طرح ترشيح دونالد ترامب لكيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي تساؤلات حول مدى امتلاكه الخبرة والمصداقية التي تؤهله لقيادة البنك المركزي الأميركي، خاصة مع تحذيرات عدد من المستثمرين من مخاطر خضوعه للضغوط السياسية.
لكن خطاب وارش الأخير في منتجع جاكسون هول، والذي شدد خلاله على أهمية مكافحة التضخم، دفع بعض منتقديه السابقين إلى إبداء قدر من الإشادة الحذرة بموقفه.
ومع اقتراب الاجتماع المرتقب لمجلس الاحتياطي الفيدرالي يوم الأربعاء، أصبح التساؤل الأهم متعلقًا بقدرة وارش على التعامل سياسيًا مع الضغوط القادمة من البيت الأبيض، إلى جانب إدارة الملفات الاقتصادية.
إيمان بالسوق الحرة وموقف من التضخم
يعرف وارش منذ سنوات طويلة بإيمانه بمبادئ السوق الحرة، وهو ما جعله يتخذ موقفًا متحفظًا تجاه التضخم والتدخل الحكومي في الاقتصاد.
كما عارض، إلى جانب عدد من المنتقدين، التوسع في استخدام سياسة التيسير الكمي التي اتبعها الاحتياطي الفيدرالي بعد الأزمة المالية عام 2008.
وفي المقابل، يتبنى ترامب موقفًا مختلفًا، إذ يؤيد التدخل في الأسواق عندما يخدم أهدافه، كما يطالب بخفض أسعار الفائدة، وقد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى شراء مزيد من السندات إذا استمرت أسعار سندات الخزانة في التراجع، خاصة بعدما اقترب عائد السندات لأجل 10 سنوات من مستوى 5% الأسبوع الماضي.
هل يخضع وارش لضغوط ترامب؟
دفعت هذه التناقضات بعض الشخصيات السياسية إلى الاعتقاد بأن وارش قد يختار الاستجابة لمطالب ترامب للحفاظ على منصبه إذا نشبت مواجهة مباشرة بين الطرفين.
وقالت السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارين، في وقت سابق من العام، إن وارش أثبت أنه مجرد أداة بيد ترامب، معتبرة أن ذلك أضر بمصداقيته.
لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن وارش بدأ في إظهار موقف أكثر صلابة، مع امتلاكه عددًا من العوامل التي قد تساعده على الحفاظ على استقلاليته في مواجهة الضغوط السياسية.
جيروم باول يمنح وارش مساحة للمناورة
يرتبط العامل الأول بجيروم باول، الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي، الذي قرر بعد تنحيه عن رئاسة البنك المركزي في مايو البقاء عضوًا في مجلس المحافظين.
وكان قرار باول غير معتاد، خصوصًا أنه أبلغ مقربين منه بأنه سيستمر في منصبه إلى أن يتراجع ترامب بصورة واضحة عن تهديداته المتعلقة بملاحقته قضائيًا.
وكان مراقبون للشأن الاقتصادي يتوقعون أن يزعج استمرار باول وارش، لكن ما حدث كان مختلفًا.
فخلال فترة رئاسة باول، اعتاد ترامب تحميله مسؤولية المشكلات الاقتصادية، كما أن استمرار باول عضوًا في المجلس يعني أن الموالين لترامب يمثلون أقلية داخله.
وبذلك أصبح أمام وارش مجال لإلقاء مسؤولية القرارات التي قد تثير غضب ترامب على باول ومؤيديه داخل المجلس.
خلافات داخل الفيدرالي تتيح هامشًا أكبر لوارش
بات مجلس الاحتياطي الفيدرالي يعتمد بصورة أكبر على التصويت عند اتخاذ قراراته، وسط نقاشات حادة وصفها وارش بأنها أشبه بـ«الخلافات العائلية».
ويمنح هذا الوضع وارش فرصة للتعامل مع القرارات الخلافية باعتبارها نتيجة لنقاش وتصويت داخل المجلس، وليس قرارًا منفردًا يصدر عنه شخصيًا.
ارتفاع عوائد السندات يضع بيسينت تحت الضغط
يمثل ارتفاع عوائد السندات عاملًا آخر في حسابات وارش، إذ يشكل ضغطًا كبيرًا على وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسينت، الذي يتعين عليه بيع سندات خزانة تتجاوز قيمتها 10 تريليونات دولار خلال العام المقبل.
وحاول بيسينت الأسبوع الماضي الحد من صعود العوائد من خلال برنامج لإعادة شراء سندات بقيمة 6 مليارات دولار، إلا أن المحاولة لم تنجح في وقف الارتفاع.
