مصر تتجه نحو "اللوجستيات الخضراء" لتعزيز تنافسية الاقتصاد وربط سلاسل الإمداد العالمية


الجريدة العقارية السبت 29 اغسطس 2026 | 11:20 صباحاً
المناطق اللوجستية
المناطق اللوجستية
عبدالله محمود

تسارع مصر خطواتها نحو بناء منظومة لوجستية أكثر استدامة، في إطار رؤية تستهدف تعزيز مكانتها كمركز إقليمي للنقل والتجارة والخدمات اللوجستية، بالتوازي مع التوسع في مشروعات البنية التحتية والتحول الرقمي والاعتماد على وسائل النقل والطاقة النظيفة. ويأتي هذا التوجه في وقت يشهد فيه سوق الخدمات اللوجستية العالمي تحولاً متزايداً نحو النماذج الخضراء، مدفوعاً بارتفاع الضغوط البيئية والحاجة إلى خفض الانبعاثات وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد.

كشف تقرير حديث صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحت عنوان «اللوجستيات الخضراء: نحو نموذج مستدام لسلاسل الإمداد»، عن توجه الدولة المصرية لتبني نماذج أكثر استدامة في قطاع اللوجستيات، باعتبارها جزءاً رئيسياً من استراتيجية التنمية الشاملة التي تضع الاستدامة البيئية ضمن أولوياتها.

وأوضح التقرير أن قطاع اللوجستيات يمثل أحد المكونات الأساسية للتجارة الدولية، لما يقوم به من دور في نقل السلع وتخزينها وإدارة المخزون والتغليف، إلا أن هذه الأنشطة ترتبط في الوقت نفسه بمعدلات مرتفعة من استهلاك الطاقة والانبعاثات والنفايات، الأمر الذي دفع إلى ظهور مفهوم «اللوجستيات الخضراء» كأحد الحلول الرامية إلى تحقيق التوازن بين الكفاءة التشغيلية والحفاظ على البيئة.

وتشمل اللوجستيات الخضراء مجموعة من الممارسات، من بينها استخدام المركبات الكهربائية والهجينة، وتطوير وسائل نقل موفرة للطاقة، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، إلى جانب استخدام مواد تغليف مستدامة، وتحسين إدارة المخزون، وإعادة تدوير المخلفات، وتطبيق تقنيات رقمية تساعد على تقليل الرحلات غير الضرورية ورفع كفاءة عمليات النقل والتخزين.

10.93 مليارات دولار حجم سوق اللوجستيات في مصر

وأشار التقرير إلى أن حجم سوق الشحن والخدمات اللوجستية في مصر بلغ نحو 10.93 مليارات دولار خلال عام 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى 14.66 مليار دولار بحلول عام 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يقدر بنحو 5.04% خلال الفترة من 2026 إلى 2031، وفق تقديرات شركة أبحاث السوق «موردور إنتليجنس».

ويعكس هذا النمو استمرار الطلب على الخدمات اللوجستية، مدفوعاً بالتوسع الصناعي والمشروعات القومية وزيادة التجارة الإلكترونية، إلى جانب الاستثمارات المتواصلة في الطرق والسكك الحديدية والمواني والمناطق الحرة ومراكز التخزين.

ويتصدر قطاع التصنيع هيكل الطلب على الخدمات اللوجستية في مصر، مستحوذاً على نحو 31.22% من إجمالي السوق خلال 2025، في ظل استمرار حركة استيراد المواد الخام وتصدير المنتجات النهائية.

كما يُتوقع أن يسجل قطاعا الجملة والتجزئة نمواً سنوياً مركباً يبلغ نحو 5.32% خلال الفترة من 2026 إلى 2031، مدفوعاً بتوسع التجارة الإلكترونية وتطور تجارة التجزئة، الأمر الذي يعزز الطلب على حلول التخزين الذكي وإدارة المخزون واللوجستيات العكسية.

وفي المقابل، يستحوذ نشاط نقل البضائع على الحصة الأكبر من سوق اللوجستيات بنسبة 59.73% خلال 2025، بينما تأتي خدمات البريد السريع والتوصيل «سي إي بي» كأسرع الأنشطة نمواً، بمعدل سنوي مركب متوقع يبلغ 5.77% حتى عام 2031.

قناة السويس تعزز موقع مصر على خريطة التجارة العالمية

ويحظى قطاع اللوجستيات بأهمية استراتيجية للاقتصاد المصري، إذ بلغت مساهمة قطاع النقل والتخزين في الناتج المحلي الإجمالي متوسطاً قدره 5% خلال الفترة من 2015/2016 إلى 2024/2025، وفق قاعدة البيانات القومية لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية.

