رغم أن أزمات الإسكان ظلت تضغط على اقتصادات معظم الدول ذات الدخل المرتفع لأكثر من عقد، فإنها احتلت في كثير من الأحيان مرتبة متأخرة على جدول الأعمال السياسي.
لكن في إسبانيا، باتت أزمة السكن تتحول إلى قضية سياسية مركزية، بعدما أدت القفزة في الإيجارات وأسعار المنازل إلى تصاعد الغضب الشعبي ودفعت رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى الدعوة لانتخابات مبكرة في 29 نوفمبر.
ووفقا لـ فايننشال تايمز، جاءت الخطوة بعد رفض البرلمان حزمة رئيسية من إجراءات الإسكان التي طرحتها حكومة سانشيز، في وقت اتسعت فيه الاحتجاجات بسبب صعوبة الحصول على سكن بأسعار معقولة.
وكانت قضية ماريكارمن أباسكال، البالغة من العمر 87 عاماً، الشرارة الأبرز للاحتجاجات الأخيرة، فقد أُخليت المرأة من شقتها في مدريد، التي عاشت فيها لأكثر من سبعة عقود، بعدما استحوذ صندوق استثماري على العقار وسعى إلى رفع الإيجار بصورة كبيرة. وأثارت عملية الإخلاء، التي تمت وسط احتجاجات واسعة، موجة غضب سلطت الضوء على أزمة السكن في المدن الإسبانية.
صناديق الاستثمار في مرمى الغضب
تركز جانب كبير من الغضب الشعبي على دور ما يعرف بـ«صناديق الاستثمار الانتهازية» في سوق الإسكان، مع تصاعد الدعوات إلى تقييد قدرة كبار المستثمرين على شراء العقارات السكنية.
لكن التركيز على المستثمرين وحدهم يخاطر بحجب المشكلة الأعمق: إسبانيا تعاني نقصاً حاداً في المعروض من المساكن.
وهذه المشكلة ليست إسبانية خالصة، فقد شهدت المملكة المتحدة وإيرلندا أيضاً احتجاجات مرتبطة بعمليات إخلاء، لم يكن أصحابها في كثير من الحالات مستثمرين عقاريين كباراً، بل مجالس محلية تسعى إلى إعادة تخصيص مساكن مدعومة لمستأجرين جدد من ذوي الدخل المنخفض.
ورغم اختلاف الظروف من حالة إلى أخرى، فإن القاسم المشترك هو محدودية المعروض. فعندما يكون عدد المنازل المتاحة أقل بكثير من حجم الطلب، يصبح من الأسهل على المالك، سواء كان صندوقاً استثمارياً كبيراً أو مالكاً فردياً، رفع الإيجار طالما يوجد مستأجرون مستعدون لدفع السعر الأعلى.
إسبانيا تبني أقل.. والطلب يتزايد
تكشف البيانات حجم الاختلال في سوق الإسكان الإسباني. فقد بنت إسبانيا عدداً أقل من المنازل للفرد خلال العقد الماضي مقارنة تقريباً بأي دولة أخرى ذات دخل مرتفع، فيما يعيش أكثر من نصف الشباب الإسباني حالياً مع آبائهم، مقابل نحو 33% في عام 2005. وفي الوقت نفسه، ارتفعت الإيجارات بوتيرة تعد من الأسرع عالمياً.
وتواجه المملكة المتحدة وإيرلندا مشكلة مشابهة؛ إذ تفتقر كل منهما إلى نحو منزل واحد من كل سبعة منازل تحتاج إليها لتوفير السكن الملائم للسكان الحاليين.
وفي إسبانيا، تتفاقم المشكلة بفعل تزامن ضعف البناء مع نمو سكاني سريع، مدفوع جزئياً بارتفاع الهجرة. كما زادت أعداد السياح و«الرحالة الرقميين» الذين يعملون عن بُعد، ما أدى إلى انتقال جزء من تسعير سوق الإيجارات من قدرة السكان المحليين إلى مستويات الدخل الأعلى للوافدين والزوار.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن إسبانيا تواجه عجزاً بنحو 750 ألف مسكن، مع توقعات بتجاوز العجز مليون وحدة بحلول عام 2028 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
زيادة المعروض هي جوهر الحل
لا يعني ذلك أن حماية المستأجرين أو الحد من عمليات الإخلاء غير مهمة، لكنها لا تعالج وحدها أصل الأزمة. فتمديد عقود الإيجار أو فرض قيود على المستثمرين قد يوفر حماية للمستأجرين الحاليين، لكنه لن يضيف ملايين الوحدات الجديدة التي يحتاج إليها السوق.
بل إن بعض السياسات قد تأتي بنتيجة عكسية إذا أدت إلى تقليص الحوافز أمام المستثمرين والمطورين لبناء مساكن جديدة.
وهنا تبرز تجربة إيرلندا، التي اتجهت إلى تخفيف بعض القيود على الإيجارات بعد تزايد المخاوف من تأثيرها في نشاط البناء الجديد في سوق الإيجار.
وبالنسبة إلى إسبانيا، فإن استقطاب العمالة والمهاجرين والسياح والرحالة الرقميين يمكن أن يدعم النمو الاقتصادي، لكنه يحتاج إلى سياسة موازية لزيادة المعروض السكني. ويمكن أن تشمل هذه السياسة تسريع تراخيص البناء، وتوفير الأراضي، وخفض الحواجز التنظيمية، وتوجيه جزء من الإيرادات المرتبطة بالسياحة إلى تمويل الإسكان.
أزمة لا تحلها الإجراءات المؤقتة
توضح أزمة إسبانيا أن معالجة ارتفاع الإيجارات وأسعار المنازل لا يمكن أن تعتمد فقط على إجراءات تستهدف المستأجرين الحاليين أو المستثمرين العقاريين.
فالمشكلة الأساسية تتمثل في فجوة متزايدة بين عدد المساكن المتاحة وعدد الأسر والأفراد الذين يحتاجون إليها.
ولذلك، فإن الحل المستدام يتطلب إصلاحات أصعب سياسياً وتنظيمياً، تستهدف زيادة البناء بصورة مستمرة، بدلاً من الاكتفاء بحماية من تمكنوا بالفعل من دخول سوق الإيجار.
فإذا كان الهدف هو خفض تكاليف السكن على نطاق واسع، فإن المعركة الحقيقية لا تدور فقط حول من يملك المنازل أو من يحق له رفع الإيجار، وإنما حول عدد المنازل التي يمكن بناؤها فعلياً، والسرعة التي يمكن أن تصل بها إلى السوق.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض