حاكم مصرف لبنان: مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تتطلب إغلاق جميع الثغرات وتعزيز التعاون العربي


الجريدة العقارية الثلاثاء 11 اغسطس 2026 | 03:05 مساءً
محمد عاطف

أكد كريم سعيد حاكم مصرف لبنان، خلال كلمته في افتتاح المؤتمر العربي الإقليمي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في بيروت، أن مواجهة الجرائم المالية العابرة للحدود تتطلب تعزيز التعاون بين السلطات الرقابية والمؤسسات المالية العربية، إلى جانب تبادل الخبرات ومواكبة التطورات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، مشددًا على أن الثقة تمثل الركيزة الأساسية لاستقرار أي نظام مالي.

وأشار إلى أن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لا تقتصر على تطبيق إجراءات الامتثال، وإنما تستهدف حماية الاقتصاد والمؤسسات وسيادة القانون، مستعرضًا مبادرة مصرف لبنان القائمة على «حلقات النار الثلاث» لإغلاق الثغرات التي قد تسمح بتسلل الأموال غير المشروعة إلى النظام المالي، مع التأكيد على أهمية التطبيق الفعلي للقواعد الرقابية وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي.

إليكم نص الكلمة:-

أيها السيدات والسادة،

يسعدني أن تكونوا بيننا في بيروت، ويسعدني أن أشارككم افتتاح هذا المؤتمر العربي الإقليمي الذي يجمع مسؤولين وممثلين عن السلطات الرقابية والمؤسسات المالية من مختلف أنحاء منطقتنا العربية، تأكيداً لقناعتنا الراسخة بأن مواجهة التحديات المالية العابرة للحدود لا تتحقق إلا بالحوار الدائم، وتبادل الخبرات، ومواكبة التطورات التكنولوجية بما فيها الذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعاون بين الأجهزة الرقابية المعنية.

وأتوجّه بالشكر إلى الجهات المنظِّمة لهذا المؤتمر على هذه المبادرة القيّمة.

الثقة: الركيزة التي لا تظهر في الميزانيات

يقوم كل نظام مالي ناجح على ركيزتين: ركيزة ملموسة تتمثل في القوانين والأنظمة والمؤسسات الناظمة وتلك الرقابية والبنية التحتية المالية، من مصارف ووسطاء وأسواق؛ وركيزة غير ملموسة، لكنها الأعمق أثراً، وهي الثقة — رأسمالٌ معنوي لا يظهر في أي ميزانية، لكنّ كل ما نبنيه يقوم عليه. وموضوع مؤتمركم اليوم هو بالتحديد الموضع الذي تُبنى فيه هذه الركيزة الثانية، أو تتآكل.

فغسل الأموال — أو بتعبير أدقّ، إعادة تدوير الأموال غير المشروعة — وتمويل الإرهاب ليسا مجرد جريمتين ماليتين تُعالجان بإجراءات امتثال إضافية أو بفرض غرامة باهظة. إنهما وسيلتان لاختراق الاقتصاد المشروع، وإضعاف المؤسسات، وتحويل النظام المالي من أداة في خدمة النمو إلى قناة تُستخدم لحماية الجريمة، وتمويل العنف، وتقويض سيادة القانون.

ومنذ عقدين على الأقل، تطوّرت المعايير الدولية والإقليمية لتؤكّد أن الوقاية أكثر فعالية وأقل كلفة من معالجة الجريمة بعد وقوعها. وهذا لم يعد اليوم موضع نقاش.

السؤال الأصعب، في تقديري، هو التالي: لماذا تستمر الأموال غير المشروعة في اختراق أنظمةٍ تملك، في المبدأ، كل عناصر الحماية والتنبّه؟

والجواب، الذي تؤكده تجارب دول عديدة ومن بينها التجربة اللبنانية، هو أن الحماية المؤسسية ليست ثمرة قاعدة قوية واحدة، بل سلسلة متكاملة من الحلقات؛ وحلقة واحدة ضعيفة تكفي لإسقاط المنظومة بأكملها، مهما بلغت متانة سائر حلقاتها.

حلقات النار الثلاث

لنستعرض سويّاً المعنى الحرفي لعبارة "حلقة النار": إنها تحمي، لا لأن كل نقطة فيها تشتعل بشدة، بل لأنها لا تحوي فجوة واحدة. ففجوة واحدة، مهما صغُرت، تكفي لعبور ما وُجدت الحلقة لمنعه. وهذا هو بالضبط منطق الوقاية المالية: فالمال غير المشروع لا يختبر أقوى نقطة في نظامنا، بل يبحث عن أضعفها. وقوة أي منظومة، تبعاً لذلك، لا تُقاس بأكثر عناصرها تطوراً، بل بأكثرها هشاشةً.

من هذا المفهوم انطلقت مبادرة مصرف لبنان في عام 2025 لإرساء "حلقات النار الثلاث" — The Three Rings of Fire — لا بوصفها ثلاث قواعد منفصلة، بل ثلاث مبادرات متكاملة تُغلق كل ثغرة في نظام تحويل الأموال يمكن أن تتسلّل منها الجريمة، بحيث لا تبقى في النظام المالي حلقةٌ تشكّل خطراً على سواها.

الحلقة الأولى تُغلق الفجوة عند حدود النظام المالي: عند تحديد من يحقّ له الدخول إليه، ومن يحقّ له إدارة مؤسسة مالية أو تملّكها. وقد عملنا، ولا سيّما في قطاع الصرافة ومؤسسات خدمات الدفع، على تشديد شروط الترخيص والملاءة والحوكمة، وترسيخ متطلبات "اعرف عميلك" بما يحول دون تسلّل الجهات غير المشروعة إلى القطاع المالي النظامي؛ فأي تحويل أو استلام أموال نقداً يتجاوز الألف دولار أميركي بات يخضع لشروط رقابية صارمة.

والحلقة الثانية تُغلق الفجوة عند نقطة التقاء المصرف بعميله. فمعرفة العميل والمستفيد الحقيقي لا تكفي إذا اقتصرت على لحظة فتح الحساب، لأن المخاطر لا تبقى ثابتة: فعلاقةٌ قد تكون مشروعة عند نشأتها، ثم يتغيّر نمطها أو الغرض منها. لهذا عزّز مصرف لبنان متطلبات المتابعة المستمرة لحركة الأموال بين المصارف وعملائها، بما يتيح قراءة كل عملية في سياقها الكامل، لا بوصفها حدثاً منفصلاً. ومن هنا، فإن أي تحويل أو استلام نقدي يتجاوز عشرة آلاف دولار أميركي يخضع لشروط دقيقة ومتشددة من الرقابة والشفافية والمساءلة.

وتُغلق الحلقة الثالثة الفجوة الأكثر حساسية بالنسبة إلى اقتصادات كثيرة في منطقتنا، ومنها لبنان: علاقتنا بالمصارف الأجنبية المراسلة. وفي هذا الإطار، نعمل على حماية المصارف اللبنانية من مخاطر عدم الامتثال المرتبطة بالأموال الآتية من جهات مشبوهة أو خاضعة للعقوبات، وعلى تعزيز القدرة على تحديد مصدر الأموال وغايتها الاقتصادية. فالمصرف المراسل لا ينظر إلى سلامة عملية واحدة فحسب، بل إلى نوعية البيئة الرقابية بأكملها. والحفاظ على هذه العلاقات ليس ملفاً تجارياً منفصلاً عن مكافحة إعادة تدوير الأموال غير المشروعة، بل اختبارٌ عملي يومي لصدقية نظامنا الرقابي.

وإذا كانت حلقاتنا الثلاث متساويةً في الضرورة، فإن كلفة تصدّعها لا تتساوى: فأي تصدّع في الحلقة الأولى أو الثانية يُضعف السيطرة الداخلية على النظام؛ أما التصدّع في الحلقة الثالثة فقد يعني خطر خروج النظام المصرفي الوطني من النظام المالي العالمي. وهذا ما يجعلها الأثقل خطورةً إذا ما تصدّعت.

ولا تكتمل فعالية هذه الحلقات إلا حين تعمل معاً، لأن الفجوة تُسقط النظام لا لأنها كبيرة، بل لأنها موجودة. فالترخيص من دون رقابة لاحقة فجوة. والمتابعة من دون تحليل دقيق فجوة. والإشراف من دون معلومات متكاملة فجوة. وحين تُغلق حلقات الدخول إلى النظام، وتترسّخ الشفافية داخله، والرقابة عليه — دون استثناء — يصبح النظام قادراً على منع الاختراق، لا على توثيقه بعد وقوعه فحسب.

وفي هذا الإطار، أودّ أن أشير بصراحة إلى أن بعض المصارف الأجنبية المراسلة ومعظم المصارف المحلية — بل و بعض السلطات الرقابية دولياً — قد ركّزت جهودها خلال العقود الماضية، بصورة أساسية، على مخططات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط ولبنان، حيث احتلّ تمويل الإرهاب موقع الأولوية القصوى. ولا شك أن ذلك كان، ولا يزال، أولويةً لا خلاف عليها- ويجب محاربته دون هوادة.

إلا أن مليارات الدولارات المرتبطة بالفساد، وبالتحويلات التي يجريها الأشخاص المعرّضون سياسياً (PEPs) لم تحظَ بالمستوى ذاته من الاهتمام والتدقيق. ونحن نرى أن هذين المصدرين للأموال غير المشروعة — أي تمويلُ الإرهاب، و اختلاسُ الأموال العامة والخاصة وتحويلُها في إطار فسادٍ تجاري بحت أو فسادٍ سياسي — يستويان في درجة الخطورة، ويجب أن يُعامَلا بالقدر نفسه من الحزم والصرامة – محلياً ودولياً.

