تستعد الحكومة لبدء التطبيق التجريبي لموازنة البرامج والأداء اعتبارًا من العام المالي 2027-2028، في خطوة تستهدف الانتقال من مجرد متابعة حجم الإنفاق الحكومي إلى قياس نتائج الإنفاق ومدى تحقيقه للأهداف المحددة، بما يعزز كفاءة استخدام الموارد العامة ويرفع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وعقد الدكتور حسين عيسى، نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، اليوم الخميس، اجتماعًا مع أحمد كجوك، وزير المالية، والدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، بحضور عدد من قيادات الوزارتين، لمتابعة الاستعدادات والخطوات التنفيذية اللازمة لبدء التطبيق التجريبي للموازنة الجديدة.
من موازنة البنود إلى قياس النتائج
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور سمير رؤوف، الباحث في الشأن الاقتصادي، أن الفارق الأساسي بين الموازنة التقليدية وموازنة البرامج والأداء يتمثل في طريقة النظر إلى الأموال العامة وكيفية تقييم استخدامها.
وقال الخبير الاقتصادي في تصرحات لـ"العقارية" إن الموازنة التقليدية تركز بصورة أساسية على الإيرادات والمصروفات وتوزيع الاعتمادات على أبواب وبنود محددة، بحيث تتم محاسبة الجهة الحكومية بدرجة كبيرة على مدى التزامها بالاعتمادات المخصصة لها وكيفية إنفاقها.
وأضاف الدكتور سمير رؤوف، "أما موازنة البرامج والأداء، فتضيف إلى ذلك سؤالًا أكثر ارتباطًا بالنتائج، وهو ماذا تحقق بالفعل مقابل الأموال التي تم إنفاقها؟، وبحسب هذا التصور، فإن تخصيص مليار جنيه لقطاع الطرق، على سبيل المثال، لا يعني انتهاء عملية التقييم بمجرد إنفاق المبلغ، وإنما يصبح من الضروري معرفة المشروع الذي تم تنفيذه، وحجمه، ومدى تحقيقه للهدف المحدد، وتأثيره على المواطنين".
ولفت الدكتور سمير رؤوف، إلى أن الأمر نفسه ينطبق على قطاعات مثل الصحة والزراعة والتعليم والنقل، إذ لا يقتصر التقييم على قيمة المخصصات المالية أو نسبة الإنفاق منها، بل يمتد إلى النتائج التي حققتها البرامج الحكومية.
البرنامج يسبق التمويل
وأشار الباحث الاقتصادي، إلى أن الفكرة الأساسية لموازنة البرامج والأداء تقوم على أن الجهة الحكومية تحدد مسبقًا البرامج والمشروعات التي تستهدف تنفيذها، والأهداف المراد تحقيقها، والموارد المطلوبة لذلك، ثم تتم دراسة هذه الخطط قبل إقرار التمويل.
وتابع: "فعلى سبيل المثال، إذا تقدمت جهة حكومية ببرنامج لإنشاء مجموعة من الكباري أو الطرق، فإن السؤال لن يكون فقط عن تكلفة التنفيذ، وإنما عن أسباب اختيار المشروع، وعدد المستفيدين منه، والمشكلة التي يستهدف حلها، والنتائج المتوقع تحقيقها.. كما يمكن أن تمتد عملية التنفيذ لأكثر من عام مالي، خصوصًا في المشروعات الكبرى. فبدلًا من اشتراط إنجاز المشروع بالكامل خلال سنة واحدة، يمكن توزيع الاعتمادات على عدة سنوات وفقًا لمراحل التنفيذ، وهو ما يسمح بربط التمويل الفعلي بالتقدم المحقق في المشروع".
التخطيط والمالية والجهات التنفيذية
ويرى الخبير الاقتصادي أن المنظومة الجديدة، تفرض وفق التصور المطروح، درجة أكبر من التنسيق بين وزارة التخطيط ووزارة المالية والجهات الحكومية المنفذة.
وأوضح الدكتور سمير رؤوف، أنه بعد تقديم الجهة لبرنامجها وأهدافه ودراسات الجدوى المرتبطة به، تقوم وزارة التخطيط بدراسة البرنامج ومراجعة مدى اتساقه مع الأهداف التنموية، قبل أن يتم ربط ذلك بعملية تخصيص الموارد المالية، مشيراً إلى أنه بذلك تصبح عملية صرف الأموال جزءا من دورة متكاملة تبدأ بالتخطيط وتحديد الأهداف، ثم تخصيص الموارد، ثم التنفيذ، وأخيرًا قياس النتائج ومراجعة الأداء.
الأموال غير المنفقة والاعتمادات المستقبلية
وذكر الدكتور سمير رؤوف أنه من أبرز الاختلافات التي يوضحها تطبيق موازنة البرامج والأداء أن الجهة الحكومية لا تحصل بالضرورة على المبلغ نفسه كل عام لمجرد أنها حصلت عليه في العام السابق.
وتابع الباحث الاقتصادي "فإذا تم تخصيص مبلغ قدره 100 مليون جنيه لبرنامج معين، ولم يتم إنفاق سوى 50 مليون جنيه، فإن الجزء غير المستخدم لا يُنظر إليه باعتباره مبررًا تلقائيًا لتكرار الاعتماد نفسه في العام التالي. ويصبح حجم التمويل مرتبطًا باحتياجات البرنامج ومراحله وما تم إنجازه فعليًا.. وفي المشروعات الممتدة لعدة سنوات، يمكن أن تتغير قيمة الاعتمادات من عام إلى آخر وفقًا لمراحل التنفيذ، بدلًا من تكرار الاعتماد المالي ذاته بصورة آلية".
رقابة أكبر ومساءلة على النتائج
ويتوقع الخبير الاقتصادي، أنه يصاحب تطبيق الموازنة الجديدة تعزيز أدوار المتابعة والرقابة، بحيث لا تقتصر المساءلة على الجوانب المالية، وإنما تشمل مدى تنفيذ البرامج وفق الأهداف الموضوعة.
ولفت الباحث الاقتصادي، إلى أنه يمكن أن تشارك الجهات الرقابية المختلفة في مراجعة مدى الالتزام بالخطط والاعتمادات، إلى جانب دور الجهات التشريعية في فحص الحسابات الختامية ومتابعة أداء الحكومة، متابعا "وبالتالي، فإن الوزارة أو الجهة الحكومية ستكون مطالبة ليس فقط بالإجابة عن سؤال: كم أنفقت؟ وإنما أيضًا عن سؤال: ماذا حققت مقابل ما أنفقته؟".
المواطن في قلب عملية التقييم
وأكد الخبير الاقتصادي، أن موازنة البرامج والأداء ترتبط بتحسين كفاءة الإنفاق العام وتحقيق نتائج أكثر وضوحًا للمواطن، قائلا:"ففي قطاع الطرق، على سبيل المثال، يفترض أن تساعد المنظومة في الحد من تنفيذ أعمال لا تستند إلى تخطيط متكامل، مثل رصف طريق ثم إعادة تكسيره بعد فترة قصيرة لتنفيذ أعمال مرافق أو كابلات لم تكن منسقة مسبقًا".
وأوضح مع تطبيق منهج البرامج والأداء، تصبح الحاجة أكبر إلى التنسيق المسبق بين الجهات المختلفة، بحيث يتم تحديد احتياجات المياه والغاز والكهرباء والاتصالات وغيرها قبل تنفيذ أعمال الرصف، بما يقلل من تكرار الإنفاق ويحد من إهدار الموارد.
وأشار الباحث الاقتصادي، إلى أن موازنة البرامج والأداء تتيح من حيث المبدأ إمكانية تقديم صورة أكثر وضوحًا عن البرامج الحكومية ونتائجها، بما يعزز الشفافية ويجعل تقييم أداء الجهات قائمًا بدرجة أكبر على مؤشرات ونتائج قابلة للمتابعة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض