عاد ملف تحرير سعر الصرف و«تعويم الدينار» إلى واجهة النقاش الاقتصادي في ليبيا، بعد التراجع الحاد للعملة المحلية أمام الدولار في «السوق السوداء»، وسط تحذيرات من تداعيات محتملة على أسعار السلع والخدمات والقوة الشرائية للمواطنين.
وتزامن تجدد الحديث عن «التعويم» مع ارتفاع سعر الدولار في «السوق الموازية» إلى نحو 9.80 دينار منتصف الأسبوع الماضي، قبل أن يتراجع إلى 9.61 دينار في نهايته. وتتجاوز الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي 3 دنانير، الأمر الذي يزيد تكلفة الاستيراد ويفرض ضغوطاً إضافية على أسعار السلع في الأسواق.
لا قرار رسمي بتعويم الدينار
ولا يرتبط الجدل الحالي بصدور قرار رسمي لتعويم الدينار، وإنما يدور حول إمكانية طرح تحرير سعر الصرف مستقبلاً كأحد الخيارات لمعالجة أزمة العملة، إلى جانب ترشيد الإنفاق العام وإدارة السيولة وتنفيذ إصلاحات مالية.
وقال عضو لجنة التخطيط والمالية بمجلس النواب الليبي، فهمي التواتي، إن تعويم الدينار «لا يمكن تطبيقه» في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تشهده البلاد وغياب مؤسسات تنفيذية متماسكة.
وأكد التواتي أن مجلس النواب ولجنة التخطيط والمالية «لم يناقشا أي مقترحات بشأن تعويم العملة»، مشيراً إلى أن الانتقال إلى نظام أكثر مرونة لسعر الصرف يحتاج إلى حزمة متكاملة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية.
تحذيرات من تأثير التعويم على المواطنين
ويرى التواتي أن أي تغيير في نظام سعر الصرف يجب أن يسبقه توفير شبكة حماية اجتماعية وإجراءات تحد من تأثيراته على القوة الشرائية ومستويات المعيشة، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية التي يواجهها المواطنون.
وتأتي هذه المناقشات بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة في ليبيا. وأظهرت أحدث البيانات الرسمية ارتفاع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك في أغسطس الماضي بنسبة 14.3% مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025، وفق بيانات مصلحة الإحصاء والتعداد.
مصرف ليبيا المركزي: رفع قيمة الدينار هدف أساسي
ولم تتوقف المخاوف بشأن تداعيات ارتفاع الدولار، رغم إعلان محافظ مصرف ليبيا المركزي محمد ناجي عيسى، الخميس الماضي، العمل على احتواء ارتفاع سعر الصرف والحد من تأثيراته على أسعار السلع والخدمات والسيطرة على التضخم.
وأكد عيسى أن رفع قيمة الدينار يمثل أحد الأهداف الأساسية للمصرف خلال المرحلة المقبلة، في ظل الضغوط التي يفرضها تراجع سعر العملة المحلية على الأسواق والمواطنين.
دعوات إلى إصلاح مالي قبل تحرير سعر الصرف
ومن بين الأصوات المتحفظة على التعويم الكامل، الخبير المصرفي نعمان البوري، الذي يرى أن التعويم الحر للدينار لن يعالج الاختلالات الاقتصادية ما لم يترافق مع ضبط الإنفاق الحكومي.
ويدعو البوري إلى تحرير تدريجي لسعر الصرف ضمن برنامج إصلاح مالي يشمل توحيد الموازنة وضبط الأجور والدعم، إلى جانب اتخاذ إجراءات لحماية أصحاب الدخول المحدودة من تداعيات أي تغيير في قيمة العملة.
مخاوف من تداعيات اقتصادية أوسع
ويركز عدد من الخبراء على الآثار المحتملة لأي تغيير في نظام سعر الصرف على المواطنين، ومن بينهم أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة مختار الجديد.
وقال الجديد، في منشور عبر «فيسبوك»، إن القضية لا تتعلق فقط بتغيير آلية تحديد سعر الصرف، وإنما بقدرة المواطنين على تحمل أعباء اقتصادية إضافية، محذراً من أن التعويم قد يفاقم الضغوط على المجتمع إذا لم يسبقه إصلاح اقتصادي شامل.
ما الفرق بين تحرير سعر الصرف والتعويم؟
يشير تحرير سعر الصرف إلى الانتقال نحو نظام أكثر مرونة، بحيث تتحدد قيمة العملة بدرجة أكبر وفقاً للعرض والطلب، مع إمكانية تدخل المصرف المركزي عند الحاجة للحد من التقلبات الحادة.
أما التعويم الحر، فيترك تحديد قيمة العملة بصورة أكبر لقوى السوق، مع تدخل محدود من السلطات النقدية.
ويكتسب الفرق بين النظامين أهمية خاصة في الحالة الليبية، في ظل الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية.
مخاوف بشأن الاستيراد وتوافر السلع
ولا تقتصر التحذيرات على تأثيرات محتملة في القوة الشرائية، إذ يرى خبراء أن تحرير سعر الصرف أو التعويم الحر قد ينعكس أيضاً على عمليات الاستيراد، خصوصاً مع اعتماد السوق الليبية بدرجة كبيرة على النقد الأجنبي الذي يوفره مصرف ليبيا المركزي.
وحذر أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي عطية الفيتوري، في منشور عبر «فيسبوك»، من أن غياب سوق تنافسية للنقد الأجنبي وعدم وجود سوق آجلة تتيح للمستوردين التحوط من تقلبات أسعار الصرف قد يؤديان إلى اضطراب في فتح الاعتمادات المستندية، مع انعكاسات محتملة على توافر السلع وأسعارها.
الاعتمادات المستندية ودورها في توفير الدولار
وتُعد الاعتمادات المستندية إحدى الآليات التي يوفر من خلالها مصرف ليبيا المركزي النقد الأجنبي للتجار والشركات بسعر رسمي، بهدف تمويل استيراد السلع.
وتأتي هذه الآلية في إطار محاولة توفير الدولار للمستوردين وتقليل الأعباء المرتبطة بارتفاع سعره في السوق الموازية، خصوصاً بالنسبة إلى السلع الأساسية.
وبينما يتواصل الجدل بشأن مستقبل نظام سعر الصرف في ليبيا، يتركز النقاش الاقتصادي على مدى قدرة السلطات على معالجة الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، بالتوازي مع ضبط الإنفاق وإجراء إصلاحات مالية ونقدية، بما يحد من انعكاس أزمة العملة على الأسعار ومستويات معيشة المواطنين.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض