حذر صندوق النقد الدولي من أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والطاقة، بفعل الحروب في إيران وأوكرانيا، اتسم بدرجة من الاستمرارية فاقت التقديرات السابقة، ما أدى إلى زيادة الضغوط على تكاليف المعيشة للأسر حول العالم.
وأوضح الصندوق في تقرير حديث، أن أسعار العديد من السلع الأساسية ظلت مرتفعة لسنوات، بعدما بدأت موجة الارتفاعات في أعقاب اضطرابات سلاسل الإمداد الناجمة عن جائحة كورونا، قبل أن تتفاقم الضغوط مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، ثم الصراع في إيران.
وأشار إلى أن الحرب في أوكرانيا تسببت في اضطراب سلاسل إمدادات عدد كبير من المواد الغذائية ومصادر الطاقة، فيما أدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى قفزة كبيرة في أسعار الطاقة والأسمدة، نتيجة تعطل أحد مسارات الإمداد الحيوية في منطقة الخليج، وفقًا لوكالة الأنباء الفرنسية.
وأكد صندوق النقد الدولي أن أسعار السلع الأساسية تواصل ارتفاعها لفترة أطول من المتوقع مقارنة بغيرها من السلع، موضحًا أن الأعباء المعيشية الناتجة عن هذه الصدمات لا تقتصر على ارتفاع مؤقت في أسعار الغذاء والطاقة، وإنما تؤدي إلى تراجع مستمر في القدرة على تحمل تكاليف الاحتياجات الأساسية مقارنة بالسلع والخدمات الأخرى.
التضخم العالمي تحت ضغط صدمات الطاقة والغذاء
وأشار الصندوق إلى أن الأسر في مختلف أنحاء العالم تحملت خلال السنوات الماضية أعباء متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة، في وقت لم تتمكن فيه الأجور من مواكبة وتيرة الارتفاع المستمر في الأسعار.
وأوضح أن الحرب في إيران، التي اندلعت في فبراير من العام الجاري، ساهمت في زيادة الضغوط التضخمية عالميًا، ما دفع صندوق النقد إلى رفع توقعاته لمعدل التضخم العالمي إلى 4.7% خلال 2026، مقارنة بنحو 4.1% في العام السابق.
ومن المقرر أن يصدر الصندوق الأسبوع المقبل الجزء الرئيسي من تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، متضمنًا أحدث تقديراته بشأن النمو العالمي ومسار التضخم.
ويأتي التقرير الصادر الثلاثاء ضمن هذا التحديث، ويركز على الدروس المستفادة من أزمات تكلفة المعيشة التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال السنوات الخمس الماضية.
صدمات العرض تتجاوز الارتفاع المؤقت للأسعار
وحذر صندوق النقد من أن تداعيات ما يعرف بـ«صدمات العرض» لا تتوقف عند مجرد تسجيل ارتفاع مؤقت في معدلات التضخم لبضعة أشهر، مشيرًا إلى أن آثارها قد تمتد لفترات أطول وتؤثر في مستويات الأسعار والتوقعات التضخمية.
ودفعت هذه الضغوط البنوك المركزية حول العالم إلى رفع أسعار الفائدة بهدف كبح التضخم، إلا أن الصندوق أشار إلى أن تشديد السياسة النقدية يحمل في المقابل تكلفة اقتصادية، إذ يؤدي ارتفاع الفائدة عادة إلى إبطاء النشاط الاقتصادي.
وأكد أن الموازنة بين السيطرة على التضخم والحفاظ على النمو تمثل تحديًا أكبر للدول النامية، التي قد تكون قدرتها على تحمل تباطؤ النشاط الاقتصادي محدودة.
تحذير من استمرار التضخم وتفاقم الفقر
وأشار التقرير إلى أن استمرار الضغوط التضخمية يمثل تهديدًا لاستقرار الاقتصاد الكلي في عدد من الدول، موضحًا أن معدلات التضخم قد تظل مرتفعة لفترة طويلة بعد الصدمة الأولية الناجمة عن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة.
ولفت إلى أن توقعات التضخم نفسها قد ترتفع وتظل أعلى من مستويات ما قبل الأزمة لسنوات، وهو ما قد يزيد من صعوبة مهمة البنوك المركزية في إعادة التضخم إلى المستويات المستهدفة.
كما حذر الصندوق من التأثير غير المتوازن لارتفاع أسعار السلع الأساسية على الأسر العاملة، التي تنفق نسبة أكبر من دخلها على الاحتياجات الضرورية، ما يجعلها أكثر تعرضًا لتداعيات موجات ارتفاع الأسعار.
وأكد أن هذا النوع من التضخم يمكن أن يسهم بصورة كبيرة في زيادة معدلات الفقر وتوسيع فجوة عدم المساواة في الدخل.
دعم الفئات الأكثر احتياجًا بدلًا من الدعم الشامل
ودعا صندوق النقد الدولي الحكومات إلى تجنب تقديم برامج دعم شاملة لمواجهة أزمات تكلفة المعيشة، والتركيز بدلًا من ذلك على تقديم تحويلات مالية مؤقتة وموجهة إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
غير أن الصندوق أشار إلى أن ارتفاع مستويات الديون الحكومية عالميًا يحد من قدرة العديد من الدول منخفضة الدخل والاقتصادات النامية على توفير هذا النوع من الدعم، خاصة في ظل تعرضها لسلسلة متكررة من الصدمات الاقتصادية منذ تفشي جائحة كورونا.
ويؤكد التقرير أن استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة لم يعد يمثل مجرد أزمة تضخم قصيرة الأجل، بل تحول إلى تحدٍ اقتصادي واجتماعي طويل الأمد يتطلب سياسات أكثر استهدافًا لحماية الأسر والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض