، أكثر من 100 مليون دولار في جهود إسقاطه.
ويقدم معارضو الضريبة القضية باعتبارها معركة ضد توسع الدولة، فيما يستحضر برين تجربة عائلته التي غادرت الاتحاد السوفييتي في سبعينيات القرن الماضي للتحذير من مخاطر ما يراه تضييقاً متزايداً على الثروة الخاصة.
وفي المقابل، دفع الأثرياء بمبادرة مضادة تحت اسم «المقترح 42»، تهدف إلى حظر فرض ضرائب جديدة على الأصول الشخصية، باستثناء العقارات. وبما أن هذا الحظر سيصبح جزءاً من دستور الولاية إذا أقره الناخبون، فإنه قد يغلق الباب أمام أي محاولة مستقبلية لفرض ضريبة ثروة في كاليفورنيا.
والأكثر غرابة أن آلية الاستفتاء الشعبي المباشر قد تسمح بإقرار المقترحين معاً، وهو سيناريو يمكن أن يخلق حالة من الفوضى القانونية والسياسية، ويضع السلطات أمام تناقض يصعب التعامل معه.
لكن قوة المعارضة لا ترتبط فقط بتحركات أصحاب المليارات. فحاكم كاليفورنيا الديمقراطي غافين نيوسوم يعارض «المقترح 40»، بحجة أن فرض ضريبة على الثروة سيكون أكثر فاعلية إذا جرى تطبيقها على المستوى الفيدرالي.
وتملك هذه الحجة أساساً اقتصادياً، لكنها تأتي أيضاً في سياق سياسي، خصوصاً مع اعتبار نيوسوم أحد أبرز المرشحين المحتملين لخوض السباق الرئاسي عام 2028.
وفي الجهة المقابلة، كان كريس لارسن، الملياردير والشريك المؤسس لشركة «ريبل» للتكنولوجيا المالية والبلوكشين، من أبرز معارضي الضريبة، وقد تعهد بدعم نيوسوم بكل الوسائل المتاحة.
كما استفادت حملة المعارضة من خطاب إعلامي يصور «المقترح 40» باعتباره تهديداً لا يقتصر على المليارديرات، بل قد يمتد إلى الطبقة المتوسطة.
وتظهر إحدى الإعلانات الدعائية خنزيراً أشبه بـ«حصان طروادة» محملاً بموظفين حكوميين، وهم يقتحمون منازل سكان كاليفورنيا ويستولون على ممتلكاتهم.
لكن هذا التصوير يتجاهل حقيقة أساسية: خفض الحد الأدنى للثروة الخاضعة للضريبة يتطلب موافقة أغلبية الثلثين في برلمان الولاية، كما أن المقترح يستهدف شريحة محددة للغاية من أصحاب الثروات. وبالتالي، فإن تقديم المعركة باعتبارها مواجهة بين الحكومة والأسر العادية يخلط بين فئتين مختلفتين تماماً.
ومع ذلك، يبدو أن الرسالة نجحت في التأثير على الرأي العام، إذ تراجعت نسبة التأييد للمقترح وأصبحت المنافسة أكثر تقارباً وأقل قابلية للتنبؤ.
ولا يمكن اعتبار برين مستثمراً يفتقر إلى الخبرة. صحيح أن معدلات ضريبة الدخل وأرباح رأس المال في الولايات المتحدة خلال سبعينيات القرن الماضي كانت أعلى كثيراً من مستوياتها الحالية، التي تقل اليوم عن 40% و20% على التوالي، لكن مخاوفه من أن تتحول ضريبة الثروة إلى نقطة بداية لسلسلة من الإجراءات الأكثر تشدداً تلقى صدى لدى كثير من أصحاب الثروات.
كما أن تحذيره من سوء استخدام الأموال العامة ومن كفاءة الجهاز البيروقراطي ليس بلا أساس لكن الحجة تصبح أقل إقناعاً عندما تقتصر على تعطيل دور الدولة بدلاً من طرح رؤية بديلة لإصلاح الإدارة العامة وتحسين كفاءة الإنفاق.
قبل نحو قرن، قال قاضي المحكمة العليا الأمريكية أوليفر وندل هولمز جونيور إن «الضرائب هي الثمن الذي ندفعه لقاء العيش في مجتمع متحضر». وربما تبدو العبارة اليوم أكثر صلة بالنقاش الأمريكي من أي وقت مضى.
فالثروة الهائلة لا تنشأ في فراغ؛ فهي تستفيد من البحث العلمي الممول حكومياً، والتعليم العام، والبنية التحتية، والنظام القانوني، فضلاً عن عنصر الحظ الذي يصعب تجاهله في مسارات تكوين الثروات الكبرى.
المشكلة أن هذا النوع من الاعتراف المتبادل بين أصحاب الثروات والدولة يبدو نادراً في الخطاب السياسي الأمريكي الراهن، وإذا نجح برين وحلفاؤه في إسقاط «المقترح 40» في الاستفتاء المقرر في 3 نوفمبر، فقد يكون الانتصار قصير الأجل بالنسبة لهم، لكنه قد يحمل في داخله بذور معركة أكبر حول مستقبل توزيع الثروة والضرائب في الولايات المتحدة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض