بعد إطلاق البنك المركزي حملة موحدة.. "العقارية" تسلط الضوء على تطور أساليب الاحتيال المصرفي


الجريدة العقارية الخميس 13 اغسطس 2026 | 02:54 مساءً
الاحتيال المصرفي
الاحتيال المصرفي
عبدالله محمود

في ظل التطور المتسارع الذي يشهده القطاع المصرفي والتحول الرقمي للخدمات المالية، أطلق البنك المركزي المصري حملة توعوية موحدة على مستوى القطاع المصرفي بمشاركة كافة البنوك العاملة تحت شعار "معًا نكافح الاحتيال"،  داعيا العملاء إلى الحفاظ على سرية بياناتهم البنكية والشخصية وعدم الاستجابة للمكالمات أو الرسائل المشبوهة وعدم الضغط على الروابط مجهولة المصدر.

المخاطر التي يواجهها العملاء

تحذر الدكتورة منى فتحي، خبيرة أمن المعلومات، عن تحول نوعي في طبيعة المخاطر التي يواجهها العملاء، إذ لم يعد المحتال يعتمد فقط على رسائل ركيكة أو روابط واضحة الاحتيال، وإنما بات قادرًا على إنتاج محتوى شديد الإقناع، واستغلال بيانات شخصية متاحة، وتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لصناعة سيناريوهات متكاملة تستهدف الضحية نفسيًا وتقنيًا في الوقت نفسه.

المحتالون يطورون أدواتهم باستمرار

أكدت الدكتورة منى فتحي خلال تصريحات لموقع الجريدة العقارية أن الاحتيال المالي والإلكتروني يشهد تزايدًا ملحوظًا، بالتزامن مع توسع استخدام تقنيات الهندسة الاجتماعية، موضحة أن المحتالين يطورون أساليبهم باستمرار لاستغلال نقص الوعي لدى بعض المواطنين والسيطرة على البيانات الحساسة، حيث يعتمدون على استغلال العامل البشري قبل استهداف الأنظمة التقنية، إذ يحاول المحتال إقناع الضحية بأنه جهة موثوقة، ثم يدفعه تحت تأثير الخوف أو الاستعجال أو الإغراء إلى اتخاذ خطوة تضر بأمان حسابه أو أمواله.

الأساليب التصيد الإلكتروني

ومن أبرز هذه الأساليب التصيد الإلكتروني، وفقًا لخبيرة أمن المعلومات، سواء من خلال الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني أو الروابط التي يتم تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات المرتبطة بالبطاقات البنكية، ومنها تطبيقات المحادثات مثل واتساب، وقد تتضمن الرسالة عبارات تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بالحساب المصرفي، مثل الإدعاء بإيقاف الحساب وطلب تحديث البيانات أو الزعم بوجود عملية تحويل مالي مع مطالبة العميل بالضغط على رابط لإلغائها.

وتشير الدكتورة منى فتحي، أن هناك أيضًا الاحتيال الهاتفي، الذي يقوم خلاله المحتال بانتحال صفة موظف في أحد البنوك، ثم يتواصل مع العميل محاولًا الحصول على بيانات شخصية أو مصرفية حساسة.

وبحسب خبيرة أمن المعلومات، لا تتوقف أساليب الخداع عند المكالمات والرسائل، إذ يمكن أن تظهر في صورة إعلانات أو صفحات مزيفة على منصات التواصل الاجتماعي تستغل المناسبات والأعياد لجذب الضحايا من خلال وعود بالحصول على مكافآت أو مبالغ مالية وهمية، كما تشمل المخاطر سرقة أو استبدال شريحة الهاتف المحمول، بما يسمح للمحتال بمحاولة الوصول إلى الخدمات المالية المرتبطة برقم الهاتف، فضلًا عن استخدام البرمجيات الخبيثة لاختراق الأجهزة.

تزوير رقم المتصل ورقم يشبه البنك

ومن أكثر الأساليب التي ترفع احتمالات وقوع الضحية في الفخ، وفقًا للدكتورة منى فتحي، تقنية تزوير هوية المتصل، إذ يستطيع المحتال جعل الرقم الظاهر على شاشة الهاتف مشابهًا بدرجة كبيرة لرقم البنك الرسمي.

وتكمن خطورة هذه التقنية في أن العميل قد يربط الرقم الظاهر أمامه مباشرة بالجهة المصرفية التي يتعامل معها، فيشعر بدرجة أعلى من الاطمئنان، ويصبح أكثر استعدادًا للاستجابة لطلبات المتصل.

وتشير خبيرة أمن المعلومات، إلى أن الضغط النفسي يلعب دورًا رئيسيًا في هذه النوعية من العمليات؛ فالمحتال قد يوهم العميل بأن حسابه معرض للخطر، أو أن هناك عملية تحويل يجب إيقافها بصورة عاجلة، وهو ما يدفع الضحية إلى التصرف سريعًا دون التحقق من حقيقة المكالمة.

وأكدت الدكتورة منى فتحي، أن البنك المركزي والبنوك التجارية لا تطلب من العملاء البيانات السرية عبر الهاتف أو الروابط، مشيرة إلى أن المحتالين قد يحاولون الحصول على رقم البطاقة وتاريخ انتهائها، والرقم السري الخلفي «CVV»، وكود التحقق لمرة واحدة «OTP»، فضلًا عن بيانات الرقم القومي أو طلب مشاركة شاشة الهاتف.

الخطر الأكبر يرتبط بـ«OTP» 

من أبرز الأخطاء التي يقع فيها بعض العملاء، بحسب خبيرة أمن المعلومات، الاعتقاد بأن معرفة المتصل لبعض البيانات الشخصية تعني أنه موظف حقيقي في البنك. فقد يعرف المحتال اسم العميل أو بعض بياناته، وهو ما يستخدمه لتعزيز الثقة وإقناع الضحية بأن المكالمة رسمية.

كما يمثل الإفصاح عن كلمات المرور وأرقام البطاقات وتواريخ انتهائها والرقم السري للبطاقة أو «CVV» خطرًا مباشرًا على الحسابات.

وترى الدكتورة منى فتحي، لكن الخطر الأكبر يرتبط بسوء فهم وظيفة كود التحقق لمرة واحدة «OTP»، فبعض الضحايا قد يعتقدون أن قراءة الكود للمتصل تساعد في التحقق من هوية موظف البنك أو إلغاء عملية احتيالية، بينما يشير محتوى الملف إلى أن هذا الكود يمثل في الحقيقة مفتاح تأكيد لإتمام عملية مالية. ولذلك، إذا طلب شخص عبر الهاتف إرسال أو قراءة كود «OTP» بحجة إلغاء عملية مشبوهة أو تأكيد الهوية، فإن التصرف الآمن هو إنهاء المكالمة وعدم مشاركة الكود.

الذكاء الاصطناعي يرفع مستوى الخداع

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية بعيدة عن عمليات الاحتيال، بل أصبح، وفقًا للدكتورة منى فتحي، أداة يستخدمها المحتالون على نطاق واسع لتطوير هجماتهم، مع استمرار استخدام الوسائل التقليدية بالتوازي.

إنتاج رسائل شديدة الإقناع 

وبحسب خبيرة أمن المعلومات، تكمن إحدى أهم مزايا الذكاء الاصطناعي بالنسبة للمحتال في قدرته على إنتاج رسائل شديدة الإقناع، وصياغة نصوص احترافية تقل فيها الأخطاء اللغوية التي كانت في الماضي مؤشرًا يمكن أن يساعد المستخدم على اكتشاف الرسائل المشبوهة، كما تتيح هذه الأدوات للمحتالين إنتاج كميات ضخمة من الرسائل خلال فترات زمنية قصيرة، بما يوسع نطاق الاستهداف ويزيد عدد الأشخاص الذين يمكن الوصول إليهم.

هويات وهمية واحتيال مخصص لكل ضحية

وتحذر الدكتورة منى فتحي من أن تطور الذكاء الاصطناعي يسمح للمحتال بالذهاب إلى أبعد من تقليد صوت أو صورة شخص حقيقي، ليصل إلى إنشاء هوية وهمية متكاملة، تضم صورًا وسيرة ذاتية ومقاطع صوتية ومرئية مصممة لخدمة عملية الاحتيال.

كما يظهر أسلوب أكثر تعقيدا يتمثل في الاحتيال الشخصي شديد التخصص الاداة "Spear Phishing"، حيث يمكن للمحتال الاستفادة من بيانات مجمعة ومتاحة للعامة لإعداد رسائل تبدو وكأنها موجهة خصيصًا لكل شخص.

وتشير خبيرة أمن المعلومات إلى أن هذه المرحلة تمثل شكلا من "الهندسة الاجتماعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي"، لأنها تقلل المسافة بين الرسالة الاحتيالية والرسالة الحقيقية، وتزيد صعوبة التمييز بينهما بالنسبة للمستخدم العادي.

التوعية مهمة من أدوات الذكاء الاصطناعي

وترى الدكتورة منى فتحي أن الاعتماد على التوعية وحدها لم يعد كافيا لمواجهة هذه المخاطر، لأن المشكلة أصبحت أكثر تعقيدا، وتتداخل فيها عدة عوامل، من بينها وجود محتالين محترفين يمتلكون أدوات ذكاء اصطناعي متطورة، وبيانات شخصية قد تكون متاحة أو مسربة، فضلًا عن تعرض الضحايا لضغط نفسي وعصبي شديد أثناء تنفيذ عملية الاحتيال.

الصفحات المزيفة

كما لفتت إلى أن بعض الصفحات المزيفة على منصات التواصل الاجتماعي قد تبدو للمستخدم أكثر احترافية من الصفحات الرسمية نفسها، بما في ذلك ما يتعلق بإعدادات الأمان والخصوصية، وهو ما يزيد من احتمالات الخداع.

ولهذا، تبرز الحاجة إلى الانتقال من الاعتماد على وعي العميل وحده إلى منظومة حماية متكاملة تجمع بين الوعي والتقنيات الحديثة وآليات الرقابة المصرفية والتشريعات.

المصادقة متعددة العوامل ومفاتيح المرور

ومن بين الحلول التقنية التي طرحتها خبيرة أمن المعلومات، الاعتماد على المصادقة متعددة العوامل «MFA» بدلًا من الاكتفاء برسائل التحقق النصية التقليدية، إلى جانب استخدام مفاتيح المرور «Passkeys» التي تربط عملية المصادقة بجهاز المستخدم، وكذلك مفاتيح الأمان.

مراقبة التحويلات لحظيًا

وتؤكد الدكتورة منى فتحي، من بين المقترحات المهمة كذلك مراقبة المعاملات المالية بصورة لحظية، فإذا كان العميل يجري عادة تحويلات بمبالغ محدودة، ثم ظهر فجأة تحويل بمبلغ كبير أو عدة تحويلات متتالية خلال فترة قصيرة، فمن الممكن أن تتعامل أنظمة البنك مع ذلك باعتباره مؤشر خطر يستحق التحقق.

خمسة محاور لمواجهة الاحتيال المصرفي

وترى الدكتورة منى فتحي، أن مواجهة الاحتيال المصرفي يمكن من خلال خمسة محاور أساسية، "تبدأ بمنع إفشاء البيانات والتعامل الصحيح مع محاولات الاحتيال، ثم التأكد من هوية المستخدم، واكتشاف السلوك غير الطبيعي، ومنع التحويلات المشبوهة، وصولًا إلى الردع والتحقيق واسترداد الأموال".