مخاوف التضخم تضغط على سوق السندات الأمريكية.. وعوائد الـ10 سنوات تقترب من 4.73%


الجريدة العقارية الجمعة 21 اغسطس 2026 | 09:59 مساءً
السندات الأمريكية
السندات الأمريكية
محمد عاطف

بدأ المستثمرون الأمريكيون في إعادة تقييم مخاطر التضخم خلال الأيام الأخيرة، بالتزامن مع تحركات وزارة الخزانة الأمريكية لدعم السيولة في سوق الديون الحكومية، وهو ما أثار تساؤلات بشأن التداعيات المحتملة لهذه الإجراءات على التضخم والسياسة النقدية وأسواق العملات والسندات.

وتزامنت هذه التطورات مع ارتفاع مؤشرات توقعات التضخم في السوق، في وقت تواجه فيه سندات الخزانة الأميركية ضغوطًا من عدة اتجاهات، من بينها ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي، وزيادة إصدارات الشركات، وارتفاع العوائد على بعض أدوات الدين في الأسواق العالمية.

معدل التعادل للتضخم يسجل أعلى مستوى في أكثر من شهرين

ارتفع ما يعرف بـ«معدل التعادل للتضخم» عبر آجال مختلفة من منحنى عائد سندات الخزانة، وهو مؤشر يستخدمه المستثمرون لاستقراء توقعات التضخم من خلال مقارنة عوائد السندات التقليدية بعوائد السندات المحمية من التضخم ذات آجال الاستحقاق نفسها.

وبلغ معدل التعادل للسندات الأميركية لأجل 10 سنوات نحو 2.34% يوم الخميس، وهو أعلى مستوى له منذ 10 يونيو، كما وصل المعدل المقابل للسندات لأجل 5 سنوات إلى المستوى نفسه، مسجلًا أعلى قراءة منذ 16 يونيو.

ولا تعني هذه المستويات أن الأسواق تتوقع موجة تضخم حادة، إلا أنها تشير إلى ارتفاع نسبي في علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون للتحوط من احتمالات زيادة الأسعار مستقبلًا.

تحركات الخزانة تثير تساؤلات في الأسواق

جاء ارتفاع توقعات التضخم بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية عزمها زيادة حجم عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل، التي تبلغ قيمتها المعتادة نحو 2 مليار دولار، بما لا يقل عن الضعف.

وكانت هذه العمليات قد بدأت في عام 2024 بهدف تحسين السيولة وتوفير سوق أكثر كفاءة للسندات طويلة الأجل.

ورغم تأكيد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن الإجراء لا يستهدف خفض عوائد السندات بصورة مباشرة، فإن الإعلان جاء بعد ارتفاع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 و30 عامًا إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية في 2008.

ويرى محللون أن تزامن هذه التحركات مع ارتفاع توقعات التضخم يعكس حساسية الأسواق تجاه أي إجراءات قد تؤثر في مستويات السيولة أو توقعات السياسة النقدية.

عوائد السندات تعاود الصعود

ورغم الانخفاض الحاد في عوائد السندات طويلة الأجل عقب إعلان برنامج إعادة الشراء، عادت العوائد إلى الارتفاع في الجلسات التالية.

وسجل العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات نحو 4.73% خلال تعاملات الجمعة، بزيادة قدرها 3.4 نقطة أساس، متجاوزًا المستوى الذي كان عليه قبل إعلان وزارة الخزانة.

كما ارتفع عائد السندات لأجل 30 عامًا إلى 5.27%، بزيادة بلغت 3.6 نقطة أساس.

وامتد صعود العوائد إلى الآجال القصيرة، في ظل حاجة وزارة الخزانة إلى تعويض عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل من خلال زيادة إصدار أدوات دين قصيرة الأجل.

لماذا ترتفع عوائد السندات الأمريكية؟

لا يرتبط ارتفاع العوائد بعامل واحد، إذ تتداخل عدة ضغوط في السوق، أبرزها:

تزايد المخاوف بشأن التضخم.

ارتفاع حجم إصدارات الديون الحكومية.

منافسة السندات الأميركية من أدوات دين حكومية بعوائد أعلى في آسيا وأوروبا.

زيادة إصدارات شركات التكنولوجيا الكبرى لتمويل استثماراتها الضخمة، خصوصًا في الذكاء الاصطناعي.

ارتفاع «علاوة الأجل» التي يطلبها المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات الأميركية طويلة الأجل.

تجاوز إجمالي حجم الدين الأميركي 40 تريليون دولار.

وتعني هذه العوامل مجتمعة أن المستثمرين أصبحوا أكثر تطلبًا من حيث العائد لتعويض المخاطر المرتبطة بالاحتفاظ بالديون الأميركية طويلة الأجل.

الدولار يتراجع رغم ارتفاع العوائد

في الوقت الذي ارتفعت فيه عوائد سندات الخزانة، واصل الدولار تراجعه، إذ فقدت العملة الأميركية نحو 0.9% من قيمتها خلال الأسبوع.

ويرى بعض استراتيجيي العملات أن ضعف الدولار قد يكون مرتبطًا أيضًا بطريقة تفسير المستثمرين لتحركات وزارة الخزانة وتأثيرها المحتمل على توجهات الاحتياطي الفيدرالي.

كما أن ارتفاع معدل التعادل للتضخم لأجل 10 سنوات بنحو 6 إلى 7 نقاط أساس عقب إعلان زيادة عمليات إعادة الشراء يُعد إشارة مهمة إلى أن الأسواق رأت في الخطوة جانبًا قد يدعم ارتفاع توقعات التضخم.

خطاب كيفن وارش تحت أنظار المستثمرين

وتتجه أنظار الأسواق الآن إلى كيفن وارش، الذي من المقرر أن يلقي خطابًا رئيسيًا في 28 أغسطس خلال الندوة السنوية للبنك المركزي في جاكسون هول بولاية وايومنغ.

وتكتسب تصريحات وارش أهمية خاصة في ظل ترقب المستثمرين لإشارات بشأن مستقبل أسعار الفائدة والتضخم ودور الاحتياطي الفيدرالي في الأسواق.

ويخشى بعض المحللين من أن تؤدي الإشارات إلى استمرار نهج نقدي تيسيري إلى مزيد من ارتفاع توقعات التضخم، وهو ما قد يضغط بدوره على العوائد طويلة الأجل بدلًا من دفعها إلى الانخفاض.

هل ارتفاع العوائد يمثل خطرًا على الاقتصاد؟

رغم حالة القلق في بعض أوساط السوق، لا يرى جميع المستثمرين أن الارتفاع الحالي في عوائد السندات يمثل أزمة.

ويشير بعض الاستراتيجيين إلى أن عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات لا يزال يتحرك ضمن نطاق محدود مقارنة بالتاريخ الحديث، ولا يظهر تقلبات حادة أو غير معتادة.

كما يرى محللون أن عائدًا يتراوح بين 4% و5% على السندات الأميركية لأجل 10 سنوات يمكن اعتباره مستوى متوازنًا في اقتصاد قوي، لأنه يسمح لأسعار الفائدة بأداء دورها الطبيعي في تنظيم حركة رؤوس الأموال.