وتعزز قناة السويس هذه المكانة، إذ يمر عبرها نحو 12% من حجم التجارة البحرية العالمية، بما يجعلها أحد أهم الممرات الملاحية الدولية التي تربط الشرق بالغرب.

كما تمتلك مصر شبكة واسعة من المواني البحرية، حيث يتم نقل نحو 90% من التجارة الخارجية المصرية عبر المواني البحرية. وتضم الدولة 19 ميناءً بحرياً على البحرين الأحمر والمتوسط، منها 14 ميناءً قائماً يجري تطويرها، إلى جانب خمسة مواني جديدة قيد الإنشاء، هي أبو قير والمكس وجرجوب وبرنيس وطابا.

وتعمل الدولة على تغيير مفهوم المواني من مجرد نقاط لاستقبال وتحريك البضائع إلى مراكز لوجستية متكاملة وذكية، ترتبط بالمناطق الصناعية والمواني الجافة وشبكات الطرق والسكك الحديدية، بما يعزز قدرة مصر على الاندماج في سلاسل الإمداد العالمية.

وفي هذا الإطار، حقق عدد من المواني المصرية مراكز متقدمة في التصنيفات الدولية، إذ جاء ميناء شرق بورسعيد في المركز الثالث عالمياً والأول إقليمياً في مؤشر أداء مواني الحاويات لعام 2024 الصادر عن البنك الدولي، كما جاء ميناء دمياط ضمن أفضل 20 محطة حاويات عالمياً وفق مؤشر 2024.

9.4 مليارات دولار متحصلات النقد الأجنبي من خدمات النقل

ولا يقتصر تأثير قطاع اللوجستيات على حركة التجارة، بل يمتد إلى دعم موارد النقد الأجنبي وجذب الاستثمارات وخلق فرص العمل. وبلغت قيمة متحصلات النقد الأجنبي من خدمات النقل في مصر نحو 9.4 مليارات دولار خلال العام المالي 2024/2025.

كما يستوعب قطاع النقل والتخزين نحو 8.7% من إجمالي المشتغلين في مصر، بما يعادل قرابة 2.9 مليون مشتغل من إجمالي 33.3 مليون مشتغل خلال الربع الأول من عام 2026.

وتتوسع الدولة كذلك في إنشاء سبعة ممرات لوجستية متكاملة لربط مناطق الإنتاج الصناعي والزراعي والتعديني بالمواني البحرية، وربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية، بما فيها القطار الكهربائي السريع، إلى جانب المواني الجافة والمناطق اللوجستية.

التحول إلى المواني الخضراء

وفي إطار التحول نحو نموذج أكثر استدامة، استعرض التقرير مجموعة من الجهود المصرية لتطوير قطاع اللوجستيات الخضراء، تشمل التوسع في وسائل النقل النظيفة والمستدامة، وتحويل المواني إلى مواني خضراء، وإنشاء مناطق لوجستية متكاملة، ودعم التحول الرقمي، واستخدام الطاقة الشمسية في المستودعات المبردة، وتطوير النقل متعدد الوسائط، فضلاً عن إنشاء وتطوير المواني الذكية والخضراء.

كما يمثل التحول الرقمي أحد المحاور الرئيسية لتقليل التكلفة والانبعاثات، من خلال استخدام أنظمة إدارة المستودعات ومنصات التخليص الجمركي الرقمية، بما يسهم في تقليص زمن بقاء البضائع ورفع كفاءة التشغيل.

4.5 تريليونات دولار متوقعة لإيرادات اللوجستيات الخضراء عالمياً

وعلى المستوى العالمي، كشف التقرير عن النمو السريع لسوق الخدمات اللوجستية الخضراء، إذ بلغت إيرادات السوق نحو 2.4 تريليون دولار في عام 2024، مع توقعات بارتفاعها إلى 4.5 تريليونات دولار بحلول 2030، بزيادة تبلغ نحو 87.5%.

واستحوذت أنشطة التحول الرقمي والأخضر على نحو 45.8% من سوق الخدمات اللوجستية الخضراء في 2024، بإيرادات بلغت حوالي 1.1 تريليون دولار، تلتها أنشطة تصنيع واعتماد المركبات وأنظمة الدفع الخضراء بحصة بلغت 37.5%.

وتتصدر أمريكا الشمالية الأسواق العالمية من حيث متوسط معدل النمو المتوقع في سوق اللوجستيات الخضراء خلال الفترة من 2024 إلى 2030، بنسبة 8.4%، تليها أوروبا بنحو 8%، بينما تسجل منطقتا الشرق الأوسط وأفريقيا معدل نمو أقل يبلغ نحو 5.6%.