التكنولوجيا: الحلقة الأحدث

إن التطور المتسارع في التكنولوجيا المالية والأصول الرقمية والعملات المشفرة يولّد باستمرار تحدياتٍ جديدة في مجال مكافحة تدوير الأموال غير المشروعة وتمويل الإرهاب والفساد والرشوة، تستوجب متابعةً ورصداً حثيثين، وتطويراً مستمراً للأطر الرقابية. فالمال غير المشروع يتّجه بطبيعته إلى الوسائل الأحدث والأقل تنظيماً، أو إلى قطاعاتٍ وتقنياتٍ ناشئة لم تكن أصلاً جزءاً من النظام المالي التقليدي. ولهذا عمل مصرف لبنان على إخضاع مؤسسات الدفع والتحويل، والمحافظ الرقمية، والمؤسسات المالية غير المصرفية، لأطر رقابية محدّثة تواكب هذا التحوّل، انطلاقاً من مبدأ أن الوظائف المالية المتشابهة يجب أن تخضع لمتطلبات رقابية متناسبة مع المخاطر التي تولّدها.

وفي هذا السياق، ونظراً إلى عدم وجود إطار تشريعي حالي في لبنان ينظّم التعامل بالأصول الرقمية والعملات المشفرة، يعمل مصرف لبنان حالياً، بالتعاون مع بنك فرنسا المركزي (Banque de France) ، على إعداد مجموعة من التعاميم والأطر التنظيمية الجديدة التي تهدف إلى تنظيم هذه الأنشطة وإخضاعها لرقابة فعّالة، لا إلى حظرها أو الحد منها. وترتكز هذه المقاربة على تعزيز متطلبات الإبلاغ عن العمليات المشبوهة، بما يضمن إدماج هذه الأنشطة ضمن المنظومة الرقابية وفق أفضل المعايير الدولية.

من النص إلى التطبيق

وهنا يكتمل الجواب عن الهيكلية التي طرحناها في البداية: فحلقاتنا النارية الثلاث لا قيمة لها إذا بقيت نصوصاً على الورق. لقد علّمتنا التجربة اللبنانية أن أخطر الفجوات نادراً ما تكون غيابَ قاعدة، بل التراجع عن تطبيقها، أو تطبيقها بصورة انتقائية، أو تحوّل الاستثناء المؤقت إلى ممارسة دائمة. وحين يُطبَّق القانون على البعض دون البعض الآخر، تتحوّل أقوى دفاعاتنا على الورق إلى أضعفها في الواقع.

ومن هذا المنطلق، فإن المؤسسات التي تُخفق في تطبيق برامج امتثال فعّالة – إن كان هذا الإخفاق من طبيعة بشرية أو تنظيمية - ستواجه تبعات رقابية حازمة، من دون استثناء.

ويعمل مصرف لبنان اليوم، بالتعاون مع سائر السلطات اللبنانية المعنية كوزارة المال والعدل والداخلية وطبعاً بالتنسيق مع رئاسة الوزراء - ، على تنفيذ خطة العمل المتفق عليها مع مجموعة العمل المالي (FATF)، إثر إدراج لبنان على لائحة المراقبة المعزَّزة في تشرين الأول 2024. ونحن نتعامل مع هذه الخطة لا بوصفها مطلباً خارجياً فحسب، بل إستحقاق داخلي فرصةً وطنية لمعالجة أوجه القصور، وإثبات فعالية المنظومة بنتائج قابلة للقياس والتحقق. كما نعمل على أن تعكس برامج الامتثال لدى المؤسسات المالية نتائج التقييم الوطني لمخاطر إعادة تدوير الأموال وتمويل الإرهاب، بحيث تتوجّه جهود القطاع المالي إلى حيث تكون الأولويات الوطنية.

وفي المحصّلة، لا يُقاس نجاح هذه المنظومة بعدد التقارير المرفوعة، بل بنتائجها الملموسة: تحقيقاتٌ تصل فعلاً إلى القضاء، وملاحقاتٌ تنتهي بإدانة، وأموالٌ غير مشروعة تُصادَر فعلياً.

البعد الإقليمي

وعلى المستوى الإقليمي، يتكرر المنطق نفسه على نطاق أوسع. فالأموال غير المشروعة لا تتوقف عند حدودنا الوطنية، بل تبحث عن الدولة الأقل صرامة في بعض النواحي، والسلطة الأقل تنسيقاً مع النظم الماليّة، والقناة التي لا يطالها التعاون. وهذا يعني أن قوة منظومتنا الإقليمية لا تُقاس بأقوى مصارفنا المركزية، بل بأضعف حلقة تعاون في ما بيننا. لذلك، ينبغي ألا يقتصر التعاون العربي على تبادل المواقف، بل أن يشمل قنوات أسرع لتبادل المعلومات، وتنسيقاً أوثق بين مصارفنا المركزية ووحدات المعلومات المالية والسلطات القضائية، وتعاوناً دائماً بين سلطاتنا الرقابية.

خاتمة

إن الثقة في أي نظام مالي، في نهاية المطاف، لا تُستعاد بمجرد الإعلان عن الإصلاح، بل تُبنى حين يرى المستثمر والشريك الدولي أن القواعد واضحة والعقوبات صارمة، وأنها تُطبَّق على الجميع من دون استثناء. فالثقة ليست هدفاً نبلغه بعد الإصلاح، بل المعيار الذي نقيس به تقدّم كل إصلاح.