وفي المقابل، لا يبدو وارش متأثرًا بالقدر نفسه بصعود عوائد السندات، وفقًا لما ذكرته مؤسسة «جافيكال للأبحاث» لعملائها هذا الأسبوع.
عوائد السندات تساعد وارش في مواجهة التضخم
قد يكون ارتفاع عوائد السندات مفيدًا لوارش من زاوية أخرى، إذ يمكن أن يساعد في الحد من التضخم دون الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة.
ويتوافق ذلك مع موقفه الذي عبر عنه في جاكسون هول بشأن انتهاء عصر «الركود الهيكلي».
لكن هذا الوضع يحمل مخاطر في الوقت نفسه، إذ يمكن أن يشعر المستثمرون بالقلق إذا بدا أن وارش وبيسينت يتجهان إلى مواجهة بشأن السياسة الاقتصادية.
وزادت هذه المخاوف بعد مقال نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» بقلم ستانلي دراكنميلر، الرئيس السابق لوارش وحليفه الفكري، دعا فيه بيسينت إلى عدم التدخل وترك سوق السندات تحدد اتجاهها.
علاقة وارش وبيسينت بدراكنميلر
ورغم احتمالات الخلاف، فإن وارش وبيسينت ينتميان إلى مدرسة استثمارية واحدة، إذ كان كلاهما من تلاميذ دراكنميلر، كما دعم كل منهما الآخر للوصول إلى منصبه الحالي.
ومن المتوقع أن يتعاونا لتجنب نشوب أزمة مالية حادة، إلا أن تعثر محاولات بيسينت للحد من ارتفاع عوائد السندات يمنح وارش في المقابل صورة أقوى في التعامل مع الأسواق.
الميزانية العمومية للفيدرالي ورقة أخرى بيد وارش
تتعلق النقطة الرابعة بالميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي، إذ يركز ترامب بدرجة كبيرة على أسعار الفائدة، لكنه لا يبدي الاهتمام نفسه بالتفاصيل المعقدة للسياسة النقدية.
ولم يوجه ترامب حتى الآن هجومًا على استمرار الفيدرالي في تقليص حيازاته من الأوراق المالية طويلة الأجل بمعدل 19 مليار دولار شهريًا.
ويزيد هذا المبلغ على حجم عمليات إعادة الشراء التي ينفذها بيسينت، بحسب «جافيكال»، وهو ما يمنح وارش أداة إضافية لتشديد الأوضاع المالية.
كما كلف وارش لجنة خارجية بإعداد مقترحات بشأن هذه المسألة، على أن تقدم تقريرها في وقت لاحق من العام.
تراجع شعبية ترامب قد يمنح وارش مساحة أكبر
يرتبط العامل الخامس بالتوقيت السياسي، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى تزايد استياء الناخبين الأميركيين من أداء ترامب، ويرتبط ذلك جزئيًا بحربه مع إيران.
وفي هذا السياق، قدم ترامب وعدًا بمنح كل مواطن بالغ مكافأة قدرها 5000 دولار إذا فاز الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، وهو ما دفع منتقديه إلى الحديث عن احتمال بلوغ نفوذه السياسي ذروته ثم بدء تراجعه.
لكن مثل هذه التوقعات تظل مبكرة قبل إجراء انتخابات التجديد النصفي.
المستثمرون أقل تأثرًا بضغوط ترامب
أصبح المستثمرون، وفق هذه القراءة، أقل تخوفًا من تصريحات ترامب وتحركات بيسينت، خاصة بعدما ارتفعت عوائد السندات عقب إعلان عمليات إعادة الشراء.
وقد يمنح ذلك وارش مساحة أكبر لإظهار استقلاليته في مواجهة الضغوط السياسية.
هل يرفع الفيدرالي أسعار الفائدة الأربعاء؟
تسعّر الأسواق، عقب بيانات التضخم التي صدرت يوم الجمعة، احتمال رفع أسعار الفائدة بنسبة تصل إلى 80% أو أكثر.
ومع ذلك، توجد توقعات بأن يفضل بعض أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي الانتظار إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي قبل اتخاذ قرار بشأن أسعار الفائدة.
وتكشف هذه الاحتمالات عن تغير الحسابات السياسية المحيطة بالاحتياطي الفيدرالي، في ظل إظهار وارش قدرًا أكبر من المهارات الاستراتيجية والنفوذ السياسي.
ويبقى التحدي أمامه هو الحفاظ على استقلالية البنك المركزي، خاصة إذا أدى ارتفاع عوائد السندات إلى ضغوط تدفع باتجاه العودة إلى سياسة التيسير الكمي.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض